إبن رشد المشروع الذي أحرقه السلفيون وأنظمة الإستبداد

single

الحديث عن إبن رشد (520-595 هـ /1198 م) وإنجازاته في الفلسفة والعقيدة والشريعة والطب لا يمكن تغطيتها بمقال أو دراسة واحدة، ولكن أكتب هذا المقال القصير، لأنني أرى باضطهاده وتهميشه وحرق كتبه من قبل السلفيين بداية أفول الحضارة العربية في الأندلس بل وعامة ً، هذا الفيلسوف تميز بشروحه لكتب أرسطو وبردّه على الغزالي. بالإضافة إلى كونه فقيهاً كتب في الفقه كتاباً متميزاً هو "بداية المجتهد ونهاية المقتصد".
وكذلك ألف في الطب كتاب الكليات. ومع ذلك ظل إبن مرشد مظلوماً في حياته وبعد مماته وحتى المحدثون لم يعطوه حقه كاملاً. وهذا الظلم جزء منه، نقص في المعرفة، ولأن بعض من كتبه التي أحرقت ظلت مفقودة. ففيلسوف قرطبة لم يكن مجرد مؤلف تبنى الروح النقدية بل في كل دراساته وكتاباته نزع نحو الإصلاح والتجديد والتغيير. بل كان صاحب مشروع أعلن عنه هو نفسه في العديد من المناسبات، وهذا ما دفع بخصومه والمتعصبون ضده من رافضي الاجتهاد والفلسفة العقلية أن يتصرفوا بحقد ضد هذا الفيلسوف العظيم والقيام بحرق كتبه.
لقد أراد إبن رشد إعادة بناء الفكر والثقافة في عصره على أساس عقلي وعلى أساس الإجتهاد وعلى أساس روح النقد، من خلال إعادة تأصيل الأصول ومراجعة التراث في كل المجالات الثقافية العربية الاسلامية في ذلك الوقت.
في العقيدة والشريعة والطب والفلسفة والعلم واللغة والسياسة، وهذا ما سبب لهُ ظلم أهل السلطة والتسلط حكام قرطبة في ذلك الوقت.
في مجال العقيدة – ألف ثلاثة كتب هي:
"الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد المله".  و "فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال" و "تهافت التهافت".
وكما قال نفسه كان هدفه من تأليف هذه الكتب "تصحيح عقائد شريعتنا مما داخلها من التغيير" والرجوع بها إلى الظاهر من العقائد التي قصد الشرع حمل الجمهور عليها. وطرح وضع "قانون للتأويل" يبيّن للعلماء ما يجب تأويله وما يجوز، وما لا يجوز، وكيف؟
أما في مجال الفقه فألف كتاب "الضروري في أصول الفقه" وفي هذا الكتاب قام بتوجيه نقد قوي إلى فقهاء عصره الذين قال عنهم "إن هاهنا طائفة تشبه العوام من جهة، والمجتهدين من جهة وهم المسمون في زماننا بالفقهاء، فينبغي أن ننظر في أي الصنفين أولى أن تلحقهم؟ وظاهر من أمرهم أن مرتبتهم مرتبة العوام وأنهم مقلدون". لذلك فتح باب الإجتهاد، وبين أسباب الخلاف بين أئمة الفقه، فألف كتابه "بداية المجتهد ونهاية المقتصد".
وفي الفلسفة إستخلص الآراء العلمية في مذهب أرسطو وإعتبر كتب أرسطو أفضل كتب القدماء اليونان لكونها "أشدها إقناعاً وأثبتها حجة ً".
وإبن رشد لم يشرح أرسطو فقط بل قام بطرح آراء وأفكار إجتهادية إستخلصها من خط تفكيره.
لذلك فأبن رشد لم يكن مجرد شارح لـ "المعلم الأول" أرسطو بل كان مكملاً لهُ.
أما في مجال الطب حيث الف كتاب "الكليات في الطب" هادفاً بناء الطب على العلم والعلم الطبيعي خاصةً ولتكون الممارسة الطبية في الجزئيات منتظمة تحت "كليات" علمية وهاجم أطباء عصره حيث وصفهم بأنهم "أبعد خلق الله عن هذه الصناعة" (يعني علم الطب).
