- أسس المعارض السوري، المعتقل السابق، نزار نيّوف في العام 2006، بالتعاون مع الطبيبة نعمى خالد الخطيب، والدكتورة ناديا قصار ـ دبج، والمحامي جورج ابراهيم سارة صحيفة "الحقيقة". وموقفها واضح (ومركّب!): إن أي معركة من أجل الحريات العامة والحقوق الأساسية والديمقراطية السياسية، لايمكن إنجازها وإيصالها إلى خواتيمها المرجوة إلا إذا اقترنت بالعلمانية وبالعداء للإمبريالية الأميركية وحلفائها وأدواتها عبر العالم
أمضى الصحفي السوري نزار نيوف عشر سنوات من الاعتقال في زنزانة انفرادية دامت حتى أيار 2001. وقد قضاها ما بين سجن تدمر الصحراوي وسجن المزة العسكري وسجن صيدنايا، فضلا عن فروع المخابرات العسكرية في دمشق (المنطقة، فلسطين، و 248) خلال فترة التحقيق.
أسس في العام 2006، بالتعاون مع الطبيبة نعمى خالد الخطيب، والدكتورة ناديا قصار ـ دبج، والمحامي جورج ابراهيم سارة صحيفة "الحقيقة". وموقفها واضح (ومركّب!): إن أي معركة من أجل الحريات العامة والحقوق الأساسية والديمقراطية السياسية، لايمكن إنجازها وإيصالها إلى خواتيمها المرجوة إلا إذا اقترنت بالعلمانية وبالعداء للإمبريالية الأميركية وحلفائها وأدواتها عبر العالم.
تقول الصحيفة في تعريفها عن نفسها: لقد حاولت "الحقيقة" منذ انطلاقتها، ورغم العثرات والكبوات التي سقطت أو أسقطت فيها، أن تجسّد "الخط السياسي" المشار اليه إليه أعلاه، ولهذا لم ينبها سوى التعريض والقدح والتشهير على مدار السنوات الماضية، سواء من قبل السلطة وأدواتها و"شبيحتها" في الإعلام الرسمي وشبه الرسمي، أو من قبل "شبيحة" المعارضة الذين ينهلون من أدبيات التحالف المذكور ويدافعون عن مصالحه مباشرة أو مداورة.. وليست محض مصادفة أن يتزامن التشهير بـ"الحقيقة" من قبل السلطة ومن قبل تلك "المعارضة" في آن واحد، وأن يجري التناوب على تخريب موقعها من قبل "الجيش السوري الإلكتروني"، ذراع المخابرات العامة، ومن مجموعات "المعارضة" السورية المنتمية للتحالف المذكور، في آن معا!
وهي تؤكد: "إن الطرفين وجهان لعملة واحدة، وحليفان موضوعيان لا يفترقان مهما استكلبا في نهش بعضهما البعض.. إلا إذا كانت قطعان الضباع التي تتنهاش بعضها تفعل ذلك من أجل إحياء الجيفة وبث الروح فيها.. وليس من أجل تقاسم أشلائها وعظامها!".
- لا يزال صحيحًا..
في المرحلة الدقيقة الراهنة لا بدّ من إجراء مراجعة. فلا يزال صحيحًا القول (منذ الربيع الفائت) إن الحالة السوريّة تطرح أسئلة من نوع خاص على اليسار، أي أصحاب الطروحات التي تجمع ما بين فكر ومطلب الحرية والعدالة الاجتماعية والعلمانية، وربط هذه عضويًا برفض الهيمنة الأجنبية على الشعوب وإراداتها وخيراتها.
لا يزال صحيحًا القول إن الحالة السورية مركبة. ومع إغراق الحالة الثورية الشعبية في الدماء يفترض أن يصبح واضحًا، لمن يقصد أن يتابع وأن يراجع التطوّرات بنقد وجرأة، أن هناك جهات تحاول اختراق الحالة الشعبية السورية المنتفضة، لتحقيق مكاسب تتناقض مع المصلحة الوطنية السورية. ولكن لا يزال ضروريًا السؤال: هل يعني هذا أن الانسان السوري هو دمية عديمة العقل والكرامة؟!
لا يزال صحيحًا القول إن تقعير الواقع السياسي والامتناع عن النظر بشكل مركّب الى واقع مركّب بالضرورة، يؤدي الى النتيجة المؤسفة المتمثلة بإخراج الشعب وكرامته الانسانية من المعادلة السياسية حتى "يظلّ الحساب يزبط" – وهو خطأ سياسيّ (وأخلاقيّ) فادح.
