عباءة الكنيست والأمير العاري (4)

single

رغم بروز وظهور حزب التجمُّع داخل الساحة السياسية، الا ان قيادته وغالبية كوادره لم يتحرروا من عقدة نقص ربما لا تزال تطارده حتى اليوم، هذه العقدة هي خشيته من عدم تجاوز نسبة الحسم في انتخابات الكنيست، وحتى يتخلص من عقبات هذه العقدة كان يضع نصب عينيه حتمية التحالف مع قوة اخرى، لأنه كان على يقين بأن خوضه الانتخابات بقائمة وحده مصيرها الفشل.
كان هاجس مصير الحركة التقدمية وفشلها ماثلًا أمام الجميع، وقد رددها عزمي بشارة اكثر من مرة، هذا الخوف هو الذي دفع حزب التجمع للالتحاق في قائمة الجبهة واستخدامها سلَّمًا لوصول عزمي الى الكنيست للمرة الأولى، بعد تحقيق هذه الغاية حاول عزمي العودة للمكابرة وايهام اعضاء الحزب بأن التجمع حقق حلمه بقواه الشعبية، وليس بفضل وبدعم الجبهة التي لم تتردد باحتضانه مع حزبه للوصول الى الغاية التي انتظرها طويلًا.
في اجتماع المكتب السياسي الأول الذي عقد بعد أن أصبح عزمي عضوًا في الكنيست، وجدنا أمامنا عزمي آخر، فقد جعل من عباءة العضوية في الكنيست حاجزًا يفصل بينه وبين اجهزة الحزب التنظيمية، هذه العباءة شجعته على الاستئثار بكل شيء داخل الحزب، كان يردد لولا وجودي في الكنيست لانقرض الحزب كما انقرضت التقدمية من قبله، وعندما طرح الحديث عن مستقبل التحالف مع الجبهة خاصة من قبل الذين اعتبروه سابقة ايجابية وتحالفًا استراتيجيًا، قفز عزمي من مكانه مهددًا متوعدًا رافضًا لأي تعاون ميداني وتنظيمي مع الجبهة، لم يكتفِ بذلك فقد عاد وفتح ملف عدائه وتنكره لدور الحزب الشيوعي من جديد، بدلًا من التخطيط لتوثيق العلاقات وبناء الثقة والتعاون المشترك في مقاومة سياسة التمييز القومي، قال بالحرف الواحد نحن في حالة فك ارتباط مع الجبهة حتى لا يكون هناك تسلل داخل الحزب وسرقة المؤيدين له، كانت الجبهة صادقة عندما ابدت ندمها لهذا التحالف مع التجمع ولدورها في تثبيته داخل الساحة السياسية.
بعد أن أكمل عزمي خطته بالصعود في قطار الجبهة للوصول الى الكنيست، بدأ بالبحث عن إطار حزبي جديد لاستثماره واستغلاله كما فعل مع الجبهة للحفاظ على عباءته البرلمانية، كانت هناك مجموعة قوى حزبية في الساحة السياسية اخذ حزب التجمع بطرق ابوابها وجس نبضها تحت شعار الوحدة الوطنية، الا ان جميعها ردته على اعقابه بسبب الشروط التي وضعها،  وقد اعتبرها عزمي نوعًا من المهانة والتطاول عليه وعلى حزبه، وكلما اقترب موعد انتخابات الكنيست كان عزمي يشعر بالاختناق خاصة بعد ان تأكد بأن الجبهة ليست بحاجة لأحد، عاش الحزب فترة حرجة بسبب العزلة التي زجه عزمي داخلها، ومما زاد من حالات الحرج هو ادراك قيادة الحزب بأنه غير قادر على تجاوز نسبة الحسم وحده، وقد اكدت ذلك استطلاعات سرية قام بها بعض المختصين اكدت ذلك.
زادت هذه الاستطلاعات من حالة القلق والارتباك داخل قيادة الحزب مما جعل عزمي يعتكف في صومعته ساعات طويلة يرفض مقابلة احد، او الحديث مع احد متهمًا الجميع بالتقصير.
كان ينتظر الوحي الذي يرشده ويبدد الظلمة التي تحيط به، وبعد طول انتظار جاء البشير يحمل الالهام المنتظر، هذا الالهام اخرجه من صومعته وجاء مهرولًا الى المكتب السياسي حاملًا المعجزة التي تحفظ له ماء وجهه في الشارع السياسي والكنيست، قال وجدتها.. صرخ كما صرخ ارخميدس في زمنه.. التحالف مع الدكتور احمد الطيبي الذي كان يترأس القائمة العربية للتغيير، عندما وضع عزمي اسم حليفه الجديد احمد الطيبي كانت مفاجأة للجميع لأن كل من يحيط بعزمي يعرف رأيه في الطيبي الذي وصل الى حد التخوين وأنه لم يترك مناسبة الا واستغلها عزمي للتشهير بالطيبي بأقذع الكلمات والتشهير بقائمته.
ذُهل الجميع من هذا التوجه وسأل  بعضهم البعض: هل يتحدث عزمي عن أحمد طيبي آخر؟ بالأمس القريب اعتبره انتهازيًا واليوم يتحدث عنه بلغة جديدة، لغة النزاهة والشفافية والود والتقرب، من خلال هذا التناقض والازدواجية كشف عزمي القناع عن وجهه وبانت غايته التي تبررها أي وسيلة، ونعرف انه  يحفظ كتاب – الأمير – لميكافيلي حيث يعتبره المرجع الأول في الانتهازية  واقتناص الفرص والاستغلال.