أما في مجال العلوم الطبيعية، فقد إهتم بعلم الفلك وطرح مشروع إصلاح علم الفلك، الذي كان يعتمد في عصره الإعتماد كله على بطليموس ونظامه الكوني.
وكان الذي حرك هذه الرغبة في نفسه كون نظريات بطليموس لم تكن على وفاق مع ما تقرره العلوم الطبيعية الأخرى. وبما أن العلم في نظر إبن رشد واحد، لأن الحقيقة واحدة، فإذا عارضت العلوم بعضها بعضاً ضاعت الحقيقة.
وكان قصد جبال الأطلس في مراكش بالمغرب يهدف إجراء قياسات علمية حول حركة بعض الكواكب ولكن كثرة إنشغاله ومشاريعه العلمية والفلسفية جعلته عاجزاً عن القيام بالمهمة، وتشاء الأقدار أن يتصدى لهذه المهمة من بعده مباشرة ً تلميذه نور الدين أبو إسحق البطروجي (PETAGIUS)  المتوفي سنة 601 هجرية الذي ألف في الموضوع كتاباً صار هو المرجع المعتمد في موضوعه – في أوروبا – إلى أن ظهر كوبرنيك بنظريته التي أعلنت ميلاد علم الفلك الحديث.
وهناك كتاب كان مفقوداً لأبن رشد لم يكتشف ولم ينشر عنه إلا قبل 4-5 سنوات في موريتانيا وهذا الكتاب إسمه "الضروري في النحو" الذي خصصه لمشروع إعادة بناء النحو العربي بحيث يصبح كما قال "أقرب إلى الأمر الصناعي - (الطريقة العلمية وأسهل تعليماً، وأشد تحصيلاً للمعاني"، ويكون التأليف فيه وعرض مسائله وفق "الترتيب" الذي هو "مشترك لجميع الأسنه".
ففي هذا الكتاب نشر إبن رشد صياغة جديدة تماماً لبنية النحو العربي تعتمد على الترتيب = المنطقي، منطلقاً من تقسيم الكلام إلى مفرد ومركب، وليس إلى إسم وفعل وحرف، كما كان عليه الحال منذُ سيبويه.
أما الكتاب الثاني، وهو في السياسة فما زال أصله العربي مفقوداً ولم يبقى منه سوى ترجمة إلى العبرية.
لقد أدرك إبن رشد ما آلت إليه الثقافة العربية الإسلامية من جمود وتراجع في زمانه، فقام يعمل ليل نهار من أجل تحقيق إنبعاث جديد لهذه الثقافة، منطلقاً من الرجوع إلى الأصول لإعادة بنائها وتأصيلها والدفع نحو التغيير والتجديد على مختلف صعد الفكر الإنساني في ذلك الوقت.
ولقد كان كتابه "الضروري في السياسة" والمسمى أيضاً تلخيص كتاب السياسة لأفلاطون" (أي الجمهورية)، أي مشروع الإصلاح والتغيير، وفي هذا الكتاب جزء يخص جانب الحكم والسياسة. وفي هذا الكتاب تعرض فيه بالنقد الشديد لنظام الحكم الإستبدادي مطبقاً كلام أفلاطون، في هذا الموضوع على نظم الحكم في الإسلام بعامة ونظام الحكم وهذا هو السبب الحقيقي في نكبته، محاكمته، وسجنه ومصادرة كتبه وإحراقها. وهذه الحادثة لم تكن نكبة إبن رشد لوحدها بل كانت نكبة الحضارة العربية الإسلامية كلها، حيث استطاعت أوروبا أن تستفيد من فلسفة إبن رشد، واليوم في إسبانيا هناك تمثال لإبن رشد بينما عالمنا العربي ما يزال يعاني من أنظمة الإستبداد.
المراجع :
- مركز الدراسات العربية.
- نحن والتراث.
- قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي.

قد يهمّكم أيضا..
featured

حتى لا تقع عملية ارهابية قادمة

featured

لنتحدّ الإعاقة

featured

النّاس هم الأضواء التي تصنعُ النّجوم

featured

لاستكمال القرار الهام

featured

معادلات كفاحية

featured

هذا الجيل الجديد

featured

يوم الأرض الفِلَسطينيّ..

featured

المطلوب اعتراف واستنكار وردع