لا يزال صحيحًا القول إن مَن يقول للجماهير، عمليًا، إنه يكفي هذا النظام أو ذاك الزعم بأنه يناهض الامبريالية والسلفية فيما هو ينهش شعبه بأسنانه، حتى نوافق على تسويقه كنظام يملك الحق المُباح في قتل متظاهرين مدنيّين غير مسلّحين يطالبون بسقوط الظلم - إنما يساهم في تجهيل الجماهير ودفعها الى استبطان القمع الدموي وكأنه خيار يجب الانصياع اليه، وليس تهشيمه مهما بلغ الثمن.
لا يزال صحيحًا القول إنّ الموقف الثوري هو ذاك الذي يرفض بحزم ووضوح أيّ تدخّل امبريالي في سوريا وغير سوريا، لكنه يرفض بحزم في الوقت نفسه اعطاء أيّ مبرر لنظام يقتل أبناء شعبه.
لا يزال صحيحًا القول إنّ النظام الوطني لا يقتل شعبه. النظام الوطني لا ينهب خيرات بلاده عبر اقربائه ومقرّبيه وحاشياته. النظام الوطني لا يمكن أن ينام وشعبه يشعر بمرارة القهر والفقر والاهانة. النظام الوطني لا يستغلّ الخطر الخارجي ليعزّز قبضته من خلال دوس كرامة وحرية شعبه. النظام الوطني يجب أن ينحني أمام شعبه بل يقبّل قدميه، لأن الشعب هو الصخرة الصلبة الأساس في وجه جميع التدخلات الأجنبية. ومَن لا يثق بالشعوب ويقبل بإهانتها وإذلالها، مهما بلغت الذريعة، فعليه مراجعة مواقفه وحساباته اذا اراد الحفاظ على مبادئه وضميره.
لا يزال صحيحًا القول إنه وسط هذه الحالة المعقّدة، فإن من يقسّمون الكون الى معسكرين، واحد مع الامبريالية والآخر مع النظام، إنما يرددون أكاذيب. إنهم يكذبون، على أنفسهم أولاً، مهما صدقت نوايا بعضٍ منهم.
لا يزال صحيحًا القول إن هناك سوريين وطنيين وتقدميين لا يحتاجون شهادات من أحد، يرفضون التدخّل الاجنبي في وطنهم – بما فيه تدخّل أنظمة النفط العميلة – لكنهم في الوقت نفسه يرفضون بقوّة إهانة كرامتهم وإنسانيتهم ويطالبون بالحرية لشعبهم أسوة بجميع شعوب الأرض.
لا يزال صحيحًا القول إن هؤلاء الأحرار السوريين، ومعهم متضامنون وأنصار شرفاء من كل الشعوب العربية وفي كل العالم، ليسوا إرهابيين ولا متواطئين ولا مذدنبين لا للإمبريالية ولا لعلوج النفط ولا لأحد.. هؤلاء شرفاء أحرار يرفضون إدخالهم كالفئران في مصيدة تبقي لهم خيارين بائسين وحيدين: ظلم العدو الخارجي أو ظلم ذوي القربى. لا! إن من يحاول زجّ البشر بين نارين من الذلّ، عليه أن يراجع أخلاقياته الثورية والانسانية من أساسها.
لا يزال صحيحًا القول إن النظام السوري الذي تصرّف بدموية وغباء يتحمّل المسؤولية الأولى عن خلق حالة معقدة سارعت لاستغلالها، كالمتوقّع، قوى داخلية متواطئة وأخرى خارجية معادية لمصلحة سوريا الوطنية – هذه المصلحة الوطنية التي لا يزال النظام السوري فاقد القدرة على تمثيلها بفعل غبائه وغطرسته ودمويته في التعاطي مع مطالب شرائح شعبه الشريفة.
لا يزال صحيحًا القول إن هذا النظام لا يملك أيّ حق في الوعظ والتنظير على المعارضة الوطنية الشريفة.
لا يزال صحيحًا القول إن من واجب هذا النظام الاستدراك والاعتذار والتحالف مع شعبه لدرء الخطر الحقيقي المحدق بسوريا الغالية، من الداخل والخارج.
