سيبقى واقفا شامخا وان ترجل الفارس، كلماته، ابحاثه ومقالاته وصباح خيراته باقية في شموخ تاريخها ووقائعها وتحليلاتها وصدقها وانعكاسها من رحم الحياة، باقية بقاء الظلم والاستبداد مهما تابع متطاولا في الزمن، باقية بقاء الحق ومطالبيه واصرارهم على الحياة لان على هذه الارض- ارضنا الطيبة المعطاءة- ما يستحق الحياة.
كنا على تفاهم واتفاق لن تغيره السنون بأنه علينا اتخاذ كل الوسائل والطرائق الى استنهاض الهمم وبعث الامل ومحاربة اليأس ورد الثقة الى الناس الذين نحن منهم واليهم، والذين من الممكن ان يتمكن سوء الظن منهم بأنفسهم حتى يكاد يقتل فيهم روح الامل والطموح أو ليسوا لحما ودما ومشاعر واحاسيس، عندها يستكين الناس للهزيمة. كنتَ وما زلنا على اعتقاد ان فتور العزائم يؤدي لا محالة الى الانصراف عن جهاد العدو الرئيس، عدو الشعوب ومصاص دمائها، فما بالك يا اخي بجهاد النفس وصعوبته ومرارته اوليس:
ألعيش في ذل مرير طعمه والموت في ساح الجهاد هناء!
نعم ايها الرفيق الصديق لقد عزّ الفراق.
فلمثل يومك كان الدمع مدخَرا بالله يا مقلتي سحّي ولا تقفي
لا تحسبنّ جود دمعي بالبكا سرفا
بل شح عينيّ محسوب من السرف
عز الفراق نعم ونحن في اشد الحاجة وامسها لتلك المواقف الواضحة التي لا تشوبها شائبة من ضبابية وتفسير ذي الاوجه المتعددة، رسالتك تقدمية على كل المسارات الحياتية ومضامينها، فما طعم الحياة بدون رسالة، حتى لو خذلت هنا وهناك لم يخرجك غضبك عن الحق ولم يدخلك رضاك بالباطل! تلك الحزازة التي لم تنجلِ بل اختفت لبعض الوقت تتربص!
كنت ذلك السد المنيع بوجه ذلك الفكر الرجعي الذي اراد وما زال احتكار الارض والفضاء لصالحه وحده، فيقدم على جريمة ستر مطامعه بدمقراطية زائفة راحت تتلمس ما يتعارض مع روحها ذاتها لكي يتوقف تيار التقدم، أفلا ينقضون دمقراطيتهم المزعزمة كما تنقض الصاعقة البناء!
لم ترجع قيد انملة عن رأي اعتقدته وقررته لمجرد صيحات وحركات ليس فيها لسلطان الحق ولا قوة النزاهة والاخلاص.
من منا لا يعرفك، ومن منهم ذاك الذي يتحسس غباءه بسطوع ووضوح رؤيتك! فكانت سعة خيالك وامتداد أملك وتمسكك بالعقلانية في آن واحد وصفة ودواء نجد فيها حلول المشاكل السياسية والاجتماعية معا.
إن القيم التي تربّى ونشأ عليها ومن ثم ربّى عليها احمد سعد في ذلك البيت الفقير المغمور بهموم العيش ومتطلبات الحياة، ومن ثم في حزبه الكبير الشامخ شموخ جبالنا الجليلية الراسخة في وجه سموم الرياح العاتية، تلك القيم القادرة على هداية الانسان وعلى اضاءة حياته بنور الحق وعلى منحه طاقات لا حدود لها من اجل الخير والحق والمحبة، ثم خرج بعد ذلك الى الهواء الطلق بعد ان اتسعت رئتاه وانتظم قلبه.