أثار هذا الغرض نقاشًا حادًا داخل الحزب الى درجة ان البعض هدد بالانسحاب من الحزب، الا أن عزمي لم يغير موقفه خاصة بعد ان ضمن تأييد "الكوبي والأمين العام" وبعض من اعضاء المكتب السياسي، سأله أحد الأعضاء.. بالأمس كان احمد الطيبي بالنسبة لك خطًّا أحمر، اجاب عزمي ان هناك بعض السموم تشفي المريض والطيبي بالنسبة لنا سم لا بد من تناوله، الغريب انه كان من بين أكثر المعارضين لإقامة التحالف بين التجمع والطيبي النائب السابق محمد ميعاري الذي كان آنذاك صديقًا للطيبي.
النقاش الحاد والتهديد لم يثنِ عزمي عن موقفه من التحالف، لأن الغاية عنده البقاء عضوًا في الكنيست أكثر اهمية من الحزب واعضائه، لأنه كان يخطط  للوصول الى العالمية عن طريق هذه العضوية، كان يخطط لتحويل عضويته في الكنيست الى اجنحة يطير بواسطتها للوصول الى دمشق وبيروت وقطر وغيرها من العواصم العربية.
عاد عزمي بشارة الى الكنيست مرة أخرى بفضل التحالف مع احمد الطيبي وبفضل الذين خدعهم بهذا التحالف الذي قام بدفنه قبل ان يترعرع، فقد عاد الى نكرانه وصلفه، وقد بدأها بمطالبة الحزب دون أي اعتبار لكرامة اعضائه وتعددية مواقفهم، كان اول مطالبه بعد تأدية قسم الوفاء للدولة كغيره من اعضاء الكنيست اعلان البراءة من احمد الطيبي، كما فعل مع الجبهة من قبل، وعندما سألته لماذا هذا النكران هناك احمد طيبي واحد ما هو الفرق بين الطيبي الحليف اثناء الانتخابات والطيبي بعد الانتخابات؟ كانت جميع اجاباته عبارات مبهمة تؤكد انه لا يحب المناقشة وانه لا يمارس اي شكل من اشكال الحياة الحزبية المبنية على التعددية في الآراء والمواقف، بل آمن بسياسة فرض الأمر الواقع وهو صاحب  القرار والشلة التي تحيط به هي فقط عليها ان تدعم وتبصم على قراراته مقابل الامتيازات التي ينالونها.
من بين المناورات والمسرحيات المحبوكة بدقة وكشفت عن وجه عزمي الحقيقي واكدت على العلة التي يعاني منها وهي اللهاث وراء وسائل الإعلام واثارة الزوابع المحمَّلة بغبار التراجع، مسرحية ترشيح نفسه لرئاسة الوزراء، أين؟ في دولة اسرائيل عندما كان يتم انتخاب هذا الرئيس بشكل مباشر من المواطنين. لقد اتقن عزمي تمثيل  فصول هذه المسرحية بجدارة، لقد حمل قراره هذا الى الحزب دون ان يطرحه كفكرة تستحق النقاش الجدي والموضوعي، لكنه اصر على الترشح  دون ان يدرس نتيجة هذه الخطوة على الجماهير العربية، بالعكس هو الصحيح كان مردودها يساهم في تبييض وجه اسرائيل.
كان يدرك عزمي ان إقدامه على هذه الخطوة سوف يثير عاصفة اعلامية حوله وعندما عزم على تحقيق ذلك حاول البعض داخل الحزب التصدي له ووقف المتاجرة بالحزب وعضوية الكنيست لكن هذا لا يهمه المهم ان تسطع نجوميته اكثر عبر وسائل الاعلام.
لم يسدل عزمي الستار على هذه المسرحية قبل ان يصاب بتخمة من ملاحقة وسائل الاعلام له، عقد اللقاء مع مساعدي ايهود براك في نتسيرت عيليت بعد ان احاط نفسه بهالة من العظمة وضمن حضور العشرات من اعضاء الحزب ووقوف الجماهير العربية على رؤوس اصابعها منتظرة نتيجة هذا اللقاء.
حتى اليوم لم نعرف تفاصيل لقاء مساعدي ايهود براك بعزمي، لكن مستشاري براك خرجوا الى وسائل الإعلام وقالوا  عزمي بشارة تراجع عن الترشح لرئاسة الحكومة  وانه وعدهم خيرًا لدعم ايهود براك.
حتى اليوم لا نعرف المقابل الذي حصل عليه عزمي بشارة مقابل التنازل عن الترشيح وبقي الموضوع كأنه مسرحية عابرة وعلى الحزب والجماهير العربية ان تتحمل مراهقته.
لقد حقق عزمي حلمه بالوصول الى ساحات ومواقع الشرفاء ورباطهم، خاصة في بيروت والبقاع وصيدا وقصر المهاجرين في دمشق، كان عزمي يدرك بأن هؤلاء الشرفاء يقدسون عرب الداخل ومعاناتهم.
لقد عرف كيف يستثمر فلسطينيته ونكبة شعبه بعد ان وضعها في مزاد انتهازيته السياسية، ونجح في الوصول الى قيادات القوى القومية واليسارية داخل الوطن العربي لكن جاء الربيع العربي لكي يكشف الحقائق ويعري المواقف، إننا نرى عزمي عاريًا في قطر.. ينتظر فقط من يقول له.. الأمير عارٍ. (يتبع)

قد يهمّكم أيضا..
featured

غواتيمالا و"سانشو" مورالس

featured

التآكل في ثنايا المجتمع

featured

لماذا لا نعطي عظماءنا حقَّهم؟

featured

د. سلام فياض والمفاهيم المغايرة

featured

لم يصل حذاء منتظر الزيدي الى توفيق عكاشة

featured

داعش الإرهابي يهدد أطفال اليرموك

featured

سي..سي..يا سيسي!!

featured

"دعوات التسليح"