جاء انتخاب العماد مشيل عون أمس رئيسًا للجمهورية في لبنان، بعد شغورٍ رئاسيّ امتدّ نحو ثلاثة أعوام، انتصارًا هامًا للبنان المقاوم، ولجميع القوى المعادية للهجمة الاستعمارية-الرجعية في المنطقة، لا سيما على سوريا.
وجاء اضطرار قوى مركزية في فريق 14 آذار لتأييد "الجنرال" مؤشرًا على تغيّر المعادلات الإقليمية، وبالأساس على أزمة نظام آل سعود المجرم، وفشل مخططاته الدموية في سوريا وفي اليمن، وإخفاقه في مواصلة فرض سياسة "الفيتو" على عون، وفي انتخاب رئيس أقرب إلى المحور السعودي-الغربي، وليس إلى المقاومة وحلفائها. بل وفشلوا حتى في مناورة ترشيح سليمان فرنجية، المحسوب بدوره على نفس محور المقاومة.
وتغصّ الساحة اللبنانية بتناقضات كثيرة، بعضها مفتعل وخصوصًا في ظل نظام التحاصص الطائفي. إلا أن الفرز الأساسي، كما نراه، هو بين القوى التي تدور في الفلك الغربي-الخليجي وتعادي سوريا والمقاومة وسلاح المقاومة، وبين القوى التي تطرح بديلاً وطنيًا مستقلاً، يرى في سوريا عمقًا استراتيجيًا وفي المقاومة حليفًا استراتيجيًا، وفي قوى التكفير والإرهاب خطرًا استراتيجيًا.
ففي عصر التفتيت والفتن الطائفية، واستهداف المسيحيين في الشرق تحديدًا في إطار تأليب النزعات الطائفية والمذهبية والإثنية، يطرح التيار الوطنية الحر ما يُعرف بـ "الوثيقة المشرقية"، والتي تؤكد على عروبة المسيحيين وكونهم جزءًا أصيلاً من هذا الشرق وشركاء كاملين في الوطن والمواطنة، وليس رعايا للدول الاستعمارية أو حلفاء محتملين لإسرائيل العدوان والاحتلال.
ورغم ماضيه المثير للجدل في حقبة الحرب الأهلية، فما يطرحه الرئيس عون يمكن أن ينسجم مع رؤى وجهود القوى الساعية لتحرير لبنان من التبعية للخليج وللسفارات الأجنبية، ونأمل أن يؤسّس لتغيير أعمق في النظام السياسي، كالذي يطرحه الحزب الشيوعي اللبناني، وفي صلبه الخروج من القيد الطائفي وضمان المساواة المدنية والعدالة الاجتماعية بعيدًا عن الإقطاع الطائفي وعن معادلات "اتفاق الطائف" الذي فرضه آل سعود قبل ربع قرن.
وسينسحب هذا التطوّر الهام حتمًا على جميع جبهات المنطقة، لا سيما الجبهة السورية، والتي لن يكون لبنان الجديد خنجرًا في خاصرتها. وعلى جميع القوى المعنية تحويل هذا الإنجاز إلى رافعة في مواجهة المشاريع الاستعمارية-الرجعية وأدواتها التكفيرية، وتعزيز الوحدة الوطنية للشعوب العربية.
