نقيضان لا يلتقيان في لعبة السياسة وحسابات الواقع الفلسطيني الحالي: أزمة فتح والعقبات التي تواجهها سياسياً ومراوغة حركة حماس على الساحة الدولية واقتناصها للأحداث بحظوظ الأغبياء (دبلوماسية المقاومة) وما ينتج عنها من سياسة تضليلية وتدميرية، وفي كلتا الحالتين سيكون المردود السياسي والوطني سلبيا على الحركتين بشكل خاص والشعب الفلسطيني وقضيته بشكل عام.
فعلى الصعيد الجماهيري، لا زالت حركة فتح تعاني من أزمة الاستنهاض التنظيمي سياسياً واجتماعياً، وهي بكل أسف لم تتعلم من دروس الماضي، او ان بعض المنتفذين فيها لا يريدون لها الاستنهاض الحر البعيد عن اجنداتهم ومصالحهم الشخصية.
إن ما يجري في كافة المواقع التنظيمية في المدن والمخيمات والقرى، وما يتخلله من اشكاليات واجتهادات متنوعة في معمعان الانتخابات المحلية المتفاعلة حاليا، لا يبعث الثقة في نفوس المتلّوعين شغفاً بالإستنهاض والتعمير، وهو ايضاً لا يشفي غليل الكادر المهمش على مر السنين ولا يجلب حتى الأمل في قلوب وعيون المؤازرين والمناصرين، فالمعادلة بالمطلق تختلف وكلما زادت الفجوه بين قمة الهرم وقاعدتة تعقدت معادلة الإستنهاض والانتصار التي تحلم بها فتح الديمومة.
لست متأكداً، إن كانت فتح ستنتصر هذه المرة على كل التعقيدات التي تعترض مسيرة مشروعها التنظيمي والوطني! فالوقائع والمستجدات اليومية تفرض بقوة رياحاً عكسية تضرب بعنف أي تقدم للحركة، وهناك أيضا تيارات هوائية داخلية تنخر جسم الحركة ولا تقل ضرباتها تأثيراً عن ضربات الإحتلال والرياح الخارجية المساندة له.
أما في جهة التناقض الآخر، حركة حماس، فالحديث والتحليل صعب ومحرج أكثر، فحال حماس التي تتغنى بالمقاومة ليس أفضل من حال فتح التي صنعت تلك المقاومة وتحظى بمخزون وافر من المقاومين والمناضلين داخل السجون الإسرائيلية وخارجها.
حركة حماس اليوم، تراوغ المشروع الوطني كما يراوغ الثعلب، والثعلب في حالة المراوغة والخداع الحاصلة هو للأسف " الاحتلال الاسرائيلي " المستثمر الاغنى في معركة المتاجرة والمقامرة السياسية التي تتفاخر حماس بغباء بأنها تقود دفتها لتحرير فلسطين من النهر الى البحر وانها تغزو دولة الإحتلال الإسرائيلي باسطولها العسكري الضخم وصواريخها العابرة للقارات!
لا أعرف الى متى ستستمر حماس بارتهان ارواح ودماء الابرياء كي تستغلها في معركة الاقتصاد الخفي وتجارة الانفاق التي تقودها؟!! ولست متفائلاً بجدوى التشدق بشعار المقاومة الذي لا فعل له ولا أثر على أرض الواقع، فيما ترتفع اعداد الشهداء والجرحى والمهجّرين والمختطفين من قطاع غزة الباسل يومياً.
ان ما يجري في مدن ومخيمات قطاع غزة، لا يختلف كثيراً عما مارسته وتمارسه قوات الاحتلال وقطعان المستوطنين من جرائم القتل والابادة والطرد والتهجير ومصادرة الاراضي وتدمير وحرق المنازل والمساجد، واستهداف القيم والاخلاق الوطنية منذ النكبة السوداء الاولى وحتى نكبة حزيران الأشد سواداً ومضاضة، وبالمطلق ستختلف المعادلة مرة أخرى كلما اقتربت الفجوة بين كرامة الانسان الفلسطيني ومحاولات الدوس على هذه الكرامة والمساس بها، لهذا فأنا لست متأكداً اذا ما كانت حركة حماس ستحظى بمزيد من حصد الانتصارات المبنية على الزيف والخداع، أم انها ستغرق فجأة بمستنقع الأسى والانتحارالوطني المفاجيء؟!
وبين ترهل فتح وجموح حماس وغرورها الفئوي، تضيع بوصلة المصالحة الفلسطينية وتنحرف مؤشرات الطموح والأمل الوطني عن مسارها الحالم بالحرية والاستقلال، وتنبعث بشكل عاصف رياح الفوضى السياسية والإجتماعية لتجرف معها كل ما انجزته قوافل الشهداء والاسرى والجرحى والمبعدين... فيضيع الوطن ويندثر مشروع الدولة وتبقى الوحدة هي ملاذنا الأخير.
(ناشط في قضايا الأسرى)
