"عمر" يتحدّى المفاوضات

single

الذي يميز السينما الفلسطينية عن السينما في كل دول العالم دخولها في نفق القضية الوطنية وانشغالها بالصراع الدامي بين الشعب الاسرائيلي والفلسطيني واللجوء والتشرد والسجون والزنازين والخيانات العربية، وتأثير الاحتلال على العادات والتقاليد والقيم السلوكية والاخلاقية والتدمير النفسي للإنسان الفلسطيني الذي يعيش تحت مطرقة الاحتلال وسندان التنازلات وتضاؤل الاحلام والتفاؤل في ظل العهر والضعف العربي.
السينما في جميع دول العالم تحمل القصة الانسانية والتاريخية والحكايات المتعددة، لكن السينما الفلسطينية لا بد أن يحمل الشريط السينمائي - مهما كانت القصة - خيوط القضية الفلسطينية والمعاناة التي تنزف دمًا ودموعًا وعرقًا مع حياة الناس اليومية (الفن ليس طريقة معقدة لقول اشياء بسيطة، بل طريقة بسيطة لقول اشياء معقدة).
 ان تتغلغل الكاميرا الفلسطينية في أعماق النفوس والكشف عن أسباب القهر والكبت والخوف والتحدي والصمود والغضب بالإضافة للتدهور المعنوي وذوبان الكثير من المبادئ والشعارات والعبارات وتشويش الرؤيا والحذر والتساؤل لماذا يتصرف القادة والوزراء هكذا؟ وما هي نهاية المفاوضات واللقاءات وطق الحنك وضجيج الطاولات؟! ولماذا لا يملك القادة والمسؤولون الاجابات الواضحة والصريحة والشفافة كي يهدأ الشعب ويطمئن! وكيف يفسرون حالة الحمى الجنونية لإقامة المستوطنات ومصادرة الأراضي والاغتيالات السياسية التي تتم في المدن الفلسطينية والتعاون والتنسيق الامني بينهما؟
رغم قلة الموارد المالية والانتاجية الا ان السينما الفلسطينية بفضل تواصل واصرار قوافل الشباب والصبايا الذين حملوا لواء الاخراج، وأيقنوا أن صراع الشعب الفلسطيني اليومي مع الاحتلال قد تحمله الشاشات بأمانة وقدرة تفوق قدرة السياسيين، ويقوم الفيلم بمهمة السفارات في جميع انحاء العالم، فالفيلم ليس مجرد صورة عابرة بل فكرًا ورؤية وقضية، وعلى العالم والشعوب ان تعرف وتعلم الكثير عن المعاناة.
"عمر" الفيلم الأخير للمخرج الفلسطيني النصراوي هاني أبو أسعد الذي اخرج قبل ذلك فيلم "الجنة الآن" ,الذي وصل الى ابواب الأوسكار العالمية وطرح فيه قضية الاستشهادي الفلسطيني بين الواقع والواجب الوطني والتردد والخوف، ولمس من خلال ذلك الاستشهادي الحالة الانسانية التي تواجه اللحظات الاخيرة من الحياة، ويشير باللوم الى اصابع الاحتلال التي تعبث وتمزق النسيج والحياة والوجود الفلسطيني وتدفع المرء الى وضع حزام ناسف.
من خلال فيلم "عمر" حاول المخرج هاني أبو أسعد تكبير الصورة الانسانية لدى الفلسطيني المطحون يوميًا ليس فقط بالجيش والحواجز والحصار والمستوطنات والخوف الدائم بل اضاف لمعادلات القهر الجدار العنصري الذي فصل "عمر" الذي يعمل في فرن عن حبيبته "نادية" التي يقوم العاشق "عمر" بزيارتها متحديًا الجدار، عبر حبل يصعد بواسطته الى الجهة الثانية من البلدة التي قسمها الاحتلال، والمضحك ان جنود الاحتلال يقومون بإطلاق الرصاص عليه حتى وهو في الجانب الآخر او الجانب المسؤولة عنه السلطة الفلسطينية، أي حتى وهو في الجانب الفلسطيني محاصر وتحت انظارهم.
يخوض فيلم "عمر" بقضايا الاعتقال والتعذيب بشتى الوسائل والزنزانة والعصافير الذين تكون وظيفتهم اسقاط السجين السياسي عبر الخداع بالتعاطف والتقرب الى حد الاعتراف لهم.
 ويظهر أيضًا مدى الضغوطات النفسية التي يتعرض لها السجين الأمني، لكن في الوجه الآخر نرى المقاومة والصمود والكبرياء والرفض، وقد سلط المخرج هاني أبو أسعد الضوء على كلمة "جاسوس" وكيف يرفض المجتمع الفلسطيني الجاسوس بشدة، ويعتبره خارجًا كليًا عن المجتمع، وأظن أن المخرج قد منح "الجاسوسية" في فيلمه ذلك اللون الكلاسيكي الرومانسي، والواقع الفلسطيني فيه الكثير من تلك الوجوه التي تتعامل مع السلطات الاسرائيلية وغطاء اتفاقية اوسلو كفل الأمن والأمان للكثير من الجواسيس.
نهاية الفيلم كانت مغايرة للواقع الذي يسعى وراء المفاوضات، الرصاص هو الحل النهائي، حين يقتل "عمر" رجل المخابرات الذي يساومه على سمعته وتدمير اسرته أو التعاون معهم، تكون الطلقة الأخيرة في رأس الرجل – الفخ أو المصيدة - الذي يسعى لإسقاط الفلسطينيين.
"عمر" الفيلم الواقعي الذي يتحدى نهج المفاوضات الجارية بالأمل والتفاؤل، رأيناه حين أراد البطل "عمر" تسلق الجدار ولم يستطع حيث يسقط عدة مرات، لكن نرى أحد الشيوخ يساعده بالتسلق ويرتفع عندها "عمر"، هذا الشيخ هو الشعب البسيط الذي يحمل التاريخ والمعاناة وهو الذي سيرفع الجيل القادم الى فوق.
 "عمر" الخباز المقاوم يتحدى ابو مازن القائد، الذي في الوقت الذي يعرض فيه الفيلم في جميع انحاء العالم ومرشح لجائزة الاوسكار، يقوم أبو مازن بتهنئة يتسحاق هرتسوغ بمناسبة فوزه في انتخابات رئاسة حزب العمل، ولا نعرف لماذا التهنئة الآن! وهو يعرف أكثر من غيره أن حزب العمل هو من اسس سياسة المستوطنات في الضفة الغربية وقطاع غزة، وحكوماته نصبت المشانق للشعب الفلسطيني.
 واذا اعتقد أبو مازن ان "الدبس سيأتي من... النمس"، فقد أخطأ في تهنئته وفرحه بفوز "هرتسوغ على حيموفتش " فسمور أخو حمور.
 تحية للمخرج هاني أبو أسعد الذي يؤكد عبر فيلمه ان النهايات تختلف عن البدايات.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الذكرى السنوية الأولى لرحيل توفيق طوبي

featured

دوف حنين صباح الخير

featured

عليك السَّلام يا بن بلَّلا

featured

نتائج الحوار الفلسطيني في مواجهة مخططات التصفية الاسرائيلية!!

featured

لأنّني لن أكون إلا أنا

featured

الأنفاق تكرس الفصل والانقسام مع سبق الإصرار!!

featured

لمــــاذا هـــــي مـــعـــركـــــــة الـــشـــبـــــــاب؟

featured

لمّا صرت في غيره بكيت عليه