لم يكن صدفة اختيار الرئيس الامريكي باراك حسين أوباما للقاهرة، عاصمة اكبر دولة عربية، التي تحتضن الازهر ومقر الجامعة العربية، لالقاء خطابه الموجه "للعالم" العربي والعالم الاسلامي.
مصر "العروبة" تخطت المملكة العربية السعودية في تحالفها او على الاصح، في خدمتها للولايات المتحدة الامريكية.
"مصر العروبة" تحظى بتأييد اللوبي الصهيوني اليهودي الامريكي، وبتأييد حكام اسرائيل وبالذات رئيس الدولة شمعون بيرس وزعيم حزب العمل ايهود براك والمؤيدين لباراك في حزب العمل، لتضطلع بمهام الخادم للمصالح الامريكية والغربية والاسرائيلية في هذه المنطقة الهامة في عالمنا.
لم يكن صدفة انه عشية الحرب العدوانية الاجرامية على غزة، قام زعماء حكومة اسرائيل آنذاك بزيارة القاهرة، للاجتماع مع الرئيس مبارك وكبار وزرائه، وهناك من يقول وبحق والى حد كبير ان الزيارة كانت للتنسيق لهذه الحرب العدوانية الاجرامية.
لقد نفت مصر بشدة هذه الاتهامات، واعلنت على الملأ انها ضد هذا العدوان الخ..... ، الا انها لم تقم بأية خطوة عملية لوقف هذا العدوان وليس المقصود القيام برد عسكري وفتح جبهة قتالية مع اسرائيل. بل مثلا: اعادة سفيرها في تل ابيب وطرد السفير الاسرائيلي في مصر او على الاقل وذلك - اضعف الايمان - السماح لابناء الشعب المصري بالتعبير عن غضبهم وسخطهم على هذا العدوان، بالمظاهرات الاحتجاجية السلمية، وتقديم الدعم المعنوي والمادي للأهل المحاصرين في قطاع غزة، الذين يتعرضون لابشع حرب عدوانية تستخدم فيها اسرائيل ليس الطيران والبحرية والدبابات والمجنزرات بل ايضا الاسلحة المحرمة دوليا.
لم تكتف القيادة المصرية العربية جدا جدا والوطنية جدا جدا والقومية جدا جدا والاسلامية جدا جدا جدا بكل هذا، بل وصلت بها سياسة الخنوع لامريكا واسرائيل حد ممارسة الضغوط على رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، محمود عباس الذي يراهن على الحلول الامريكية، لتجميد تقرير غولدستون الذي ادان العدوان الاسرائيلي. هذا التقرير الذي اكد ان اسرائيل وجيشها ارتكبا جرائم حرب بحق سكان القطاع.حكومة مصر مسترشدة بتوجيهات الرئيس حسني مبارك، صديق امريكا واسرائيل لم تفعل شيئا لتخفيف الحصار البري، الجوي والبحري الذي يمنع المؤن الضرورية ويمنع الدواء والمعدات الطبية عن الاهل، والمشافي التي تضررت من العدوان الاسرائيلي الهمجي.
حتى الفرق الانسانية العربية والاجنبية التي حاولت اختراق الحصار وتقديم المساعدات الانسانية لاقت العرقلة والمنع من قبل السلطات المصرية. وكانت الذرائع المصرية واهية ومعيبة، مثل محاولة انهاء الانشقاق في الصف الفلسطيني... وعدم الاعتراف بحكومة حماس المقالة الخ....
