حتى لا تقع عملية ارهابية قادمة

single

نشأت ملحم الفرد نفّذ عملية في تل أبيب، شعبٌ بأكمله يبلغ تعداده مليونًا ومائتي عربي فلسطيني باقٍ في وطنه وجد نفسه متَّهمًا، ومن المطلوب منه، جماعيًا وفردًا فردًا، إثبات براءته وإعلان استنكاره وإدانته للإرهاب بحق إسرائيل ويهودها.جعلت حكومة إسرائيل بهذا من نشأت شعبًا وجعلت من شعبنا كله نشأت. وعلا زعيق الشارع بالنشيد القومي الصهيوني "مافت لعرفيم – الموت للعرب".
وكان رب البيت المدعو نتنياهو (البعض يسمّيه النِتِنْ – ياهو)، قارع دف. فرقصت السائبة الشوارعيّة من وزراء حكومة متسيِّبة وأعضاء برلمان شبه فاشيين ودعاة أبرتهايد، وأحزاب يمين علماني متطرف ويمين أصولي ديني. ووجد كل هؤلاء في بعض الوسائل الإعلامية بوقًا بل ومبادرًا لإعلان نفير الحرب، حرب الدولة على 20% من مواطنيها العرب. ففرض بعض العرب على أنفسهم شبه حظر تجوُّل عام في شوارع البلدات اليهودية، هربًا من اعتداءات واستفزازات الناس اليهود العاديين.


*البيان رقم واحد*


أنا الفرد العربي – الشعب، أعلنها أمام صفاقة وعنجهية مطالبتكم لي، حكومةً وشعبًا، بوجوب الاستنكار: لا أعتذر عن ولا أتحفظ من ولا أستنكر ولا أدين العملية، فهي بعض من بضاعتكم الإرهابية الفاسدة وقد ارتدت عليكم. أما رأيي بخصوص العملية فأرجئ الإشهار به إلى حين آخر.
وأعلنها أيضًا: لستُ موظفًا عندكم ولا تابعًا لكم ولا ناطقًا باسمكم. بناءً عليه، أستنكر وأدين محاولتكم لحصري بصفتي عربيًا في خانة ووظيفة - (علْ تِكِنْ- بالعبريّة) - الاستنكار لبعض ما يقوم به بعض أفراد شعبي ضدكم.
وأعلنها دومًا: أستنكر وأدين أن يصبح كل متسيّب وأولهم حكومة إسرائيل السائبة، شرطيًا ورجل مخابرات وقوة أمن ونيابة عامة وقاضيًا على شعبي، وعلى ما ننطق ونفكر به.
شعبي ليس هو القاتل، بل هو المقتول. ليس الجاني، بل الضحيّة. لا الإرهابي، وإنما المعاني من أسوأ وأشرس وأول الإرهابات- إرهاب الدولة على مدى 67 عامًا منذ النكبة الكبرى عام 1948، وما تلاها من "نُكَيْبات" حتى يومنا هذا.
نحن المقتولون، ابنا عن اب عن جد، الذين لم نمت. أتريدون من المقتول ان يعتذر أمام القاتل لكونه ما زالَ حيّاً رغم قتله؟ وتريدوننا أن نتطهر من مسؤوليتنا عن نشأت؟ كل مياه البحر الأبيض المتوسط لا تكفي لتبرئتكم وتطهيركم من جرائمكم بحق وطني وشعبي وبقيته الباقية داخل دولتكم.


