عودة إلى عقلية الحرب الباردة؟

single

صديقة حميمة لي سألتنا لماذا اجتهد في تبيض جرائم ستالين. وهذا السؤال يستند، حسب ظني، على قلة فهم. فالغالبية المطلقة لليسار الراديكالي في قدمته الحركة الشيوعية نفسها، اعترفوا بان ستالين كان مسؤولا عن الجرائم الخطيرة التي حدثت في فترة حكمه. لكن مع مرور الوقت برز خلاف مغاير جدًا. هل الذين اتهموا ستالين غيروا شكل وحقيقة النظام السوفييتي؟ وهل لم يكن لستالين كزعيم للاتحاد السوفييتي نصيب مهم في انجازات الاتحاد السوفييتي؟ فقط جاهل أو شخص من عامة الشعب يمكنه رفض الإمكانية ان قائدًا يمكنه ان يكون مسؤولا عن الانجازات الكبيرة وفي الوقت نفسه يتحمل المسؤوليات عن الاخفاقات الخطيرة.

 

 

  •  لنتعرف على البروفيسور نولت

 

من اجل الوقوف على الأهمية الكبيرة لمسألة المقارنة بين هتلر وستالين، من المفضل التعرف على المؤرخ الألماني المتحضر ارنست نولت.
نولت هو أكاديمي محافظ مشهور وكان له نصيب كبير في كثير من الاختلافات المتعلقة بتفسير تاريخ الفاشية والشيوعية. فقد اتخذ موقفًا واضحًا وصارخًا: النازية استطاعت الوصول إلى الحكم في ألمانيا بسبب... الشيوعية السوفييتية! ولولا تهديد الشيوعية في الشرق لم يستطع النازيون الحصول على دعم المؤسسة الألمانية. أهذا منطقي؟ وأمامنا موقف معناه تبيض تام للفاشية ولهتلر: المجتمع الألماني ليس مذنبًا بالمرة. النقابات الألمانية التي دعمت النازية، والتي ساعدت هتلر في الوصول إلى سدة الحكم، عمليًا بقيت بدون خيار وعملت من خلال عنصر البقاء أمام التهديد على المجتمع الحرّ. وبكلمات أخرى، بدون ستالين والاتحاد السوفييتي كان بإمكاننا منع مآسي الحرب العالمية الثانية والكارثة. لذلك، النازية، حسب نولت، هي نتيجة مباشرة وضرورية للتهديد الشيوعي الروسي على ألمانيا، ثقافتها وميراثها..
البروفيسور نولت حصل على تقدير ليس بقليل لدى الكثير من زملائه الألمان. لكن مؤرخين في الغرب، ماركسيين وليبراليين، لم يقبلوا بالمرة وجهة نظره، والتي قد تحدث البلبلة بين "السبب والنتيجة". الاتحاد السوفييتي لم يقم بتهديد ألمانيا في سنوات العشرين وبداية سنوات الثلاثين، سنوات زيادة قوة هتلر والنازية. ومجرد فكرة ان الاتحاد السوفييتي شكل خطرا سياسيا – عسكريا على ألمانيا هو بمثابة سخافة. والأكثر إثارة للسخرية هو الادعاء ان الألمان كانوا بحاجة إلى هتلر والنازية للدفاع عن بلادهم. والحقيقة التي قبلتها أكثرية الليبراليين والماركسيين في الغرب، كانت عكس ذلك تمامًا: في الأوساط الحاكمة في ألمانيا طالبوا بحل الأزمة الاقتصادية – الاجتماعية الحادة في بلادهم، من خلال انهم اخذوا على عاتقهم الوقوف في طريق الشيوعية، باسم ألمانيا وباسم العالم المتنور كله. لذلك، يجب النظر إلى النازية على انها نتيجة للازمة الاقتصادية- الاجتماعية الحادة في ألمانيا وكمحاولة من اجل كبح وتضييق الخناق على الشيوعية الروسية باسم ثقافة الغرب المتنور.
وبالإضافة، اليهود كدأبهم لم يقبلوا بالمرة ادعاء نولت ومالوا بأغلبيتهم لقبول الادعاء بخصوص اتهام ألمانيا ومسؤوليتها. هذا الموقف كان مشتركًا لأغلبية التيارات في العالم اليهودي – لحركة البوند، للشيوعيين وللصهيونيين. هذا الادعاء كان من نصيب أغلبية القوى الديمقراطية في العالم وهو يحدد ان العنصرية واللاسامية برزت في ألمانيا وتمت رعايتها من قبل قوى ذات نفوذ كبير في المجتمع الألماني. وكل فكرة حاولت ان تبرئ ألمانيا وخاصة الأوساط الحاكمة فيها من جريمة مسؤولية النازية رفضت بتاتًا لدى كل ديمقراطي وإنساني.
ايديولوجيو الحرب الباردة طالبوا بتطوير نظرية من شأنها تأييد الغرب في نزاعه مع ستالين ومع الاتحاد السوفييتي. وهذه النتيجة تمكن من الوصول إليها بواسطة تبنّي الاصطلاح الذي يدمج ما بين المنهجين – الشيوعية الروسية والنازية الألمانية. هذا الاصطلاح والذي هو ذو أهمية ليس لها مثيل (ويحتاج إلى دراسة منفردة)، هو التوتاليتارية. وتحت راية التوتاليتارية من السهل رعاية الادعاء المتطرف في حدته انه ليس هناك فارق بين هتلر وبين ستالين. هذه الخانة التعميمية هي تغطية ثقافوية لموقف ضد الشيوعية المتطرفة. وهذه هي التغطية للخبراء من قبل أنفسهم الذين من واجبهم التفسير لكل واحد انه لا يوجد فرق بين الدكتاتوريَّين هتلر وستالين.
القارئ اليهودي سيهتم بمواقف أخرى لنولت متعلقة ببحثنا هذا. نولت يعتبر على أيدي كثيرين كاحد ناكري الكارثة، لكن الحديث يدور حول إنكار "ظريف": نولت لا ينكر انه لم تكن مثل هذه الأمور بالمرة، وإنما يعترف انه كانت أمور كثيرة مشابهة للكارثة، مثل التصنيع في المجتمع المتحضر، ولذلك ليست الكارثة أمرا فريدًا من نوعه. ومثل هذه الفكرة وجدناها لدى الفيلسوف الألماني المشهور مارتين هيدغر والذي وضع علامة مساواة بين الثورة الصناعية وبين الكارثة. والأساس كان تطهير القومية الألمانية من جذورها.

