ما زال من الصعب إدراك حجم الحدث التاريخي الذي وقع في تونس، يوم الجمعة ، باضطرار الرئيس الطاغية زين العابدين بن علي إلى مغادرة البلاد التي حكمها لقرابة ربع قرن بالحديد والنار. ويحق لنا ولكل الشعوب العربية ولجميع قوى التحرّر في العالم أن نحتفل بهذه اللحظة التاريخية الكبيرة، التي تؤكد حقًا ما قاله الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي "إذا الشعب يومًا أراد الحياة/ فلا بد أن يستجيب القدر".
لقد صنع الشعب التونسي وقواه المناضلة يومًا مشهودًا في التاريخ الإنساني والعربي الحديث، حين نجح متظاهرون مدنيون، عزّل من كل شيء إلا الوعي والإرادة، خرجوا إلى الشوارع بتظاهرات مليونية دفاعًا عن حقهم الأساسي في العيش الحرّ الكريم، نجحوا في وضع حد لنظام قمعي صادر حرية شعبه ومصّ دماءه وموارده لصالح "مافيا" استحوذت على الاقتصاد التونسي.
كثيرٌ من الشعوب العربية تكابد أوضاعًا أقسى وأنظمةً لا تقل بطشًا عنها في تونس. لكن من الفوارق الأساسية أنّ بنية الدولة التونسية (التي آلت إلى ما آلت إليه بعد مرحلة التحرّر والاستقلال) أدت إلى عدم تدخل الجيش لصالح النظام، هذا إلى جانب علمانية المجتمع التونسي نفسه، ووجود معارضة قوية وحركات نقابية متجذّرة وفاعلة، في مقدمتها حزب العمال الشيوعي التونسي. كل هذه العوامل كانت حاسمة في تبلور وعي شعبي ثائر رغم كل القيود، وفي تحرّك الشارع بشكل منظم وإن بدأ عفويًا، وفي صناعة هذا اليوم التاريخي العظيم.
لقد ضخّ شابات وشباب ونساء ورجال تونس المناضلات والمناضلون جرعةً كبيرة من الأمل في شرايين الشعوب العربية في زمن التكلـّس واليأس والانكفاء. وفتحوا أفقًا جديدًا أمام مئات ملايين المواطنين العرب الرازحين تحت نير الاستبداد والاستغلال.
فألف تحية تضامن وفخر واعتزاز لشعب تونس البطل.. ألف وردة على أضرحة الشهداء والجرحى.. والعقبى لكل شعوب العرب والعالم أن تصنع أيامًا مجيدة كهذه..
()
