الربيع العربي

single

إني قلق لما تحمله الأحداث منذ مطلع هذا العام في منطقتنا، من تحركات شعبية هدفت  تغيير نظام الحكم في الدول العربية إلى الأحسن. هذا على الأقل ما كنا قد افترضناه سلفا ولكن بدون أدنى ضمان لذلك، أو قل تلك كانت رغبتنا في أن تجلب هذه الثورات الخير لشعوبها. ولكن قد غاب عن بال الكثيرين منا، قدرة أمريكا، ومن يدور في فلكها- مثل إسرائيل وفرنسا وبريطانيا، في التغلغل والعمل بين الجماهير، بواسطة زبانية جدد لسرقة تلك الثورات.
لقد أطلق على هذه الثورات لقب "الربيع العربي"، ولكن الشيء الوحيد الحاصل، حتى الآن، هو إسقاط رؤساء بعض تلك الدول. ولكن ما أخشاه هو أن لا يكون الربيع عربيًا، بل يكون الربيع أمريكيًا- فرنسيا- بريطانيا- إسرائيليا، يساعدهم في ذلك أردوغان، الذي حسبناه مسلما متضامنًا معنا. وبما يعني ذلك استعمارًا جديدا لبلادنا لفترة لا نعلم مداها.
هناك عدة مؤشرات تدل على ذلك: المؤشر الأول: كل ما حصل، حتى الآن، لم يتعدّ كونه تغيير حاكم قديم انتهت صلاحيته مثل مبارك وزين العابدين والقذافي، أما علي عبد الله صالح وبشار الأسد وغيرهم فكلهم في الطريق إلى هناك. جميعهم انتهت صلاحيتهم لأسيادهم. عندما تحركت الشعوب بحشودها المليونية، فهمت أمريكا والدول الأوروبية، بأن هؤلاء الحكام لا يمكنهم أن يكونوا دمقراطيين بعد! فالدمقراطية، بحسب مفهومهم، تعني قدرة الحاكم على المحافظة على مصالح تلك الدول، وليس الغيرة على  مصلحة الشعوب العربية.
بقاء هؤلاء الحكام لن يفيد الغرب، فليذهبوا إذًا، على أمل إيجاد غيرهم  ليجددوا الولاية.  تتظاهر تلك الدول وكأنها مع رغبات الشعوب وبأنها تفتش عن جدد أفضل، ولكنهم في الوقت نفسه انهم حريصون كل الحرص على عدم سقوط بعض العروش مثل السعودية، فهي الخادم الأمين لأمريكا. لكن بودي طمأنتهم، بأن دورها سيحين، فالمسيرة لن تتوقف. وكذلك الإمارات، التي يتولى فيها الشيخ حمد بن جاسم الذي يتفانى، هو ومحطته الجزيرة، في خدمة سيدته أمريكا وحليفتها إسرائيل. إنه يحاول، بترؤسه للجامعة العربية، أن يقود الأمة العربية نحو منزلق خطير، فقرار الجامعة العربية الذي يصدر عادة في ختام جلساتها أصبح يأتي للجامعة بعد اطلاع أمريكا وإسرائيل عليه، هذا إذا لم تكونا قد تدخلتا في صياغته أيضًا.
بالنسبة لتلك الدول هذه هي الدمقراطية. وبالمناسبة وعلى ذكر جامعة الدول العربية فإن لي رأيا بأنه لا حاجة لها. فأنا  أبن السابعة والسبعين، الآن، ولا أذكر أنها جاءت يومًا ما بخير للعرب، فقد  تحالفت مع أمريكا في الحرب على العراق، وها هي تعبّد الطريق للحرب على سوريا  وحتى الذي حسبناه عربيا تبين أنه ليس بعربي. والبحرين هي مثل آخر على دمقراطيتهم. هناك لعبت الدمقراطية الأمريكية قمة الكذب والحقارة، وما زلنا نذكر حجة احتلال العراق. أما البحرانيون فلا حقوق إنسان لهم. لقد سمحوا حتى بدخول قوات سعودية إليها لإطفاء شعلة الاحتجاجات فيها.
ونعود للشعب الفلسطيني أليس له حقوق، أم أنه كما يقول المرشح الجمهوري للرئاسة جينجرتس بأنه شعب وهمي. أقرأ هذا الكلام وأتذكر جولدة مئير رئيسة الحكومة السابقة التي قالت بأنه لا يوجد شعب فلسطيني، وأضحك. الكل يركع لمنظمة الإيباك الكل يقبّل الأيادي ورضاها حتى فوق رضى  الله.