*مَنْ أنشأ نشأت؟*


لا أعتذر عن بقائي عربيًا فلسطينيًا في وطني. نحن لم نأتِ إلى هذا الوطن مهاجرين على متن طائرة أو سفينة، هربًا من ظلمٍ طالنا. هذا وطننا ودخلناه من اكثر الطرق شرعية – من ارحام امهاتنا. سلبتمونا الوطن والمواطنة المتساوية، وجعلتم من التمييز القومي والمدني ومن العنصرية والتهميش إزائنا سياسة رسمية.
أصبحت العنصرية بحقنا... رئيس حكومة، ووزارات، وقادة قوت أمن، وثقافة جماهيرية ورأيًا عامًا. واستحالت إلى كونها D.N.A – الجينات الوراثية – الطاغية والفاعلة النشطة في كل خلايا المجتمع. هتاف "مافت لعرفيم" – الموت للعرب- أصبح من ناحية مدى ترديده وانتشاره وممارسته عمليًا، أشبه بالنشيد القومي لإسرائيل – "هتكفا".
وأصبحنا نحنُ العرب، أهل البلاد الأصليين، أضيع من الكرام على موائد اللئام. كلنا متهم، وكلنا مُدان لمجرد ولادته عربياً في وطنه وبقائه فيه، رافضًا أن يرحل أو أن يتصهْيَن. قال إميل حبيبي مرة: حتى لو خرج العرب إلى الشوارع في مظاهرات هاتفين "مافت لعرفيم" لن  ترضى عنهم دولة إسرائيل.
لن أذكّر دولة إسرائيل لا بهدم قرانا وسلب أرضنا، ولا بحكم عسكري تفرضه دولة على مواطنيها، ولا بكفر قاسم واخواتها، ولا بإقرث وبرعم، ولا بكل مظاهر التمييز والعنصرية بحقنا العصيّة عن الإحصاء. اكتفي فقط بتذكيرها بما أطلقته شخصياتها المسؤولة علينا من تسميات:
نحنُ في عُرفهم، "الحاضر الغائب" و"السرطان في جسم الدولة"، و"الحيّات السامة" و"الصراصير المسممة في عنق الزجاجة"، و"الذين يدبّون على أربع"، و"الباقون خطئًا وسهوًا في البلاد"، و"الخطر الديمغرافي"، و"العربي الجيد هو العربي الميت". و... أتذكُر يا نتنياهو؟، "الكميات" – أي بضاعة أو حيوانات – "التي تنهمر نحو صناديق الاقتراع" (أي تمارس حقها بالاقتراع).
مددنا أيدينا للمصافحة على أساس النديّة، فقطعتموها. نطقت السنتنا بدعوات السلام والمساواة، فقصصتموها. تطلعت أعيننا نحو أفق وحلم الغد المشترك فعميتمونا. تعقلُنّا وقبلنا المساومة والحلول الوسط إلى حد الانبطاح أحيانًا... وما من مستجيب.
أوَتسألون بعد هذا كيف نشأ نشأت بيننا، وتطالبوننا بالاعتذار عن نشوئه وبالاستنكار لما أقدم عليه؟ لسنا نحنُ الذي أنشأ نشأت. حروبكم وإرهابكم ضد شعبنا، ورفضكم لكل برامج الصلح والسلام التي اقترحناها، وظلمكم وعنصريتكم وتمييزكم ضدنا نحنُ الباقين في وطننا... هي التي أنشأت نشأت، وستنشئ "نشائين" عديدين مستقبلاً إذا ما واصلتم سياستكم.


*حين وافق شنٌ طبقة*


القائد ينطق ويخطب خطاباً. نتنياهو ينتق ويتقيأ سمومًا. القائد يقود، يعطي أملاً، يفتح أفقاً، يقدّم حلاً، يرسم حلمًا، يحتضن شعبًا. نتنياهو يخوّف شعبه ولا يوفر له الامان، ويرعِب ويحرّض ويكذب. ويعمّم العنصرية ويجرّم خمس مواطني الدولة ويحملهم المسؤولية عن نشأت. حلمه أن يُعاد انتخابه للمرة الرابعة. برنامجه المراوحة في المكان على حساب حيوات اليهود والعربان، ومن بعده الطوفان.
استمعتُ لقيء خطابه. ركّزت نظري على الديكور (المكان الذي اختاره لإلقاء الخطاب، وما أحاط به نفسه من قِبل ومن دُبر ومن فوق وأسفل). وتساءلت: لماذا لا يفكر هذا المخلوق بتغيير مهنته فيعمل، مثلاً، ممثلاً ثانويًا في مسرح، أو فزّاعة، أو بصّارة وبرّاجة، أو حتى... فليتكل على الله ويشتغل رقّاصة.
الذي جعل من الدولة "دولتين" هو نتنياهو وأسلافه - دولة يهودها و"كانتون" عربها - آسف القصد مسلميها ومسيحييها ودروزها وبدوها. والعياذ بالله من ذكر "العربوشيم" والتعامل معهم بصفتهم شعبًا. الدولة الموجودة هي ليست دولتين فقط يا نتنياهو، بل عدة دول يكاد يصِل تعدادها إلى عدد أسباط (قبائل) اليهود. مثلاً لا حصرًا: دولة المستوطنين، دولة العصابات الإرهابية من أمثال "تدفيع الثمن" والكهانيين، ودولة الغربيين الأشكناز والشرقيين السفراديم، ودولة- الأصح إمارات – المتدينين اليهود الأصوليين... الخ.
كِبر السن ظاهر على نتنياهو وصار ينسى. لقد "أقنعنا" أنّ نشأت تربى على تحريض المشايخ في الجوامع (؟!)، لكنه نسي أن يقول أن الحاج أمين الحسيني هو الذي أقنعه بتنفيذ العملية، مثلما كان قد أقنع هتلر بابتداع حل إبادة اليهود في أفران الغاز. ونسي أيضًا ذِكر إيران ودورها في إقناع نشأت بالتنفيذ وإغداق الأموال عليه بعد أن امتلأت خزائنها إثر "جريمة" رفع الحظر الاقتصادي عنها.
شرّ البليّة ما يضحك. ويبقى المضحك – المبكي أن الشعب "النيّر" الذي يَعتبر نفسه نورًا للأمم... ينتخِب، ثلاث مرّات، هكذا مخلوق رئيسًا لحكومته وقائدًا لدولته.
إمّا أن تحرّر إسرائيل نفسها من هكذا "قائد"، ومن هكذا وضع "تراجي-كوميدي"، وإما تُصبح هي المثال الفاضح عن "مَثَل": "وافق شنّ طبقة". وما دام "شنٌ وطبقة" متطابقين متوافقيْن ستبقى إسرائيل معرّضة لشن طبقات /موجات من أعمال إرهابية بحقها ردّا على إرهابها بحق الآخرين، مهما "يفسي" نتنياهو من خطابات التهديد والوعيد.


