مهما شطّت وتواقحت وشوّهت الدعاية الاسرائيلية الرسمية، بخصوص زيارة البابا فرنسيس الاول للأراضي المقدسة، ستبقى في الاذهان من هذا "الشذر المذر" الصهيوني العنصري صورة قداسته يترجَّل عفويا قرب الجدار عند مدخل بلدة مهد السيد المسيح. وإذا ما كان بالإمكان تلخيص زيارة في صورة، فهذه هي الصورة التي نشرتها وابرزتها وسائل الاعلام العالمية كافة. ولم تستطع محوها زيارة البابا لقبر هرتصل، وهي زيارة كان من الاجدى به ان يتجنبها.
لم يكن التوقف قرب الجدار الصفعة الاولى التي وجهها البابا لمن اراد تسييس وتجيير زيارته لصالح عدوانيته وعنصريته. بل هي اسبقية سبقتها وتبعتها صفعات غير مسبوقة في اية زيارة بابوية سابقة. البابا فرنسيس سجل سابقة بعدم دخوله الضفة الغربية من خلال بوابة اسرائيل، بل هبط على ارض بيت لحم قادما من عمان على متن مروحيّة عربية، للقاء ابي مازن وزيارة كنيسة المهد.
ومن هناك وبعد لقاءاته الدينية والسياسية بما فيها زيارة مخيم الدهيشة، فهو القائد الروحي لمليار ومائتي مليون كاثوليكي ورئيس دولة الفاتيكان في الوقت نفسه، اقلع الى مطار بن غوريون على متن الطائرة العربية. مَنْ له عينان فليرَ ومَنْ له اذنان فليسمعْ – فلسطين "دولة" عربية مستقلة بعرف البابوية، وما من اعتراف بالقدس "الموحدة" عاصمة اسرائيلية. والمدخل الى علاقات سوية متكاملة مع اسرائيل لا يصح الا من باب الاعتراف بحق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير مصيره ونيل حقوقه كما اقرتها الشرعية الدولية.
* تريدون إدانة للنازية، أم تبريرا للجرائم الاسرائيلية؟*
لذلك، اعلاه، اصاب اسرائيل مغص شديد في الامعاء والعقول، في القول والتصرف، وبوقاحة تعدت كل الحدود البروتوكولية المتّبعة في استقبال الشخصيات الرسمية، فكم بالحري استقبال الباباوات. يتواقح نتنياهو في جرّ البابا دون علمه، وهو على ارض مقبرة جبل هرتصل الى زيارة نصب ضحايا "الارهاب" الاسرائيليين. ورغم الاحراج الذي كان واضحا على وجه قداسته جراء هذه اللعبة النتنة، لم يخجل بعض كتَبة المقالات في الصحف العبرية من تحميل وتقويل البابا ما لم يحمله ولم يقله، بانه يدين الارهاب الفلسطيني بحق اليهود.
تدعي اسرائيل انها هي ضحية الارهاب، متنكرة لكون الاحتلال هو الارهاب بعينه وبأشرس صورة وتداعياته. وجذور الارهاب تعود، حسب رأيها، الى اللاسامية المتجذرة من قبل المسيحية العالمية ضد اليهود بصفتهم يهودا. وحتى النازية والفاشية هما نتاج اللاسامية، وجرائمها بالأساس موجهة ضد اليهود كيهود واسفرت عن قتل ستة ملايين منهم، لا عن قتل وجرح وتشويه وهدم عشرات ملايين بني البشر عموما وهدم بلداتهم ودولهم. والفاتيكان مسؤول لأنه لم يعتذر على لاساميته ولم يتصدَّ للنازية كما يجب. هذا هو الدرس الذي ارادت القيادة السياسية الاسرائيلية تعليمه للبابا فرنسيس الاول. وان لم يحفظه ويردده، فقد يكون هو الآخر موبوءً بداء اللاسامية.
