هل في الأحلام ما يفيد معرفة النفس؟ أو ما ينبئ بالمستقبل؟ (الجزء الأول)

single

تفسير الأحلام هو موضوع بحث علمي ومهني هام بالرغم من انتشار استعماله في عمليات بالشعوذة والتنجيم. إنه مجال يسهم إسهاما كبيرا في توسيع فهمنا لذواتنا وإدراك جوانب غير واعية في نفوسنا.

 

المفهوم العلمي للأحلام

تحصل الأحلام عدة مرات في فترات متباعدة أثناء النوم، تبتعد عن بعضها بنحو ساعة ونصف وتستمر كل مرة لبضع دقائق حتى ساعة تقريبا. أثناء فترة الحلم تتحرك العيون بشكل سريع تدل على أن النائم يحلم بصور ومشاهد وأحداث ذات مضمون خاص، وتكون عضلات الجسم في هذه الأثناء مرتخية للحَول دون قيام النائم بحركات ناجمة عن أحداث الحلم. بعكس الاعتقاد السائد، فإن المشي أو الكلام أثناء النوم هما ظاهرتان لا علاقة لهما بالأحلام وتحصلان عادة بين فترات الأحلام وليس لهما علاقة بمضامين الحلم أو بالوضع النفسي بل متعلقان بخلل ما في أداء الجهاز العصبي المركزي. كذلك نوبات الرعب Sleep terror التي توقظ النائم من نومه دون وقوع حلم مرعب، هي أيضا ظاهرة عصبية تحصل بين الأحلام وهي مختلفة عن الكابوس Nightmare الذي يوقظ النائم من داخل حلم مرعب.   
يبدو أن للأحلام وظيفة هامة في بقائنا وفي صحتنا النفسية والجسدية، حتى لو أننا لم نفهم تماما بعد ما هي هذه الوظيفة. هناك أبحاث جرت على البشر وعلى بعض الحيوانات، في مختبرات مختصة بالنوم، لفحص تأثير حرمان الشخص أو الحيوان من فترات الأحلام بواسطة إيقاظه كلما بدأ بتحريك عينيه أثناء نومه. ففي كل مرة يبدأ الشخص بتحريك عينيه يوقظونه وبعدها يعود للنوم إلى أن يعود لتحريك عيونه فيوقظونه مرة أخرى. بهذه الطريقة يتمكن الشخص من النوم المطلوب لكنه "يحرم" من الأحلام. نتائج هذه الأبحاث على الحيوانات دلت على أن مجرد حرمانهم من الحلم لبضعة أسابيع أدى إلى تدهور وضعهم الصحي إلى درجة الموت بالرغم من توفر كل شيء لبقائهم بما فيها النوم. أما نتائجها على الإنسان فدلت أنه بعد أسبوع أو أكثر من حرمان الشخص من الحلم حصل تردٍّ كبير في التركيز والذاكرة والتفكير وظهرت اضطرابات نفسية أخرى بالرغم من تلقيه ساعات النوم المطلوبة لكن دون أحلام. الأبحاث على البشر لم تستمر لأكثر من أسبوعين عادة تحاشيا للإضرار بصحته وتهديد حياته.   
الأحلام إذًا هي حالة جسدية ونفسية تحصل حتما عدة مرات في كل ليلة، أو أثناء النوم في النهار، حتى لو أن النائم لا يتذكر أحيانا بأنها حصلت. إنها تجربة نفسية وجسدية حقيقية بالضبط كما أن التفكير والشعور هما تجارب نفسية وجسدية حقيقية. إذًا فحياة الأحلام حياة زاخرة بالأحداث والتجارب والمشاعر وهي موازية لحياة اليقظة وتعتبر الوجه الآخر لها لدرجة أن أحد الفلاسفة تساءل: "لا أدري إذا كنت أحلم هذه الليلة أني فراشة أو أني أحلم الآن أني إنسان". 