والذي يعاني اولا من هذا الحصار وتحويل القطاع الى سجن كبير، ليس حكومة حماس بل جماهير الشعب الفلسطيني وبالاساس الفقراء وعامة الشعب الفلسطيني في غزة هاشم. لا يستطيع احد ان ينكر على جمهورية مصر العربية حقها بالدفاع عن اراضيها وحدودها وعن امنها القومي. الا ان الحقيقة واضحة كوضوح الشمس في رابعة النهار، ان الذي يهدد الامن القومي المصري هو اتفاقيات كامب ديفيد التي فرضت وجود محطات الانذار المبكر والقوات الاجنبية على تراب سيناء المصرية وليس على جانبي الحدود بين مصر واسرائيل. حكومة مصر "العروبة" تحالفت مع الولايات المتحدة واسرائيل في محاولة كمنع دخول السلاح لحكومة حماس في غزة ولباقي الفصائل الاخرى وهكذا كثفت من وجود حرس حدودها ليس على الحدود مع اسرائيل بل على الحدود مع غزة المحاصرة الجائعة.
على ما يظهر ان امريكا والغرب واسرائيل لم يكتفوا بما تقوم به مصر بل طالبوها بالقيام بخطوات اشد واقسى واكثر تجويعا وقد تفتق ذهن قادة مصر "العروبة" وجاءوا "باكتشاف" جديد فاق عقلية حكام اسرائيل ، الذين اقاموا جدار العزل العنصري فوق الارض الفلسطينية وليس في باطنها.
وهكذا قررت جمهورية مصر "العروبة" القيام بدورها بمنع حفر الانفاق بين طرفي الحدود الفلسطينية – المصرية لمنع تهريب السلاح ... وتهريب المواد الغذائية والوقود. كل ذلك دفاعا عن الامن القومي المصري الخ... وبدأت باقامة جدار فولاذي في باطن الارض المصرية على الحدود مع غزة هاشم الفلسطينية المحاصرة والجائعة.
ليس سرا ان جمهورية مصر العربية تعاني من ازمة اقتصادية حادة، وانه لا توجد لديها ميزانيات زائدة للصرف على اقامة هذا الجدار الفولاذي المكلف، والذي حاولت حكومة مصر التكتم على بنائه في البداية، لكن سرعان ما انكشف "طابقها". وقد تكشف لنا الايام مصادر تمويل هذا الجدار الفولاذي في اعماق الارض المصرية. وسلفا لن نفاجأ او نندهش اذا تبين انه يقام باموال امريكية او اسرائيلية او عربية خليجية . او انه على حساب دافع الضريبة المصري، أي على حساب الغلابى وهم كثر في ارض الكنانة. وقد تدّعي مصر ان هذا الجدار الفولاذي ليس للضغط على حكومة حماس الانقلابية فحسب، بل يندرج في اطار سياسة مكافحة "الارهاب"، مكافحة القاعدة و "التطرف الاسلامي" التي تنادي بها امريكا والغرب واسرائيل والانظمة الرجعية العميلة العربية. ولذلك على هذه الدول جميعا تمويل هذا المشروع الذي يخدم مصالحها الاستراتيجية في المنطقة العربية.
وقد تدّعي مصر ان اقامة هذا الجدار الفولاذي تندرج في اطار التصدي لمحاولات " الهيمنة" الايرانية على المنطقة العربية، خاصة وان ايران تربطها بسوريا اتفاقيات اقتصادية وعسكرية واستراتيجية ، كما انها أي ايران تقدم الدعم لحزب الله اللبناني ولحماس وباقي الفصائل الاسلامية الفلسطينية. لذلك على الاصدقاء في اسرائيل ، بيرس، براك، بن اليعيزر(المعروف باسم الدلع فؤاد) وبيبي رئيس الحكومة اليمينية المتطرفة، ان يمولوا هذا الجدار. جدار تشديد الحصار على غزة وكأنه لا يكفي ابناء الشعب العربي الفلسطيني جدار عزل رابض على الارض الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس العربية.
لا يكفيهم الحصار الجوي والبحري والبري على قطاع غزة، ها هو الجدار الفولاذي المصري العربي جاء لاتمام الحصار والتجويع في محاولة بائسة لاركاع هذا الشعب الصابر الصامد المرابط على ارضه، حتى نيل حقوقه بالدولة الوطنية على ترابه الوطني في حدود الرابع من حزيران 1967 .
(ام الفحم)