شاهدتُ سماتهم المتكدرة والمتضايقة وهم يستمعون الى خطاب البابا (الوعظة الروحية الراقية) في اثناء زيارته لمتحف ضحايا النازية اليهود. لم تشفع لقداسته حتى تقبيله لأيدي اشخاص نجوا من جرائم النازية. فبأي حق يضع الحبر الاعظم جرائم النازية في اطار وعظة روحية راقية عن بشر فقدوا انسانيتهم وشوهت عقولهم ايديولوجيات عنصرية واضاعوا البوصلة الالهية ونصَّبوا أنفسهم آلهة مسؤولة عن مصير البشر؟ ولماذا يدين العنصرية والتمييز والارهاب عموما، ويستشهد من سفر "التكوين" التوراتي بآية تحذر الانسان من فقدان انسانيته وتنكره لحقيقة انه خُلق بشرا على صورة الله ومثاله؟ ولماذا لم يذكر رقم الـ 6 ملايين وهويتهم اليهودية، ولا حقيقة ان الجريمة موجهة بالأساس ضد اليهود؟ ولماذا لم يدن "تساوق" (؟!) البابوية – الكاثوليكية المسيحية – مع النازية؟
أما أنا الذي لا استطيع ان اقول عن نفسي ان الدين يوجّه مواقفي، فلقد غمرتني وعظة البابا تلك بروحانية واخلاقية انسانية لا حدود لها. وتساءلت هل حقا اسرائيل تريد ادانة بابوية للنازية (لقد أدانتها!) أم تريد من البابوية صك غفران وتبريرا لجرائمها هي بحق الانسانية وبحق الساميين العرب؟ وهل نسيت اسرائيل حقا انها بعد قيامها شكرت الفاتيكان على دعم اليهود ضحايا النازية، وهل تناست مئات الكهنة والقساوسة وآلاف المسيحيين الذين دفعوا حياتهم ثمنا لحمايتهم ولتخبئتهم لليهود في بيوتهم، بما فيها في أروقة – غرف – الفاتيكان؟ وهل تتنكر هي التي تستغل الدين اليهودي زورا لتبرير جرائمها، ان الدول "المسيحية" بالذات هي التي مع الاتحاد السوفييتي بشيوعييه ومسيحييه...، قبرت الوحش النازي وانقذت البشرية، بمن فيهم اليهود، من النازية والفاشية؟
* هل تريدون البابا عضوا في حزب الليكود؟*
أما الرابي اليهودي الشرقي الاول يتسحاق يوسف بن عوفاديا يوسف، فلم يخجل في خطبته الطويلة الوقحة والمخجلة أمام البابا حين التقى بالقيادة الدينية اليهودية، من ذكر القصة اليهودية عن الرابي شمعون بن شيطح الذي اشترى حمارا من اسماعيلي (من الاغيار، غير اليهود) ووجد على ظهره حجرا كريما، فقام بإعادة الحجر الكريم للاسماعيلي.
هذه القصة أثارت في علم التفسير التوراتي التشريعي نقاشا طويلا حول شرعية تصرف الرابي شمعون. اذ حسب الشرع اليهودي يجب عدم ارجاع الضائع الذي تجده لصاحبه اذا كان من الاغيار. لكن الشرع اليهودي القديم والحديث برّأ الرابي شمعون من خطيئته، بحجة انه ارجع الحجر لأنه اراد ان يسمع من الاغيار مدحا وشكرا لليهود واعترافا بعُلويتهم!
فماذا اردتَ يا يتسحاق يوسيف بن عوفاديا ان تقول – هل الاغيار حمير (بالمناسبة يوجد هذا الوصف للأغيار في التوراة)، وهذه الوعظات البابوية – (الحجر الكريم) – مردودة عليهم، وقد نقبلها فقط في اطار الاعتذار لنا وبعد سماع مديحكم لنا؟
ذكّرني هذا السلوك الاسرائيلي الرسمي الحكومي والديني العنصري بما فعله سابقون في اثناء حج البابا السابق بندكتوس السادس عشر للاراضي المقدسة، بمن فيهم الراب الرئيسي لاو ورئيس الكنيست في حينه رئوفين ريفلين. جرى يومها تصوير بندكتوس كنازيٍّ يرتدي جبة بابوية بيضاء، وقالوا انهم غير معنيين بسماع حديث البابا عن الكارثة كظاهرة عالمية معادية للإنسان وللأديان، وانما يريدون سماع الاعتذار وطلب السماح من قبل البابا على جرائم النازية بحق اليهود!
الحمد لله، لان ساسة وكهان اسرائيل لم يطلبوا بعد من البابا ان يتهود مثلا او يتصهين او ان يطلب الانتساب لعضوية حزب الليكود او "البيت اليهودي" او مباشرة لسلالة عصابات كهانا... علّهم يرضون عليه.
البابا "أخطأ" بحق اسرائيل. هو، بصفة رئاسته الروحية، يتحدث عن قيَم ومبادئ السلام والمحبة والتسامح والتفاهم والتعاون ونبذ العنف والعنصرية والظلم والتمييز، وغيرها من قيم بصفتها قيما انسانية عامة من واجب الجميع، بمن فيهم الاسرائيليون، تبنِّيها اذا كانوا يريدون ان يبقوا بشرا على صورة الله ومثاله. وهو يتحدث، بصفته رئيسا لدولة الفاتيكان، عن وجوب حل عادل وحسب الشرعية الدولية، وضمان الامن والسلام وحق تقرير المصير لشعوب ودول المنطقة ضمن حدود معترف بها دوليا.