 

المفهوم النفسي للأحلام:

أثناء الحلم يقوم الدماغ بمعالجة وهضم مضامين تتعلق بحياة الشخص الحالم مثل أحداث أو مشاعر أو رغبات، لكن هذه المعالجة تكون بشكل مجازي ورمزي وليس بشكل عيني مباشر. دماغ الإنسان مكون من عدة أقسام، لكل قسم اختصاصه وطريقته في معالجة المعطيات إلا أن جميع هذه الأقسام تعمل كنظام متكامل واحد. هناك دلائل كثيرة تشير إلى أن النصف الأيسر من الدماغ (لدى معظم الناس الذين تكون يدهم اليمنى هي اليد المسيطرة) يعالج المعطيات بشكل لغوي ومنطقي وتسلسلي، أما النصف الأيمن فيعالجها بشكل صوري ومجازي ومتعدد الأبعاد. طبعا معالجة كل منهما ليست منفصلة بل هي تكمل الأخرى. معالجة القضايا في الأحلام تشبه معالجة الفنانين والمبدعين للقضايا الحياتية. فكما يعالج المبدع بشكل مجازي أو رمزي قضايا الحب أو الغيرة أو القمع أو الاحتلال من خلال شعر أو رسم أو مسرحية أو نحت يجعل المتلقي يتفاعل معها وجدانيا بشكل يصل إلى أعماق اللاوعي، كذلك الحلم هو نوع من المعالجة الإبداعية الرمزية للقضايا الهامة في حياتنا الشخصية. إنها معالجة مختلفة تماما عن المعالجة المنطقية أو الحسابية لمسألة ما التي يقوم بها عادة ذوو الاختصاص العلمي الموضوعي. وحين كتب شعراء المقاومة أشعارهم فكانوا يعالجون النكبة بطريقة إبداعية تختلف تماما عن معالجة السياسيين لها وإن كانت تكملها.       
النتاج الإبداعي يشبه الحلم فكلاهما يعالجان قضايا حياتية بشكل رمزي ومجازي. لنأخذ مثلا احدى أشهر لوحات الرسام سلفادور دالي "إصرار الذاكرة" التي يعبر فيها عن نظرته النسبية والمتحركة للزمان والمكان فنراها تخترق حدود الواقع والمعقول وتشبه إلى حد كبير الصور التي نراها في أحلامنا. كذلك لوحة "جويرنيكا" التي عبر فيها بابلو بيكاسو عن تجربته الوجدانية تجاه مدينة جويرنيكا أثناء الحرب الأهلية الإسبانية، فنرى فيها رموزا كلها تتداخل معا لتعبر عن الرعب والمعاناة لهذه التجربة الواعية واللاواعية. ولنأخذ وصف امرئ القيس لحصانه "مكر مفر مقبل مدبر معا كجلمود صخر حطه السيل من علِ" نرى امرأ القيس يبدع في وصف حصانه في المعركة بواسطة رموز ليس لها قيمة بحد ذاتها، أما تحليلها وفهم معناها هو الذي يوصل القارئ إلى التجربة الوجدانية العميقة. كذلك حين قال نزار قباني "الموج الأزرق في عينيك، يناديني نحو الأعمق، وأنا ما عندي تجربة في الحب وما عندي زورق" استعمل رموزًا لتعبر عن الصراع بين الحب والخوف منه.  
إذًا فمعالجة القضايا الحياتية يمكن أن تكون بطريقتين: منطقية وموضوعية أو رمزية ومجازية وكلتاهما تكمل الأخرى. المعالجة المجازية لا تقتصر على المبدعين بل إن كل واحد منا يبدع في كل ليلة العديد من الصور الرمزية المجازية التي تأتي بشكل أحلام تعالج قضاياه وتعبر عن وجدانه وأعماق نفسه. وكما نستطيع تحليل مكنونات نفس الشاعر من خلال تحليل شعره، أو نفس الرسام من خلال رسمه، كذلك نستطيع تحليل نفسية الإنسان من خلال أحلامه. إذًا فمضامين الحلم الظاهرة كالشخصيات والأماكن والأحداث، والتي يمكن أن تؤخذ من مخزون الذاكرة البعيدة أو مخزون اليوم المنصرم، ليست هي الهامة بل المهم هو ما ترمز إليه من مضامين والتي هي المعلومات الهامة عن نفسية الشخص الحالم.

