ابتذال يُضرُّ بممارسيه

single

شومسكي وغراس.. ابتذال صهيوني في استخدام التهم الجوفاء بحقهما


*المعادون للسامية لا يزيدون عن كونهم مجموعات صغيرة هامشية أقرب إلى مجموعات العصابات التي تنشأ على هامش كلّ مجتمع. أما ما هو ماثل وذو حضور قويّ، فهو جهد الصهيونيين الذي تدعمه دولة إسرائيل لإبقاء الظاهرة، واستغلالها في وجوه شتى، وتضخيم وجود المجموعات الهامشية هذه، أو فبركة مجموعات*

 

//
معاداة السامية عبارة تعني، لغةً، مناصبة الشعوب السامية العداء لأنها سامية وليس لأيّ سبب آخر، كما تعني رمي هذه الشعوب بصفات قبيحة تسوّغ معاداتها. العبارة ذاتها، مصطلحًا، صارت تعني معاداة اليهود بما هم يهود ورميهم بالأوصاف القبيحة التي روّجها المعادون للسامية. ابْتُسِرَ معنى العبارة فقصرت على اليهود وحدهم. وهو يُبتسر الآن أكثر ليقتصر على اليهود المؤيدين لسلوك إسرائيل.
ابتسار المعنى يُغيّب حقيقة تاريخية كبيرة، حقيقة أن  عدد الجماعات السامية أكبر من ان يتفق المؤرخون على إحصائه. تستوي في هذا الجماعاتُ التي تطورت فصارت شعوبًا وأممًا، كما هو حال شعوب الأمة العربية، والجماعاتُ التي بقيت متفرقة، كما هو حال ما بقي من الجماعات اليهودية القديمة. حقيقة أخرى غيّبها الابتسار، وهي أن اليهود المعاصرين ليسوا كلُّهم ساميين، وأن توصيف اليهود بما هم شعب مسألة تمليها اعتبارات تمليها معايير غير متينة، وان أعداد اليهود الذين يعترضون على سياسة اسرائيل آخذة في الازدياد.
معاداة السامية بمعناها المبتسر ظاهرةٌ نشأت خارج أرض العرب وأرض المسلمين. فالمسلمون، وبضمنهم العرب، عدّوا اليهودية دينًا سماويًا، وعدّوا أتباعها أتباع دين. ولم ير المسلمون في اليهود عرقًا، ولم يتعاملوا معهم بوصفهم شعبًا، بل عاملوهم بوصفهم جماعة دينية.
معاداة السامية ظاهرة أوروبية في المقام الأول نشأت في ظرف معين ثم بدأت تضمحل مع تبدُّل الظرف. وكان مقدرًا لهذه الظاهرة أن تتلاشى بمُضي الوقت، كما تلاشت ظواهر قبيحة كثيرة عبر تاريخ البشرية، لولا وجود من اهتمّوا بإنعاشها.
النازيّون الألمان هم الذين أنعشوا هذه الظاهرة في سياق الترويج لدعوتهم العنصرية العرقية التي وضعت عرقهم الآري فوق الجميع وخصصت للأعراق غير الآرية مراتب أدنى، والتي وضعت اليهود ومعهم العرب في القاع. وواقع الأمر أن الانتصار على النازية كان انتصارًا على أخطر النزعات العنصرية، وأن ظاهرة معاداة السامية لحق بها ما لحق بالنازية. وبهذا، صار مقدرًا لهذه الظاهرة أن تتلاشى لو لم يقف الصهيونيون اليهود وغير اليهود ضد تلاشيها فتنتعش من جديد.
يقال هذا كلُّه، ليس من باب استحضار حقائق مجرّدة، بل من باب وضع اليد على الأسباب التي تستبقي حضور هذه الظاهرة بعد أن تبدّلت الظروف التي أنشأتها ونشأت ظروف مغايرة لها. والحال أن من الممكن الوقوع على بقايا المعادين للسامية في الأوساط الموغلة في الرجعية، هنا أو هناك من بلدان العالم. غير أن هؤلاء لا يشكلون في أي مكان قوةً يعتد بها، ولا يزيدون عن كونهم مجموعات صغيرة هامشية أقرب إلى مجموعات العصابات التي تنشأ على هامش كلّ مجتمع. أما ما هو ماثل وذو حضور قويّ، فهو جهد الصهيونيين الذي تدعمه دولة إسرائيل لإبقاء الظاهرة، واستغلالها في وجوه شتى، وتضخيم وجود المجموعات الهامشية هذه، أو فبركة مجموعات.