فبأي حق ينطق البابا بهذا الكلام المبطن والموجّه ضد اسرائيل الرسمية وقيمها؟ كان عليه ان يغذي فينا نحن اليهود مشاعر النخبوية الاخلاقية لنا بصفتنا شعبا من نوع خاص ارقى ودولة عظمى مضطرة، لأن اعداءها يريدون إبادتها، اعتماد حق القوة. على حرابك تعيشين يا صهيون، لا على القيم والمبادئ ووعظات البابا.
وبدلا من ان يحترم البابا ضيافتنا له (؟!) يحذرنا بكلامه الرمزي من الخوف من التغيير ويطالبنا بان نعي ان تحقيق السلام العادل أمر صعب، لكن العيش بدونه معاناة دائمة وأصعب. هذا بابا آخر معادٍ لنا. اذ ما زال مصرا على اتباعه طريق المسيح – "اتبعوا الحق، فالحق يحرركم"! لقد اجابه شبابنا على هذا التمادي بحقنا...، وعلى عدم اعترافه باننا الدولة الوحيدة في الشرق الاوسط التي تضمن الحرية والمساواة لأتباع مختلف الديانات. "ملعونة هي المسيحية، والمسيح هو إبن ... زانية" - هذا ما كتبه شبابنا على جدران الكنائس. وعليّة صهيون، حيث اقام المسيح وتلامذته العشاء السري الاخير، وأحالها اتباعه فيما بعد الى كنيسة الجثمانية، قام شبابنا بحرقها في ليل يوم صلاة البابا فيها. فبأي حق يدنّس البابا المكان والشرع اليهودي بإقامة قداس قرب قبر داوود؟
* جديد البابا قديم الدين*
لكن رغم وقاحة وصفاقة اسرائيل وقطعان يمينها الفاشي، هي تلجأ رسميا وعالميا لتصوير زيارة البابا وكأنها تطبيع لعلاقة الفاتيكان معها. بهذا هي تواصل افتراءاتها بخصوص الزيارة وما رافقها.
هذه هي الزيارة الرابعة لبابا لاسرائيل، بل الى البلاد المقدسة: فلسطين التاريخية والاردن. اذ حج للبلاد المقدسة قبله البابا بولس السادس عام 1964، ويوحنا بولس الثاني عام 2000 وبندكتوس السادس عشر عام 2009. والفاتيكان اعترف بإسرائيل واقام علاقات دبلوماسية معها، فقط قبل 21 عاما اثر اتفاق اوسلو، أي اثر اعتراف دول عربية والفلسطينيين ايضا بها. والفاتيكان لا يعترف بالاحتلال ولا بالقدس "الموحدة" عاصمة لإسرائيل، ولم يغيّر موقفه هذا.
وزيارة البابا الحالي فرنسيس الاول للأرض المقدسة اقصر زيارة بابوية للمنطقة. دامت ثلاثة ايام فقط – يوما في كل دولة، الاردن وفلسطين واسرائيل. وهي ليست زيارة حج اصلا ولا لإسرائيل حصرا، وانما زيارة للقاء بالبطريرك الاورثوذكسي المسكوني برتلماوس في القدس في الذكرى الخمسين للقاء الحواري الاول للكنيستين الكاثوليكية والارثوذكسية. بين البابا بولس السادس والبطريرك اثيناغورس الذي جرى في القدس عام 1964.
لذلك ما من جديد بالنسبة لإسرائيل وموقف البابوية منها في هذه الزيارة. وتبقى باطلة محاولة اسرائيل تحميل الزيارة أبعادا غير موجودة فيها، كما هي باطلة ايضا ومعيبة تصرفاتها اللابروتوكولية في محاولاتها الفاشلة "لأسرلة" البابا ولإقناعه بانها الدولة الحامية لمسيحيي الشرق أمام "الارهاب الاسلامي".
وكان للتلفزيون الاسرائيلي باللغة العربية، بمن اجرى لقاءات معهم عن الزيارة من مستعربين يهود أمنيين، وقاحة ما بعدها وقاحة في اللعب على وتر الطائفية بين العرب من مسلمين ومسيحيين. وكأنه لا يجوز الكلام مع "الاغيار" الا من خلال فوهة الامن والمخابرات، وكأن اهل البلاد العرب الاصليين من مسلمين ومسيحيين ليسوا بمواطنين في هذه البلاد قبل قيام اسرائيل بآلاف السنين، وانما أغيار في دولة اليهود.
هذا هو قديم اسرائيل كما تجلَّى في جديد زيارة البابا. أما جديد البابا فهو البابا نفسه. انسان متواضع ونصير للفقراء والمظلومين والمهمَّشين. اصلاحي عميق وليبرالي لا يتورع من المس بمسلَّمات قديمة شاخت، كانت قد اعتادتها المؤسسة الكنسية الدنيوية الاوروبية بغناها واملاكها وفساد ادارتها وسلوكيات بعض كهنتها وقساوستها.