- ما يصحّ قوله الآن
ما يصحّ قوله الآن، أيضًا، إن تباكي أنظمة النفط والعمالة في الخليج على حقوق وحرية الشعب السوري هو عهر واطئ يتوجّب على كل صاحب ضمير أن يفضحه ويرفضه؛ فلتمارس هذه الحثالات المتسلّطة ما تجعجع به في الممالك والامارات التي تتربع فيها على صدور شعوبها - وهو ضربٌ من المٌحال طبعًا لأن حرية شعوبها منوطة بالمطلق بسقوطها. أما أن تصمّ آذاننا بجعجعات عن الحرية والديمقراطية فهو ما لا يُعقل أن يسكت عنه من يدّعون دعم ثورة الشعب السوري العزيز. فحتى لو تم تضليل شرائح مقموعة من هذا الشعب ودفعها الى درجة تفضيل أي بديل على النظام الغبي والدموي الحاكم، فإن مدّعي الثورية والتقدمية الذين يسكتون على دعارة علوج النفط وأسيادهم في العواصم الرسمية – يجب أن يعلموا أنهم مسرنمون في رتل القوى التي قتلت منا ولا تزال تقتل العراقي والفلسطيني وغيرهما، والتي تخدم مصالح مناقضة لمصالح شعوبنا بالمطلق.
ما يصحّ قوله الآن إن مصيبتنا كبيرة حين تنقسم شرائح هامة من القوى العربيّة النيّرة ما بين التصفيق لنظام دموي والقبول بالتعامي الاختياري عن أيديه الملطخة بالدم، وما بين القبول بالتعامي الاختياري عن وجود قوى رجعية واستعمارية تحارب ذلك النظام ليس لمصلحة شعب سوريا، لا، بل استغلالا لثورته المجيدة بغية خدمة مصالح قذرة هي أبعد ما تكون عن مصالح الشعب الحقيقية وحريته وحقوقه وكرامته.
ما يصحّ قوله الآن إن من يختار رؤية نصف الحقيقة المُرّة فحسب، فإنه يدوس على حرية وحقوق الشعب السوري. إن الامتحان الحقيقي سيظلّ التمسّك بمبدأ أن الشعب السوري هو صاحب الحق في تقرير حاضره ومستقبله، وليس النظام الدموي من جهة ولا القوى الرجعية العميلة من جهة أخرى، تلك التي تنصّب نفسها مدافعة عن قيم هي فيها جاهلة أمّيّة بل السبب في غيابها.
ما يصحّ قوله الآن وغدًا هو أن المأساة بحجم ثقيل ومؤلم وقاتل. فالطرف الوحيد المتضرّر من تسليح الثورة وجرّها الى عنف أهليّ هو الشعب السوري. وبالمقابل، تتمعّن فترى أن المستفيد من إفساد الثورة وضرب سلميّتها بالرصاص والدماء هما الطرفان "المتنازعان": نظام دكتاتوريّ دمويّ من جهة، وقوى رجعية واستعمارية دمويّة من جهة أخرى. كلاهما عدوّ لروح ثورة الشعوب العربية. ومرة اخرى، تصبح المأساة فوق طاقة التحمّل حين يتفكك معسكر المتنوّرين التقدميين العرب الى شراذم، واحدة تتبع نظامًا قذرًا وأخرى تتبع قوى لا تقلّ عنه قذارة.
ما يصحّ قوله الآن وغدًا إن الأمل كان وسيبقى في القوى السورية الشريفة – وهي الأغلبية - التي تعي جيدًا أن مصالح "الخصمين" متطابقة في إغراق ثورة شعبها في الدمّ، وستظلّ تسعى للحفاظ على سلميّة نضالها لأجل إنقاذ وطنها وشعبها وحريته وحقوقه ومستقبله.
ما يصحّ قوله الآن وغدًا إنّ الليل زائل.. ليل الدكتاتوريات المغضوب عليها أمريكيًا وليل الدكتاتوريّات المرضيّ عنها أمريكيًا. فهذه وتلك هي عدوّ شعوبنا. ومرة أخرى: من المثير للحزن والأسف التعاطي مع قضية بهذا الحجم الهائل بمصطلحات وروح لعبة كرة قدم.. ما العمل، إن الحياة تفوق بتركيبتها الاكتفاء الكسول بالنظرات الاطلاقيّة.
المأساة بحجم ثقيل ثقيل ومؤلم وقاتل. وليس أمامي إلا أن أنحني إجلالاً أمام كل سورية وسوريّ وطنيّ حرّ، حقًا.