 

عمّ تكشف الأحلام:

نظريات التحليل النفسي تجمع على أهمية تحليل مضامين الحلم الظاهرة والمباشرة للوصول إلى المضامين الحقيقية المختبئة تحت هذه الرموز، إلا أن هذه النظريات تختلف في تحديد طبيعة هذه المضامين.
سيجموند فرويد في تحليله اهتم بكشف الرغبات الممنوعة والمكبوتة في اللاوعي وأهمها الرغبات الجنسية أو العدوانية. لقد روى لي أحد الأشخاص الذين يعانون اكتئابا بأنه حلم بشخص أبيه، وهو يسبح ويكاد يغرق في نهر وهو يطفو ويغطس، وكلما غطس تحت الماء تحول وجه أبيه إلى وجه ذئب شرس وحين يطفو يعود إلى وجهه البشري. لقد كان هذا الحلم مستهجنا لأن هذا الشخص يدرك في وعيه أن أباه إنسان مثالي وأن علاقته به هي علاقة حميمة تتميز بالحب والاحترام. تحليل هذا الحلم أيقظ لدى هذا الشخص ذكريات قمع وتنكيل كانت غائبة عن وعيه إلا أنها كانت حية في لاوعيه وتظهر بشكل رمزي في أحلامه. لم يكن سهلا على هذا الشخص تقبل هذه الجوانب السلبية في علاقته مع أبيه مما استوجب جلسات علاجية عديدة ليعيد بناء علاقتهما على أسس واقعية بعيدة عن المثالية والتأليه.
أما كل من ألفرد أدلر وكارل يونغ فقد أدركا أن في الأحلام أكثر من رغبات وغرائز ممنوعة بل فيها جوانب متعددة من النفس كالعواطف والمواقف والأخلاق، وهي معالجة إبداعية تحدث من أجل الوصول إلى هدف أو حل لصراع نفسي أو لمشكلة حياتية. لذلك نستيقظ في كثير من الأيام وفي بالنا موضوع يشغلنا، أو موقف جديد لحل مشكلة تؤرقنا، أو نشعر بشعور جديد لا ندرك مصدره. هذه الظواهر تدل على أننا قمنا أثناء الأحلام بمعالجة صراعات نفسية أو مشاكل حياتية بشكل رمزي ومجازي أوصلنا إلى موقف أو تفكير أو شعور جديد لم يكن ظاهرا قبل خلودنا للنوم. بعد سنوات على خضوع امرأة لممارسات حماتها السلطوية وبعد عدة جلسات علاجية تحدثت فيها عن معاناتها مع هذه الحماة استيقظت هذه المرأة يوما ويمتلكها إصرار على مواجهة حماتها والكف عن نهج الخضوع وهكذا انتقلت إلى مرحلة جديدة في حياتها. لم تتذكر هذه المرأة أحلامها بوضوح عندما استيقظت لكنها شعرت أنها كانت تقوم بمهمة شاقة أثناء نومها وأنها شعرت أن حملا ثقيلا نزل عنها في ذلك الصباح. طبعا لم يحدث هذا التغيير في حياتها بفعل أحلامها فحسب بل في الأساس بفعل معالجة هذه القضية في الجلسات العلاجية التي لم تأتِ بتغيير إلا بعد أن قامت بمعالجة الأمر أثناء أحلامها أيضا.

* في الجزء الثاني سأشرح كيفية الاستفادة من الأحلام لفهم النفس ومعالجتها وعن علاقة الأحلام بالمستقبل.

قد يهمّكم أيضا..
featured

‏البطالة.. ثائرة أيضا

featured

إيران ربحت في «مرونة المصارع»... ماذا عن الأســد ولبنان؟

featured

ستتعافى جماهيرنا العربية بالتوعية السياسية والاجتماعية

featured

الحقيقة عن نشأة وبرنامج ونشاط اللجنة الشعبية الفحماوية

featured

وتبقى الأرض لبّ الصراع!

featured

عن الحب والأنانية: حب الآخرين يبدأ بحب الذات (3)

featured

كلمات مُرسلة لسعيد نفاع