الوالد الثاكل.... الأم الثاكل.... أهل الفقيد.... أصدقاءه ورفاقه ومحبّيه.... أيّها الباكون.... يا أهل كابول المحزونين.... أيّها المشيعون الكرام من كافّة القرى والمدن العربيّة.... يا من جئتم من كلّ حدب وصوب ومن كلّ فجّ بعيد تقاسمنا الدمعة واللوعة وعذاب الغياب:
الآن... وهذا الجسد الماثل أمامنا والمسجّى ازاءنا... نراه رأي العين ونلمسه لمس اليد نكتوي بغياب الحضور!
الآن... وهذا الغياب الجاثم على نعاج نفوسنا ببراثن سطوته نصطلي بحضور الغياب!
هذا هو الموت الحاضر الذي نرهبه... والغائب الذي لا نرغبه!
هذا هو الموت المخيف الواعظ!
هذا هو الموت الذي نفرح لبعده ويرعبنا قربه!
هذا هو الموت الذي نكرهه ونؤمن به! يدركنا ولو كنّا في بروج مشيّدة، ولا ندركه حتى ولو حضر أحدنا!
يا أبا حسين... يا أمّ حسين... كأنّي بكما تقولان الآن في حضور غيابه / غياب حضوره:
كأنْ لمْ يكنْ كالبدرِ في ميعةِ الضّحى
سقاهُ النّدى فاهتزّ وهوَ رطيبُ
لكن شتّان ما بين دمدمة الهزّة ودمامتها وبين تمايل الاهتزاز الجميل
من حقّكَ أن تبكي ومن حقّكِ أن تبكي وها نحن جئنا نبكي معكما، فواكبداه!
وقد انتزعت من كبديكما فلذة، والغياب يخز كالابر، والولد ولد، جرح في الفؤاد لا يندمل.
يا أبا الامين، أيها الجدّ الذي فقد ما هو اغلى من الولد! الجد حاضر والأب حاضر والأمّ حاضرة - أمدّ الله في أعمارهم وأعمار الحاضرين - أمّا ولد الولد فهو الغائب! فيا لسخرية الاقدار! ويا لحكمة الموت! ويا لغدر الطبيعة!
الغياب /الموت / القدر / الطبيعة / الدهر / كأنّي بهم يسخرون من حضورنا الآنيّ ويخفون وعيدًا بالمخيف الآتي!
منذا الذي يغدر بنا؟!
أم الأولاد هم الذين يغدرون بوالديهم؟!
نولد... نعاني اضطرابات الحياة.. نقاسي تقلّباتها... نكبر في كنف والدينا... نتزوّج... نفكّر بهم ونزرعهم بذرة في الأعماق... نسقيهم ماء العين وماء الحياة ليشمخوا زنابق في العُلا... نكابد السهر والظلام حتى يروا النور... يولدون... نهبهم أسماءنا وأفعالنا... نمنحهم وجودنا ووجداننا... نرعاهم بكلّ ما نملك ونسهر عليهم بما أوتينا وبما لمْ نؤتَ... ينكسر خاطرنا وحساباتنا لئلا ينكسر فيهم رمش... نعطش ليشربوا ونجوع ليشبعوا... نتقلّص ليتمدّدوا ويناموا قريري العيون... نصغر ليكبروا... نبذل الغالي والرّخيص ليتعلّموا في الروضات والمدارس والجامعات... نلطّف أجواءنا لتنسجم مع أهوائهم... نموت بطيئا اذا مرضوا ونموت سعادة وغبطة اذا أبلّوا... نغتمُّ اذا غابوا ونسعد اذا أصابوا ونشقى ونصلى جهنم الحياة اذا خابوا ... نقصّر أعمارنا سنين كي تطول أعمارهم أيّاما... نملأ بطونهم ونشدّ خواصرهم ونقوّي ظهورهم... و... و... وبعد ذلك كلّه يطعنوننا بالظهر والبطن والخاصرة، ويموتون قبلنا.
يا حسين! أيتها الرّوح الطّاهرة! أيّتها النّفس المطمئنة!
يا تلميذي الصغير ورفيقي الكبير!
أيّها الشّهيد الطّالب العلم ولو في الصّين ومن المهد الى اللحد!
نم الآن في هذا الثرى مطمئنًا. أخواك المعتصم والمحمود سيتعلّمان. والله سيتعلّمان. سيتابعان ما بدأت. سينجزان ما وعدت. سيحقّقان ما آمنت به رغم أنف الطبيعة.
فنم مطمئنًا يا من متّ في سبيل المستقبل الواعد لتشفيَ المرضى، فأدركك الموت قبل حضور المستقبل بغياب ماثل ثقيل.... ثقيل!
يا حسين... يا رفيقي الغائب ستبقى حاضرًا فينا... في رفاقك... سنستحضرك في كل سهرة وفي كل ندوة... أنا حاضر للبكاء... من سأعزّي... فالكلّ باكٍ هنا! من سأعزّي... الأهل... فالكلّ أهل هنا.
نم مطمئنًا يا رفيق... غيابك وحّد مشاعر الناس وجعل من كابول ومن حضر اليها ليزفّك أسرةً واحدةً.
وأخيرًا اتقدم باسمي ونيابةً عن أعضاء الحزب الشّيوعي والشّبيبة والجبهة الدّمقراطية معزّين أهل الفقيد ومعزّين أنفسنا.
تعالوا نبكي حسين اليوم ونتجمّل بالصّبر غدًا.
والله المستعان من قبل ومن بعد.
