تتفاعل تكتيكات وممارسات التكتّم بشكل معكوس. لأنها عمليًا تنطوي على نقيضها. تفضح المكتوم على الدوام وإن بدا كأنه خبا، لأنها منشغلة فيه على الدوام. هذا ما تفعله النكبة بإسرائيل الرسمية، والشعبية الى حد كبير.
أحد المثقفين الاسرائيليين أسماها مرة "الخطيئة الكبرى". والخطايا الكبرى تلاحق مرتكبيها لأنها لا تنفد، لا تزول، بل تستقرّ في صُلب الذاكرة.
النكبة في ذاكرة الفلسطينيّ هي جرح مفتوح على الماضي، ومفتوح من الماضي على الحاضر والمستقبل. يصبح العيش الطبيعي استحالة كبرى مع استمرار نزيفه الشعوري والمعنوي. وتصبح النكبة استصراخًا دائمًا للشفاء، يدفع على الفعل وعلى البوح وعلى الاستنطاق، الفردي والجماعي.
لكنها – النكبة - لدى أسير العقيدة الصهيونية أشبه بسرداب يحاول مغادرته، خائفًا من النظر في محتواه. المعضلة هنا، أن ذلك سيعني محو قصة "الانتصار"، فكي تتواصل أسطورة الانتصار الصهيونية يجب أن يظلّ الطرف المهزوم ماثلاً أمام احتفال النصر، وضيعًا مطأطئ الرأس في زاوية خانقة من التاريخ. لا يمكن للمنتصر إلغاء ضحيته، لأنه سيفقد القصة والمعنى.
لكن المهزوم المصرّ على الخروج من جرحه، رفع رأسه وهو ما هدّد بإفساد الاحتفال. فاحتار السادة: نحن بحاجة لك بصفة المهزوم، أمّا وقد انتفضتَ فلا بدّ من محو/إنكار القصة برمّتها.
هذا الإنكار المخطّط له، لم يُخرج أسير الأسطورة من ذلك السّرداب. بل بالعكس، لقد صار يتمترس فيه، مُرغمًا، اكثر كلما أصرّ المهزوم على مقاربة الجرح لإشفائه.
الشاب/ة الفلسطيني الذي يتجرّأ على مواجهة مرارة التشريد والاحتلال والعنصرية، يشتعل بإرادة التحرّر. بينما أسير الصهيونية يتقهقر للخلف حفاظًا على أسطورة تخرج منها بالذات جميع أشباح الخوف التي تؤرّقه. أوّلها ربما الخوف من المعرفة والاعتراف.
لقد قسّم التاريخ الصورة الى طرفين نقيضين: منتصر ومهزوم. لكن التاريخ نفسه، حين يقرّر المهزوم المساهمة في صنعه، يتزعزع. لا تاريخ نهائيّ. رغم عظمته فهو ابن الحركة. هذا المهزوم بحاجة الى ملـَـكة أشبه بالكيمياء: تحويل المرارة الى جرأة، والحنين القاتم الخامل الى حلم منير فاعل. يجب أن "يكون محكومًا بالأمل".
ففي واقع كواقعنا الراهن، بكل ما فيه من بطش، سيصبح التشاؤم سلاحًا قاتلا يدفع لليأس أو للبحث عن فردوس مفقود في الماضي، أو عن ملجأ في عوالم الوهم.
ربما أن التفاؤل الواعي يقوم على القناعة بأنّ الحياة محكومة بالتغيير، وصُنعه، وأن التغيير يتفاعل في ظروف غير جامدة. صحيح أنّه لا يمكن تغيير العالم كلّه مرّة واحدة وبحركة واحدة. مع ذلك يظلّ هناك ما يمكن (ويجب) القيام به. فالتفاؤل هو موقف سياسيّ، أيضًا.
تبدو الخاتمة هنا متفائلة. معقول؟ سيظل الأمر منوطًا بسؤال الأسئلة: حكمة الممارسة الفلسطينية وصمودها، واستقطاب شركاء لهذا الشعب الصامد، من داخل المجتمع الإسرائيلي، أيضًا، ومن العالم أجمع من أجل إنجاز مطالب واستحقاقات عادلة. المفارقة هي أن المهزوم يجد نفسه في حالة استثنائية: مساعدة قامعه على التخلّص من أسطورته حتى يصير فعل التحرّر ممكنًا لكليهما؛ هذا من مرارة اقتلاعه، وذاك من مرارة خطيئته.. في بلادنا، لا يمكن للتحرّر أن يكون جزئيًا.
