ما بين نعمة تسعفنا وبين نقمة ترهقنا نعيش، كما عاشت قبائل ومجموعات خلدها التاريخ والمؤرخون، حتى قبل أن ينشأ ويتطور علم الاجتماع الحديث بفروعه واستحداثاته.
أن ننزع إلى التعميم والشمولية في إطلاق رأي، موقف أو توصيف، النتيجة دائماً تبقى في دائرة النقمة والأذى، يلحق فينا ولا يبرح عن كونه اختياراً فجاً وإن أعفانا من عناء الاستقصاء والقراءه المتمعنة.
لا لأنني عدت إلى ابن خلدون المؤرخ، أو إن شئتم عالم الاجتماع، أكتب هذا، بل لأننا قوم مصابون بداء التعميم الذي يغشي بصرنا ويشوش بصيرتنا.
هكذا كنا، ما قبل أحداث شفاعمرو وهكذا سنكون بعدها. عشرات المقالات والتحليلات كتبت وتبقى الأخطر تلك الملاحظات التي كتبها مئات المعلقين على ما نشر في جميع المواقع الالكترونية، فأصحاب هذه التعليقات انقسموا إلى متهمين للدروز ومواقف الدروز، هكذا بتعميم سطحي يعادل نقمة، أو بمواقف برأت الدروز هكذا أيضاً بتعميم لا يقل سطحيةً ويعادل ايضاً نقمة.
وكما في كل مصيبه تنزل فينا، كثيرون أكدوا لنا وهم العارفون المتيقنون، أن وراء هذه الاحداث أيادي حكام إسرائيل وعملائها الناشطين في وضح النهار، فهم لا يتلبسهم خجل ليأووا الى ليل يستر عورتهم وخزيهم.
منذ نشأتها والى يومنا دأبت اسرائيل ومن خلال سياسة فرق تسد ان تعاملنا كملل وتسعر بيننا نار التفرقه والطائفيه فلا جديد في هذا وهي مقولة صحيحة بكل تأكيد. ولكن ما يعنيني هنا هو نجاح هذه السياسه فلولا ضعفنا وعيبنا لما نجحت اسرائيل ولما استشرس هذا الداء ليوصلنا الى ما نحن فيه.
ما حدث في شفاعمرو هو أمر خطير ومقلق وهكذا أيضاً ما حدث قبله في المغار وفي أماكن أخرى، ولكنني اعتقد أننا لا نستطيع أن نريح انفسنا ونكتفي باتهام أولئك النفر من الشبان الذين "تخرجوا" من جيش الاحتلال الاسرائيلي وما حمَّلتهم هذه الخدمة من قيم وأفكار مريضة ينقلونها إلى مواقعنا، فكما في نابلس هكذا في شفاعمرو وحامل العصا واحد والضحية هي الضحية.
لا أحد ينفي تأثير هذه الحاله على هؤلاء ولكن واضح للجميع أن هنالك مجندون عرب آخرون يتطوعون للخدمة في جيش الاحتلال من المسيحيين والمسلمين، وبعضهم يفعل ذلك مستقوياً بقطعة السلاح التي تعطى له وببزته العسكرية.
إنني أعي أن هنالك فوارق واختلافات أساسية بين الحالتين ولكن برأيي أن العوج يكمن في الظاهره والحاله التي تدفع بهذه الاعداد للتجند والخدمة ولكن يبقى الفشل هو فشل من كانت عليه مسؤولية تربية هذه الأجيال لتحصينها كي لا تقع في هذه الخطيئة الآخذة بالتفشي.
وفي شفاعمرو استخصم الدروز المسيحيين ولكن في مواقع أخرى اشتعلت نار، أو أشعلت، بين خصمين/طائفتين من قرية لا يسكنها دروز ولم يكونوا فيها طرف لا من بعيد ولا من قريب، ولذلك أقول أن الداء وإن كانت له ميزات خاصة في كل مرة يضرب ويعصف بها بأجسادنا، يكمن في علة نطيل الحديث عنها ولا نفعل ما يكفي لدرئها وعلاجها وهي الطائفية.
باعتقادي أن لا طائفة تستطيع أن تبرأ نفسها من هذه الآفة، فعندما تسمع وتعرف أن هناك قرى مسيحية تحذِّر أبناءها من بيع أراضي لغير أبناء ملتهم، أو أفراداً لا يبيعون إلا لأبناء ملتهم لا تستطيع أن تدَّعي أن المسلمين والدروز يستقوون على المسيحيين الأبرياء والضعفاء.
وعندما تسمع أئمة مساجد في قرى، وبعضها مختلط من جميع الأديان، تستدعي النصر للاسلام والمسلمين على الكفار والكافرين، ويسمع جار المسجد المسيحي "الكافر" هذه الأدعية لا يمكن أن نبرئ من يؤم ويخطب وينشر باسم الدين هذه الفرقة والعداء.
وعندما تسمع بعضاً من القيادات الدينية والدنيوية الدرزية تتباهى بـ"حلف دم" مع جيش يمارس احتلالاً بغيضاً وقامع لأبناء شعبهم، الذي هو شعبي، لا تستطيع أن تعزو خلافاً، سواء في شفاعمرو أو غيرها، فقط لسوء فهم بين بعض الشباب الطائش هناك.
لا أقول هذا لأبرئ من غمست يده في دم وعرض أبرياء في شفاعمرو وغيرها، فمن خطط، شارك وحرض على مثل هذه الفتن تجب معاقبته، ولكن أقول هذا وأعرف أن لا أحد سيستفيد مستقوياً بسلاح جيش يوصم يومياً، بجرائمه وموبقاته، وأن لا طائفة ستغنم بسبي من معارك لن تبقي ألا خاسرين ومدميين في عار استعدائهم لابناء شعبهم وقومهم وهذا يصح على الجميع.
أعرف أنني أخوض في حقل الغام ولكنني اعرف أن الامور يجب أن تقال بجرأة وأمانه بلا طأطأة رأس أو تأتأة لسان.
سأتناول في مقالة قادمة بعض التفاصيل التي لم تأخذ حقها وبعض ما أراه من نقاط، من شأن استعراضها أن يفتح باباً للبحث والنقاش، عساه يسعف كل من يؤمن أن الدين لله ولنا ولابنائنا الحياة.
وإلى أن أفعل ذلك، أنهي بتحية خاصة إلى الأخ فريد غانم رئيس المجلس المحلي في المغار الذي سمعته يتحدث عبر موجات الأثير، وكأنه يتحدث بلساني، وأيقنت مجدداً كم في التعميم من نقمة.