لقد عشت في بيوت شعثاء، غبراء ليس فيها من الفُرش، ما يشغل العين الناظرة فما زادك الامر الا صلابة، اوليس لك رصيد زاخر مقاوم محارب لدعاة الهزيمة الذين ينادون بترك "مصدر المتاعب" ويرون الحيز في التخلّي عنه (ويكفون) انفسهم هذه "المشاق" التي لا قبل لهم بها. هؤلاء الذين يفكرون على هذا النحو هم الذين يؤثرون الراحة على الكفاح ويحلون المشاكل بالهرب منها بدل مواجهتها والعمل على حلها، اوليس هذا هو الهم بعينه. تلك دعوة ستظل تنفخ في بوق الحياة حتى يتحرك كل خامل ويستيقظ كل نائم ويجد كل كسول.
كفاك فخرا وكفانا فيك، ان هاجسك كان ولم يتوقف ولو للحظة عن فكرة الوحدة التي تجمع الناس حول المطالبة بحقوقهم والتي هي دعوة الى الحرية والى هدم سراديب الظلم والاستبداد فكتبت حافظا للشعب قابلية التحرك شاحذا ملكة الاحساس فيه وبالتالي قابلية الدفاع عن الحق والشجاعة في متابعة المُثل والاهداف، فعلمت الولع بالثقافة الملتزمة الهادفة وادمان القراءة والاعتداد بالنفس.
أولم تحمرّ وجنات التواضع خجلا من تواضعك! فكنت فاضحا لهؤلاء الذين بوأتهم الشهادات مكانا عليّا، فجعلوا همهم جمع الثروات واستغلال المناصب الامر الذي كان مرفوضا عليك بكل المعايير وممجوجا بكل المقاييس، فزينت لهم الطريق الصواب بمواهبك الادبية اخلاقا رفيعة، وشمائل قويمة، وحياة معطاءة مستقيمة من نبعك المدرار الفياض، عسى ان تفيء عليهم من وضوح الرؤية ما قد يفيدهم ويهديهم سواء السبيل؛
حاولت ولم تيأس هدم ذلك السور الذي أشادوه حول افكارهم التعسة:
لا لشيء الا انه سور- وخلف السور شيء لا تصدقه الظنون!
فكان ان اختار الذين اتخذوا الحرية منارا وهدفا ونبذ الذين اتخذوها نفاقا وتفريقا ويبغون عليها قيمة وممارسة، اولئك الذين سيضيعون في غمرة الضجيج وزحمة الاحداث، لربما يكون القصد- قصدهم- تنحية عقول المجتمع ومثقفيه الواعين عن المعركة لتبقى حومة الوغى حكرا على فئة معينة لا تعقل دعواها ولا تفهم مرماها ولا تقدر نتائجها، حتى يصبح قولهم حكما ورأيهم قطعا وقرارهم حسما وتوصيتهم فصل خطاب. تكاد تراه عيناي الآن وتسمع حديثه الشهي الذكي، المعطر بذلك الاخلاص العميق والوثيق لقضيته السياسية المتمثلة بمناصرة الحرية وبمناصرة طبقته وشعبه والشعوب المظلومة يناوئ الخطأ والموقف السياسي محاربا اياه مرارا بالنكتة اللاذعة والمحرضة والرافضة، لا يؤثر في صلابته لهب ولا يهز تقديره حدة ولا تذيب مناعته سخونة، عاقدا العزم على الصمود، على تحمل الآلام على الوقوف فوق القدمين مهما أثخن الحسد بالجراح واصطبغ بالدم والسند هو الصبر، واصدقاؤه الاطباء لفي كثرة كاثرة لو ذكروا جميعا لشمت في صحته الشامتون.
ذلك الاحمد الاسمر، سمرة الارض التي عشقها واحبها وهام بها وحُرم منها، ذلك الحرمان من بلده/ قريته الذي أبى الا ان يسجله تاريخا بوفاته واحتضان ثرى الوطن لجثمانه، فكان يوم استقلالهم يوم نكبتنا 20/4/2010،
أبى الا ان يستمر رمزا لمعاناة شعبه مما زاد الحزن القاتم والتشاؤم القلق، ولكن سنعتقد ونعمل على ان يكون كل ما حولنا مبشرا بالامل رغم تشاؤم المتشائمين.
فنم قرير العين.
(كفرياسيف)