بابا غير تقليدي ولا بروتوكولي. منفتح محب للحياة وخلوق ومتواضع ومرح محب للمزاح وعفوي. بسلوكه جعل العالم يمنحه لقب رجل العام 2013 بعد مرور أقل من سنة على سيامته البابوية. هو يريد ارجاع الكنيسة الى جذورها المشرقية القديمة، الى حضن تعاليم السيد المسيح، الى اهلها من بسطاء الناس.
* أثر البابا علينا وطرش حكام اسرائيل*
البابا فرنسيس هو اول بابا، منذ 1300 عام، لا يأتي من دول الامبراطورية الرومانية القديمة ومن اوروبا، بل من احياء الفقر في الارجنتين. ويحمل اجندة اصلاح للمؤسسة الكنسية بما فيها البابوية. ويريد اجراء انقلاب عميق في وجهتها وتاريخها وإعادة، روحنيتها الانسانية الى الساحة الدولية. الدين بالنسبة له ليس فروضا وعقوبات وتهديدا ووعيدا وطقوسا شكلية وتسعير خلافات عنصرية بين اديان وطوائف مختلفة. والدين لا يجوز ان يكون مبررا للاحتلال وللظلم وللتمييز وللعداوات.
قداسته رجل مصالحة وحوار وتجسير بين الاختلافات والمختلفين، ويعظنا ليس فقط ان نتصافح مع بعض وانما ان نصفح لبعض. والمحبة والتعايش بين الديانات ليست مسألة نصوص فيها فقط، وانما من الواجب ان تغمر النفوس. ومن يجعل الايمان جذرا للعنصرية ولكراهية الآخر، يكره ويعادي دينه اولا. لذلك لم يكن من باب الصدفة ان يكون هذا البابا اول بابا يصطحب في وفده الرسمي لزيارة الارض المقدسة صديقيه من بوينوس ايروس، الرابي ابراهم سكوركا والامام عمر عبود الليبراليين النشيطين معه في الحوار بين الاديان.
والبابا فرنسيس ابن للرهبانية الفرنسيسكانية المعروفة بلينها وانفتاحها وخدماتها التعليمية والاجتماعية لمهمّشي ومعذَّبي الارض. وهو البابا الاول الذي يتخذ له اسم فرنسيس، وذلك نسبة الى فرنسيس الاسيزي الذي سامته الكنيسة قديسا. والقديس فرنسيس كان قد أخبر المؤمنين انه في منامه سمع صوتا يناديه من السماء عام 1206 قائلا له: "يا فرنسيس اصلح كنيستي"!
على هدى الشفيع فرنسيس الأسيزي يسير البابا فرنسيس الاول. وهو لا يتردد في هز مسلَّمات اعتادتها الكنيسة. هو يقول انه ليس قاضيا على العلمانيين وعلى الكفار ولا على المثليين. الله هو القاضي، ويوجد في الجنة مكان لغير المؤمنين. ومن حق غير المسيحيين ان يصروا على ايمانهم وعقائدهم المختلفة ومن حق العلمانيين ان يتصرفوا حسب ضمائرهم، ومسألة الاجهاض مسألة تثير خلافات، ولكن من الواجب بحثها. كذلك الامر بخصوص حق رسم المرأة كاهنا او قسيسا، لكن ما من شك ان مكانة المرأة في الدين وواجب احترامها ومساواتها اكثر اهمية من مكانة القساوسة والكهنة!
هكذا يمضي البابا، اهم واكبر شخصية دينية ويرأس اكبر كنيسة عالمية، هازًّا مسلّمة تلو الاخرى بشجاعة لم نعهدها من قادة الكنيسة منذ قرون. وهو لا يُنظّر فقط انما يسلك هكذا ويطبقه على نفسه اولا، في حياته المتواضعة خارج قصور الفاتيكان، وفي خطابه التوحيدي للإنسان بصفته انسانا خارج الخندقة في اقفاص التعصب الانتمائي الديني او الطائفي. وهو لا يكف عن الدعوة للتغيير وللتجديد، محذرا من ان الخوف من هذا هو الطريق للهدم المتبادل لا للاحترام المتبادل.
أصلح كنيسي. اصلح كنيستي. اصلح جامعي. فبأي حق نستمر في تشويه واغتيال انبيائنا ورسلنا موسى وعيسى ومحمد من على منابر كنسنا وكنائسنا وجوامعنا، باسمهم وباسم الدين زورا؟
هذا كله اعلاه ما تركته فينا زيارة البابا من أثر وتأثير. وهذا ما لم تتأثر به اسرائيل الرسمية. فهي بفكرها ونهجها وممارساتها العنصرية معادية لهكذا مبادئ وقيَم، معادية لهكذا بابا!
