أنت من وين؟ سألني الرجل الذي يرتدي الحطة والعقال والقمباز وهو يتفرس بملامحي وأنا احاول الاختباء وراء ظهر أبي..!
مأزق مخيف لف وجهي الطفولي الذي احمر من الخجل، لكن أخرج من ثوبي الحرج وأصرخ، أنا من المجيدل..! أشعر أن السؤال يريد أن يعانق وهمًا يحاول هذا الرجل جعله حقيقة، وأنا أحاول اعطاء سؤاله اجابة تشعره بالفرح، لعبة شطرنج العبها عندما ازور الدكان.
أترك يد أبي عندما أرى الوجوه أمامي قد أشرقت، كأن كلماتي عصرت زمنًا قد اعلن افلاسه، وها أنا بحروف طفولية أعيد الينابيع الى ابجدية الرحيل القسري - الهجيج حسب رأي جدتي.
والدي يربت على كتفي مفتخرًا بصندوق ذاكرتي التي اودعها اسم قريته "المجيدل" أما الرجل الذي سألني من أين أنا؟ فهو حلقة من حلقات الضعف والوجوم التي تكومت حتى اصبحت كتلة ثقيلة تمشي على قدمين، كتلة مصدومة تجلس على نار القهر والانتظار أمام دكان "الكندرجي" الذي هو أيضًا حلقة قهر لكن نفدت من الفقر والحكم العسكري عن طريق تصليح الأحذية، مهنته التي كانت في قريته المجيدل.
في سوق مدينة الناصرة القديم، هناك مغارة صغيرة تطل على الممر الذي يمر منه القادمون الى السوق وبقدرة قادر تحولت المغارة الى دكان لتصليح الاحذية، حين كانت الاحذية لها قيمتها الغالية والتصليح مهنة مربحة لأن الناس لا تستغني عن "الكندرجي" الذي يعيد الحياة الى الحذاء الذي اهترأ وتمزق وفتحت جوانبه بشراهة الزهق والملل من شدة التحمل، وكأن الحذاء يتوسل ويطالب صاحبه بتركه لكي يتخلص من سجن قدمه وينطلق حرًّا، لكن صاحب الحذاء يصر على بقاء الحذاء صديقًا حميمًا لا يتركه، ليس حبًا بموضته والوانه ولكن بسبب الفقر والحكم العسكري البغيض.
كان "الكندرجي" يحمل الحذاء ويضعه على السَّندان، ويتناول كمشة مسامير صغيرة ويدسها في فمه، ثم يأخذ بتناول المسمار تلو الآخر بطريقة ماهرة و سريعة - وكنت اتعجب كيف لا يقوم ببلع المسامير. الى جانب باب دكان "الكندرجي" قرب العتبة المحفورة بالصخر، كانت هناك مساحة لبعض كراسي الخيزران الصغيرة التي تجبر الذي يريد الجلوس على الانحناء والتقوقع فوقها، وكانت القعدة أمام الدكان طقسًا من طقوس اللقاء اليومي لبعض أهل المجيدل، هكذا يقول ابي – أهل المجيدل – يقولها كأن تركهم للقرية لم يوثر على شرايين التشرد، بل يشعرون أن وجودهم مع بعضهم البعض في هذه البقعة الضيقة من السوق القديم نوع من التحدي للنكبة التي حولتهم الى ارواح تائهة وضائعة لا يعرفون متى ستكون نهاية هذا الضياع.
كان أبي يصر على أخذنا معه - أنا وأخي- الى دكان الكندرجي، أحمل السلة التي تحوى احذية التصليح، اقلد وانا احملها جدتي وامي وجارتنا أم ابراهيم، اضع يد السلة في منتصف يدي اليمنى واحملها بطريقة انثوية مغرية، أتخيلها جزدانا يحوى قلم كحل واحمر شفاه فاقعًا، أتصرف كأنني امرأة كبيرة ولست طفلة لم تتجاوز الخامسة من العمر.
يجلس أبي على كرسي الخيزران ويدور الحديث حول "المجيدل" التي سقطت وابتعدت كثيرًا والسنوات تركض بدون حلول، والأسوأ انهم بدأوا يرون البيوت وهي تبنى فوق اراضيهم بعد نسف بيوتهم، ويرون العائلات اليهودية وهي تسكن البيوت الجديدة التي شيدت بصورة سريعة وموزعة لتأكل اكبر مساحة من الأرض، وكأنها تريد التأكيد أن الدولة قامت ولا مجال للتراجع وقد غيرت اسمها الى"مجدال هعيمق".
كانت عتبة دكان (الكندرجي) تنفث الدخان، هكذا كان يخيل للذي يمر من أمام الدكان، حيث يصر الذين يتحدثون على لف الدخان "العربي" كأنهم ينفثون همومًا مصحوبة بعيون زجاجية لا ترى بريقًا من الأمل. والأدهى أنهم لا يعرفون شيئًا عن العائلات التي هربت ولجأت للبنان والاردن وسوريا، والاذاعات العربية تعيش في خداع لفظي لأن واقعهم يفقدهم الثقة بضجيجها، ويشعرون بانعدام الوزن.
اُغلقت الدكان، واختفى "الكندرجي" لم يعد احد يصلح حذاءه، ومات الذين كانوا ينفثون الحكايات والذكريات ممزوجًا بالدخان العربي والذين يهمسون ويؤكدون لبعضهم البعض انه – مهرَّب اتى به احد المتسللين – أما أبي فقد اشتغل بمصنع اقيم فوق ارضه في قرية "المجيدل"، لم يبرح ارضه، لكن أرضه لم تعد له، يعمل فيها، لكن لا ينام فيها، لأن النوم بطاقة بقاء وهو يحمل بطاقة رحيل.
من وين انت؟.. من أي قرية مهجرة؟
سألني احدهم في المسيرة التي توجهت الى قرية لوبية المهجرة – قضاء طبريا، ما ان
سألني حتى شدني من جوف مرآة الذكريات، تخيلته هذا الرجل الذي يرتدي القمباز والحطة والعقال وسألني وانا طفلة.. من وين انت؟ كأنه كان يرى بإجابتي ثوب النجاة من النسيان، والنسيان عدو الاجيال، ونحن يوميًا نتناول حبوب عدم النسيان.
بين الزمن والزمن ليس سنوات طويلة عابرة، بل حياة وآمالا واحلامًا وانتظارًا وموتًا..! كم من الاجيال ماتت وتموت وهي تقف على عتبة البطء وومضة البرق.
الطحالب تغطي القبور، والوطن ما زال يسكن التوهج، هل نردد مع شاعرنا المتنبي (أطويل طريقنا أم يطول)؟!