حالُ الصهيونيين في استغلالهم الظاهرة التي عفا عليها الزمن يُذكرني بنكتة سمعتها قبل عقود في موسكو: انتبه ناس الأمن إلى شخص ينفق عن سعةِ لا يوفرها دخله المعروف، فاخضعوا هذا الشخص للمراقبة دون أن يكتشفوا مصدر الدخل الخفيّ، فجلبوه إلى التحقيق. وطالب المحقق الرجلَ المشبوه بأن يكشف مصدر المال الذي ينفقه، فأقر الرجل بأنه خبّأ في أثناء الحرب ثلاثة يهود طلبهم النازيون بعد أن احتلوا البلد، وأنه يتقاضى مبلغًا شهريًا من كلّ واحد من هؤلاء الثلاثة. وإزاء دهشة المحقق الذي ذكّر مستغلّ اليهود بأن الحرب انتهت منذ سنين والنازيين هزموا، قال المتمتع بالمال إن هذا صحيح، لكنه، هو، أبقى يهوده في مخابئهم وأخفى عنهم حقيقة أن الوضع تبدل.
حكام إسرائيل الصهيونيون يخشون أن يقتنع اليهود بأن الوضع قد تبدل. يأبى هؤلاء الحكام أن يضعوا حدًا لأطماعهم، ولا يناسبهم أن يقتنع أحد بأن الزمن عفا على ظاهرة معاداة السامية، وان ما يوجد منها الآن هو ما يستبقيه الصهيونيون بوسائل مصطنعة. لقد أفرط هؤلاء في رمي كل منتقد لسلوكهم بأنه معاد للسامية، كما أفرطوا في اتهام كلّ يهودي ينتقدهم بأنه كاره لنفسه. وفي هذا الإفراط يتوخى حكام إسرائيل ومؤيدوهم تحقيق هدف مزدوج: دمغ أيّ اعتراض على سياستهم بتهمة وضيعة، وإبقاء اليهود في بيت الطاعة الصهيوني.
لكن هذا الإفراط ذاته يكاد يُفضي إلى عكس ما يتوخاه مستخدموه. فحين يُتَّهم كاتب يهودي له قامة نعوم شومسكي بأنه كاره لنفسه، وحين يُتَّهم أديب ألماني له قامة غونتر غراس بأنه معاد للسامية، فإن في هذا وذاك ما يؤشر إلى الابتذال الصهيوني في استخدام التهم، وفيه ما يؤشر إلى أن التهم تفقد مفعولها في تخويف المستهدفين بها.
نحن نشهد ظاهرة اتساع الاعتراض في كل مكان على سياسة إسرائيل وسلوكها بالرغم من تواتر استخدامها للتهم التي تلصقها هي بالمعترضين. وليس من المستبعد أبدًا أن تفقد هذه التهم، بمُضيّ الوقت، كلّ تأثيرها. لقد شاءوا أن يدمجوا ظاهرة الاعتراض على سلوك إسرائيل العدواني بظاهرة العداء للسامية، نجح هذا لبعض الوقت. والآن، حان وقت سطوع الحقيقة.

قد يهمّكم أيضا..
featured

في الذكرى السنوية لاغتياله: رسالة الى غسان كنفاني

featured

المعركة بين سلامنا واستسلامنا

featured

العودة إلى لوبيا

featured

مصر يمّه يا بهيّة..الزمن شاب وانتِ شابة

featured

"إين كلوم لو هايا كلوم"

featured

سياسة الحكومة تفاقم كوارث الطبيعة!

featured

كلام يُراد منه النقاش والتصحيح والمراجعة والانتباه

featured

"أبدًا تسترد ما تهب الدنيا .. فيا ليت جودها كان بُخلا"