 

 

  • مسؤولية عن انجازات كبيرة وإخفاقات شديدة

 

البحث في هذه القضية بكل جوانبها ما زال مستمرًّا، واحد الذين يعانون من عقلية الحرب الباردة هو الأكاديمي الأمريكي طيموتي شنايدر. من المهم ان نعرف ان شنايدر نشر في الآونة الأخيرة مجموعة مقالات تاريخية ومن بينها مقال لشخصية أكاديمية معتبرة، البروفيسور جفري روبرتس من جامعة كورك في ايرلندا. روبرتس يعرّف نفسه انه ذو صلة بايديولوجية ومواقف الليبرالية. ومع ذلك فهو يحذر من تأثير عقلية الحرب الباردة على كتابة تاريخ تلك الفترة. روبرتس نشر كتبًا عديدة عن الاتحاد السوفييتي وعن ستالين. ولديه، كما يعتقد، أمور مهمة للقول في هذا الموضوع.
في مقابلة اُجريت مع روبرتس في الآونة الأخيرة قال: "... من المؤسف ان عمل شنايدر  ارتبط مع التجدد الأخير لنقاشات فكرية والتي فيها هتلر وستالين والمناهج السوفييتية والنازية توصف وكأنها متشابهة، وان الواحد أسوأ من الثاني. خلال الحرب، عندما كانت ساحات المعركة مخضبة بدماء ملايين الجنود السوفييت، عندها كانت القضية مغايرة. الجيش الأحمر حصل على رصيد في الغرب انه أنقذ الحضارة الأوروبية ومجّدوا ستالين كبطل وقائد حرب مرموق. وكما ادعيت في حروب ستالين (...) وكانت كذلك، ويا للسخرية، ستالين والسوفييت الذين ساعدوا في إنقاذ الديمقراطية الليبرالية سوية مع النهج الشيوعي من أيدي النازية".
في المقابلة نفسها يكشف روبرتس: "عندما كنت شابًّا كنت معارضًا شديدًا للنهج السوفييتي وما زلت ملتزمًا بالنهج الليبرالي والديمقراطي الذي شكل أساسا لاعتراضي على النظام الشمولي، ومع الوقت تعلمت تقدير أكثر جوانب المثالية للتجربة السوفييتية في بناء الاشتراكية، وإنما ليس في نتائجها. لكن لا شيء افقدني البصر عن الإخفاقات العظيمة جدًا والأخطاء الفادحة جدًا لفترتنا (...) لكن إذا كنتم تعتقدون ان مدى القمع كان السبب الوحيد الذي حرك الاتحاد السوفييتي، فإنكم أبدًا لن تفهموا لماذا صمد الاتحاد السوفييتي وقتًا كبيرًا وحقق انجازات كثيرة جدًا، بينها النصر على هتلر. وإذا لم نعترف بادوار الايديولوجية والأهداف في توفير أجهزة سياسية، لا نكون مستعدين لمواجهة التحديات الديناميكية المتعددة القوة لسياسة ظالمة أخرى في المستقبل".
لذلك، الادعاء انه لا يوجد فرق بين الشيوعية والنازية يضع القائلين به في معسكر اليمين المتطرف الذي لم يستوعب درس جيلنا نحن. الوحدة في النضال من اجل بناء الاشتراكية، والتطور وعلى الديمقراطية كانت الخيار في حينه وكذلك اليوم ضد الحرب والتحريض على اليسار.

قد يهمّكم أيضا..
featured

تذكّروا د. عبد الشافي

featured

كل احتلال يؤدي إلى عنصرية؛ التسلّط مرتبط بالإذلال

featured

"بوظة الاستقلال": حدث حقيقي

featured

هل ثمة امكانية للخروج من الوضع الراهن؟

featured

الأب في السجن، الأمّ في غزة،الأولاد في الضفة الغربية،عائلة دوابشة مشردة

featured

مسرحية أوباما نتنياهو- إسدال الستارة

featured

"جامعة عربية" فعلاً؟