صمتٌ أكثر من مزعج

single

قتلُ الخمسة مستوطنين في مستوطنة "إيتمار" هو جريمة أستنكرها بدون: إنما، ربما، طالما ولكن وجميع أخواتهن وشقيقاتهن وأقاربهن.
هوية الفاعل لا تغيّر موقفي الصارخ والصارم، فهذه تبقى بكل المقاييس والمفاهيم جريمة، كائنًا من كان مقترفُها. كذلك، الدوافع والخلفيات، التي قد تُدَّعى وتعطى لمن اقترف هذه الجريمة. مهما سيتكشف لن يكون ولن يقبل مبررًا ولا حتى عاملاً مخففًا بحق مجرم، نفَّذ عملية قتل من بين ضحاياها وليد مقمَّط ذبح في سريره.
هي جريمة تستحضر مشاهد مسارح الدم وتعرِّي الزمن وشخوصه، فيظهر هؤلاء بكامل زيفهم وضعفهم اللا إنساني.
بعد حين ستسدل الستائر على المسرح. وراء الكواليس سيبقى الممثلون والطواقم الفنية. سيبقى مخرج ومنتج ومهندس ديكور ومهندس صوت ومؤلف الموسيقى وبعض من الكومبارس وغيرهم.
سريعًا سيتفرَّق المشاهدون. قليلٌ منهم سيصطحب تفاصيل ما شاهد وما سمع. يعودون إلى بيوتهم وهمومهم. إلى مخادعهم وإلى ما تعرضه مسارحُ دم أخرى والعبث اليومي وربما مسارح اللهو. لن يتذكر معظمهم رائحةَ ولونَ الستائر. لقد كانت ستائر بلون الدم ورائحته.
تبقى الجريمة حدثًا بين فاعل وضحايا، وما يستوجبه القانون من عقاب. لكنها بتداعياتها ومؤثراتها، أكثر وأبعد من ذلك. هي لحظة قدر تتحدّى ومهماز سماء ينقر. إنها محنة تواجِه. امتحانُ الزمن لللا إنساني فينا، فإما أن نواجهها ونعبرَها بكامل ثقتِنا وقيمِنا وإما أن تبقينا عراةً بكامل ضعفنا وزيفنا.
جريمة أسقطت قناعًا آخر عن وجه ساسة إسرائيل. ساسة ومسؤولون سارعوا يرقصون على الدماء. ينتشون برقصات الموت ويذرفون دموعًا هي دموع  الفرح على ما هيَّأته لهم لحظة الدم المسفوك من ذخائر يحشونها في قصباتهم لتطلق رصاصًا يردي ويعدّ قوافل ضحايا جرائم المستقبل. هؤلاء هم من بقوا خلف الكواليس يتقاسمون ريع وغنائم الدم وأدوارهم المعدَّة بحرفيةٍ مقززة.
ما يمارسونه يتعدى الاستغلال اللا إنساني. إنه رسوب آخر في امتحان القدر وإمعان في الغوص إلى قعر جديد من الظلمات.
إنها جريمة كشفت مرةً أخرى قصورًا في مواقف مؤسساتنا القيادية وبعض قادة أحزابنا وحركاتنا السياسية. مسؤوليتهم وواجبهم يحتِّمان إطلاق صرخة، صارمة، واضحة، خالية من التلعثم والتبرير ضد هذه الجريمة. وبغياب مثل هذه الوقفة والموقف أولئك يخونون الأمانة والمسؤولية الموكلتَين بهم.
إنسانيتنا المجرَّدة تحتِّم علينا إطلاق موقف صريح ضد الجريمة. إنسانيتنا المنسوبة لكوننا فلسطينيين، عانينا ونعاني القهر والعنصرية، تستوجب، من باب أولى، أن نستجيب للحظة القدر وتحدِّيها وأن نصرخ بضمائرنا التي لا يجب أن تستعين بمهماز سماوي.
