*ننبه القافزين الى الاستنتاجات الشعاراتية بأن المعني في هذه الخطوة هو محمد بركة... وليس عربيا متصهينا أو تاجرا من تجار المواقف المدعومة بالعملة الصعبة*
أثارت مشاركة الرفيق محمد بركة في وفد الكنيست الاسرائيلي الزائر لبولندا في اليوم العالمي لاحياء ذكرى ضحايا النازية في"أوشفيتز" ردود فعل متفاوتة في الوسط العربي وفي فلسطين عموما. وهناك من أيد هذه المشاركة واعتبرها منسجمة مع الضمير الفلسطيني الرافض للإبادة، ومساهمة في كشف حرب الابادة التي نتعرض لها في أرضنا. وهناك من أخذ على"أبو السعيد" هذه"الهفوة" واعتبر اجتهاده خاطئا وقراره ضارا. وهناك من ذهب الى أبعد من ذلك لخدمة أغراض ومصالح سياسية ضيقة ومعروفة.
ولأن المعني في هذا الموقف هو المناضل محمد بركة، فانني لا أكتب عنه أو عن اجتهاده، بل عن المشهد وما آلت اليه هذه المشاركة. ولأنني غير معني بما يسمى"المحرقة" نفيا أو تأكيدا لحدوثها، لأنها جاءت (أو لم تجئ) في سياق حرب بين اليمين المسيحي الأوروبي وبين يهود أوروبا، ولا علاقة للمسيحيين والمسلمين العرب بها، ولأنني أرى الانحياز الرسمي العالمي لاسرائيل في هذه المناسبة وفي كل مناسبة، فانني أكتب عن رؤيتي كفلسطيني لهذا الحدث.
لم يكن غريبا أن تحشد اسرائيل كل امكاناتها وأن تجند كل سياسييها لاحياء ذكرى"أوشفيتز"، فالظرف السياسي الصعب، والتحول الكبير في الرأي العام الشعبي العالمي ضد سياسات اسرائيل وما تمثله من شرور الاحتلال والقمع وانتهاك حقوق الانسان يستدعي كل هذا التحشيد واستنفار بنيامين نتنياهو وشمعون بيريس وايهود باراك وحتى المدعو أيوب القرا (لا أعرف اذا كان استخدام حرف القاف مناسبا في هذا الاسم).
لكن ما لم يتوقعه نتنياهو وبيريس وقادة اسرائيل أن يتم اختراق الوفود بشخصية أبو السعيد الرافض للاحتلال والرافض للقمع والمناضل الشرس في معركة تعرية اسرائيل وكشف انتهاكاتها. لذا أجزم بأنهم اعتبروا مشاركته تخريبا. لكنهم لم يستطيعوا منعه لأنه عضو كنيست، ولأن المنع بحد ذاته يعتبر فضيحة جديدة لاسرائيل.
ولعل من المهم التذكير في هذا السياق بالتصريحات العنصرية التي أدلى بها أعضاء كنيست ضد مشاركة محمد بركة. لكن الرجل شارك، والتزم بما وعد به، فقاطع كل المناسبات الأخرى في سياق الاحتفال، وأدلى بتصريحات نقلتها وكالات الأنباء، أكد فيها موقفه المبدئي والثابت في رفض الاحتلال وفي حق الفلسطينيين في الحرية.
كانت مشاركة بركة اختراقا لحفل اسرائيلي مغلق أريد له أن ينفتح على العالم في حلقات معينة. وساهم بركة بوجوده في بولندا في هذه المناسبة باحياء ذكرى قائمة ومتجددة هي ذكرى النكبة والهولوكوست الفلسطيني، ومحرقة الاحتلال التي يتلظى بلهبها شعبنا في الضفة وغزة ووراء الخط الأخضر.
واذا كان لا بد لنا من التذكير فاننا ننبه القافزين الى الاستنتاجات الشعاراتية بأن المعني في هذه الخطوة هو محمد بركة... وليس عربيا متصهينا أو تاجرا من تجار المواقف المدعومة بالعملة الصعبة.
*كاتب وصحافي فلسطيني مقيم في الاردن، وهو مدير التحرير التنفيذي لصحيفة "الغد" الأردنية
*نشرت في صحيفة "الحياة الجديدة" الفلسطينية الصادرة في رام الله اليوم الأحد 31/1/2010