يحاولون إخافة الجماهير في مصر ودب الفتنة بينهم، لإدخالهم في دوامة لإضاعة الطريق السوي. ها هي المطالب تتعدد والجماعات تكثُر، وليس من المستبعد أن يكون بعضها مدسوسًا. توالت الاعتصامات في الميادين، طالبوا بإقالة حكومة عصام شرف، رفضوا حكومة الجنزوري، وقالوا ان الجنزوري خدم في النظام السابق. ولكن الحديث يجري عن مجرد حكومة مؤقتة تسيّر الأعمال، فالصبر مطلوب وكذلك يجب منح الفرصة لها. من الواجب الآن إعطاء المجال لمصر أن تتنفس، لتلتفت لأعمالها ولاقتصادها. استمرار هذه الاعتصامات أمر مقلق، لان انتشار الفوضى والخوف، بين حوالي ثمانين مليون نسمة، يعني إضاعة مصر. وهنا يكمن المؤشر الثاني . لكن خسئوا.  ففي مصر شخصيات واعية، وأرجو أن تصدق رؤيتي لهم.
وبالرغم  من كل العراقيل والبلبلة،  إلا أن القافلة واصلت مسيرتها ووصلت إلى الانتخابات التي هي أول مطالب الثورة وأتمنى بأن يكمل المشوار إلى آخر المطالب ويحظى  شعب مصر بنظام يكون فيه هو سيد نفسه. ولذلك أقول: يا أخ أوباما، وغيره من مدّعي الديمقراطية، ماذا يهمكم إن كنتُ، أنا، ديمقراطيًا  أم لا؟ أنا لا أحكم شعبكم فاتركوني أتدبر أموري. هدفكم واضح تمامًا وهو أن يتولى الحكم شخصيات تأتمر بأوامركم، ليتركوا لكم الحبل على الغارب للسرقة ونهب الخيرات وتحويل البلدان العربية، إلى سوق استهلاكية لمنتجاتكم.  
أما المؤشر الثالث،  وهو أكثر ما يخيفني في هذه الأيام، هو الوضع في مصر، فبعد انتهاء الجولة الأولى، وتبين فوز القوائم الإسلامية بدأ القلق يساور الكثيرين في مصر وخاصة على ضوء سماع بعض التصريحات التي لا تتلاءم واقع الحياة المصرية. لقد طالت هذه التصريحات الأديب العملاق نجيب محفوظ، الذي اعترف العالم بإبداعه فكرّمه بجائزة نوبل. وهنا للحقيقة نقول انه قد صدر تصريح آخر ومن نفس الجماعات يستنكر التهجم على محفوظ.  وتصريح آخر هو بشأن التخلص من التماثيل المنتشرة في أرجاء مصر، أسوة بما فعله طالبان في أفغانستان، وهي من أهم أعمدة التاريخ المصري بالإضافة لكونها ثروة مصر السياحية.
لن تسلم مصر من كيد أدعياء الدمقراطية فهم يراقبون التطورات وحيث انهم غير متيقنين من أن النتيجة ستكون في صفهم فهم يعدون البرامج سلفا للتخريب ولضرب تلك الحركات. لن يدعوا هذه الشعوب تذوق طعم الحرية، فمنذ بداية الثورة لم يتركوا وسيلة لزرع الفتنة إلا واستعملوها. حاولوا إثارة النعرة الطائفية بحرق الكنائس. ومن المؤسف حقا أن يكون بين تلك الجماعات الإسلامية من يؤيد مثل هذه الأعمال. لقد وجدنا شخصية مثل الدكتور أبو البخاري أحد قادة السلفيين يقول في برنامج "ناس بوك" التلفزيوني لهالة سرحان، بأنه كمسلم يرى أن من واجبه الوقوف لجانب فتاة مسيحية أعلنت اسلامها، وكأن قضية هامشية كهذه هي قضية مركزية ولا توجد قضايا ملحة غيرها.
في مصر،كما في كل بلد دمقراطي، يحق لكل حزب الاشتراك في الانتخابات، وعلى الجميع القبول بأية نتيجة تكون. توقع الناس فوز الجماعات السلامية وهذا ما تأكد في نتائج الجولة الأولى. وهنا أتساءل كما يتساءل الكثيرون، وهذا ما يشغل بال المصريين، كيف يمكن لدولة مدنية، مثل مصر، أن تتعايش مع هكذا حكام، إذا كانت مثل هذه التصريحات حقا هي من أولوياتهم ؟ ولذلك فالأمور في مصر لم تنته بعد وستنشب نقاط خلاف حياتية عديدة التي من شأنها أن تكون تربة صالحة لزرع  الخلافات وزعزعة الحياة ولتصبح ماءً عكرةً يصطاد فيها المتربصون بمصر. حفظ الله مصر .

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

قضايا غير منفصلة

featured

قراءات وسط الحدث خارج التاريخ!

featured

إما أن نكون شعبا، ونتصرف كشعب، أو لا نكون...(2-2)

featured

مبروك للاتحاد عودتها إلى مقرها التاريخي: كي تواصل دورها

featured

غاندي ودرس يوم الأرض

featured

خابت حسابات القيادة الإسرائيلية