*مسك الختام*


أتحفظ من واستنكر وأدين العملية التي نفّذها نشأت ملحم. واعتبرها عملية إرهابية بحق المدنيين وتسيء لقضيتنا الفلسطينية ولكفاح شعبنا لإنهاء الاحتلال واستقلاله، وكذلك لكفاح الجماهير العربية في البلاد من أجل المساواة القومية والمدنية. وبهذا هي تخدم، موضوعيًا، حكومة وسياسة الاحتلال والعنصرية، وتشوّه نضالنا.
القضية العادلة – (وقضيتنا أعدل من عادلة) – تحتاج إلى وسائل كفاح عادلة، وإلى كسب الرأي العام العالمي وتضامنه، وإلى اختراق الشارع الإسرائيلي وكسب تأييد قوى السلام والديمقراطية فيه مهما كانت قليلة، والعمل على إكثارها وتقويتها.
وأضيف: من حق الشعب – أي شعب – الواقع تحت الاحتلال أن يقاومه ويكافحه بشتى الوسائل والأدوات، بما فيه الكفاح المسلّح. لكن عظمة المقاومة لا تقاس بمدى عنفية الوسائل والأدوات، وإنما بمدى نجاعة تلك الوسائل لتحقيق الهدف المنشود، ويبقى الإرهاب بحق المدنيين هو الوسيلة الأسوأ والأكثر ضررًا لمن لجأ إليها. هي بوميرنغ – سلاح يرتد على مَن يستعمله.
صحيح أنّ الجماهير العربية الفلسطينية في إسرائيل هي جزء من شعبها الفلسطيني. وقضيته هي قضيتها أيضًا. ولكن كون هذه الأقلية مواطنة في إسرائيل، على مدى 67 عامًا حتى الآن، يفرض عليها اختيار وسائل الكفاح المناسبة والناجعة لظروفها الزمكانية – تاريخيًا وسياسيًا وجغرافيًا واجتماعيًا وأمنيّاً ومعيشيًا.
لقد اختارت هذه الجماهير وسيلة الكفاح السياسي المدني السلمي الجماهيري الميداني والبرلماني والمؤسساتي. هكذا نجحت في البقاء، وهكذا حققت أكبر عدد من المكاسب بأقل ما يمكن من الخسائر. وبقاؤها في وطنها هو الهزيمة الأولى الكبرى التي ألحقها العرب الفلسطينيون بالمشروع الصهيوني.
واخيرا وليس آخرا، نقول لحكام اسرائيل: إن لم تجنحوا نحو السلام العادل وتنسحبوا من المناطق المحتلة، وتتجاوبوا مع مطالب المساواة القومية والمدنية للمواطنين العرب... أنتم على موعد مع عملية إرهابية قادمة. لستُ أنا الذي يدعو لها. سياستكم هي التي تستدعيها.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الأسس القانونية للدولة الفلسطينية

featured

مع أنه فقير جدا في مياهه، الا أن أهله رمز الجد والاجتهاد

featured

الحل في سوريا سياسي

featured

لا تتركوهم وحدهم !

featured

مِحَنُ اَلْسُّوْدَاْنْ ..!

featured

المطلب: مصالحة عملية وملموسة

featured

بِلّوه واشربوا مَيِّتُه!

featured

حروب ابادة نتاج الغرب