لن يسعفَ أي ادعاء أو تبرير، سواء عُزيَ ذلك لمراجع سياسية مزايدة أو لاعتبارات خوف وتردد عن ما سيكون صدى هذا الموقف المستنكِر الواضح بين صفوف الجماهير وأبعد. فالقادة قادة إن قادوا، وهم ليسوا كذلك إن انقادوا، لاسيما في لحظات المِحَن/الامتحان.
استنكار معظم أعضاء الكنيست لهذه الجريمة يسجَّل لهم، مع أن تصريحات بعضهم جاءت متأخرة ويبدو أنها جاءت بفعل مزاحمة من سبقها، وبعضهم أطلق موقفه بخجل ظاهر ومواربة لإبقاء موقفه خافتًا وبعيدًا قدر الإمكان عن جمهوره الواسع. مع هذا فأصواتهم، على تمايز حجمها، لا تعفي قياديين آخرين ولا المؤسسات العليا من اتخاذ موقف واضح وصريح. فأين موقف لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية وأين موقف لجنة الرؤساء والهيئات العليا الأخرى.
لا يغيب عن ذهني موقف الإعلام الإسرائيلي، الذي يسعى دائماً إلى تقزيم وحجب الصوت العربي الإنساني الواضح، وأعرف أن هذا عاملٌ يؤدي إلى تهميش تلك الأصوات، لكنه يبقى، على أهميته، عاملًا غير مسعف لأولئك الذين غابوا وأخفقوا.
وأبرزت هذه الجريمة قصورًا وخللًا سياسيًا عند القيادات الفلسطينية في الأراضي المحتلة. أقرُّ وأعي أن معطيات الحالة السياسية على هذه الساحة مغايرة لما هي عليه لدى جماهيرنا العربية في إسرائيل. مع هذا، لا أعتقد أن هنالك إشكالاً عند أي من الفصائل الأساسية والهيئات الشعبية والمنظمات الأهلية بتأسيس استنكاراتها للجريمة من باب لا إنسانيتها الصارخة، ولا ضيرَ في هذه الحالة من أن يرفق بهذا الموقف أي استطراد سياسي وموقف يرتكز على: لكن، ومع هذا وإنما وشبيهاتها من أسماء وحروف ربط تضاف لموقف هؤلاء إزاء الاحتلال وموبقاته وإزاء همجية المستوطنين، لاسيما من عُرفَ منهم "بشبيبة التلال" و "جباية الثمن".
الفلسطيني هنا ضحية لكل الممارسات اللا إنسانية التي تقترفها إسرائيل بحقه. وإن كان هنالك من يعتقد أن ذبح أطفال في أسرَّتِهم له ما يبرِّره، فصمته نتيجة وفرضُ حال وهو لذلك غريب ومستهجن. ولأنني أعتقد أن الأكثرية العظمى من الشعب الفلسطيني ومؤسساته وقياداته لا ولن تبرِّرَ جريمة كهذه، عصيٌُّ علي أن أفهم أو أن أقبل أو أبرِّر صمت معظمهم واختفاء صوتهم. علاوة عن أن هذا خطأ سياسي فادح.
أنهي مؤكدًا مرةً أخرى أن ما حدث في "إيتمار" هو جريمة وأنا أستنكرها. فأنا لن أبقى وراء كواليس ستائر الدم ولن أكون مشاهدًا عابثًا غير مكترث. أنا إنسان.  

قد يهمّكم أيضا..
featured

النكبة الاسرائيليّة!

featured

أصناف من بني البشر

featured

الموت وقبعات السحرة

featured

الاحتلال هو السبب الأساسي لمأساة شعبنا

featured

فى أصول الفوضى الراهنة

featured

خُثار الأوردة العميقة

featured

أمراض فرط الكريات البيض

featured

مهمات اساسية لمواجهة التحديات الكارثية لمواقف نتنياهو!