تقاطعات العطش..!

single


منذ أسابيع كثيرة، ونحن نلتقي هنا في غرفة واحدة، في مستشفى مختص بالعجزة، أمي وأمه تقضيان فيه أيام آخر العمر.
أنا أعمل موظفا كبيرا في أحد البنوك التجارية.. أما ايلي، فقد تبين لي، أنه يعمل في احدى شركات الهايتيك.
 في بداية تلاقينا، لم يكن بيننا أي اتصال، حتى ولو تحية صامتة، فليس بيننا معرفة سابقة، تمكننا من فعل ذلك.. ولكن بعد أسابيع قليلة من هذه اللقاءات، تولدت بيننا إشارة تحية، تتكون من ايماءة خفيفة بالرأس، تصاحبها ابتسامة، كانت في البداية خجلة، ولكنها تطورت مع الأيام.. فاتسعت وأصبحت عادة.
 وجه ايلي كان أبيض بياضًا ثلجيًا، كأن الشمس لم تصله أبدًا، جمدته المكاتب ومكيفاتها، فاكتسب بياضه، لونًا ناعمًا حياديًا لم " يخدش"، فصنع مع شعره، شديد الأصفرار، و"المشغول عليه" بعناية، نوعا من التلاؤم المتدرّج، الذي يعطي للناظر عليه، الأنطباع أن هذا الرجل منظم في حياته.
 تنظر الى عينيه شديدتي الزرقة، فتجد فيها انطفاء متجمدا، يصنع موجات حزن مقهور.
 كان يلبس دائما بذلات سوداء أو زرقاء فاخرة، وقمصانًا اما بيضاء أو رمادية أنيقة، وربطات عنق ألوانها هادئة ملائمة لبذلاته الرسمية.
في ذلك اليوم الذي استأذن فيه، أن ينتقل ليقرِّب الكرسي الذي يجلس عليه من مكان جلوسي، قريبًا من رأس أمي، لم يفاجئني، فقد سبقها الكثير من الأشارات التي تلقيتها من نظراته نحوي، التي زادت في المدة الأخيرة.
- هل تسمح..!؟ همس برجاء محبوس، قال وهو ينقل كرسيه الى جانبي دون ان ينتظر ردي.

- تفضل.. ! قلت.. وابتسامة عريضة، تعمدتُ رسمها على شفتي، تشجيعًا له، كي يرمي بنفسه في هذه المغامرة، التي قرر أن يخوضها، بعد تردد طويل، ومعاناة شديدة.
- نحن نلتقي هنا منذ زمن بعيد، ولا يكاد يعرف الواحد منا عن الآخر شيئًا.! بدأ حديثه هاربًا من المقدمات.
- آه..أه.. همهمت، بعد أن فاجأني بتخطيه كل العقبات التي تعترضه ليصل لهذا الموقف.
- أنا أعمل منذ عشرين سنة، في منصب كبير في شركة هايتيك..أنا أنتظر موت أمي، كي أرحل من هذه البلاد الملعونة.! سآخذ زوجتي وأولادي..وأبيع كل ما أملك هنا وأرحل..!
- الى أين..!؟ قلت والدهشة تستولي علي.
- الى ألمانيا..! سأعود الى المنابع التي أتت منها أمي..!
- الى ألمانيا.. !؟ قلت والدهشة تتعمق في داخلي.
"ليقولوا عني جبانًا..، هرب من مواجه الحياة في هذه البلاد..! ليقولوا ما يشاؤون.. لم يعد يهمني..!" تحول كلامه الى صراخ محموم.
قام من مكانه وأسرع، ورمى بنفسه خارج غرفة المستشفى.. وتركني أتخبط في ذهولي.

**
وفي اليوم التالي، وجدته جالسًا على كرسيه في نفس المكان الذي انتقل اليه أمس، بالقرب من سرير أمي، ينتظرني على أحر من الجمر، وقبل أن أجلس على الكرسي قال :

- أتدري ما القشة التي كسرت ظهر الجمل..!؟ سأل وأكمل دون أن ينتظر مني ردًا :
- " قبل يومين كانت عاملة في العقد الخامس من عمرها، تمسح الممر الطويل والواسع الموصل لقاعات وغرف عمل عاملي وموظفي الشركة..أراد أحد الموظفين، الذي جاء مبكرًا قبل موعد ابتداء العمل، أن يمر بالممر ليدخل غرفة عمله، فطلبت منه العاملة الأثيوبية، أن ينتظر قليلًا حتى تمسح الماء من المكان الذي سيخطو عليه..وهنا وقعت الواقعة..!"
 تحول صوته، الى سيل من الانفجارات الجارفة :

تخيل – يا سيدي- ثلاثون لسانًا مسعورة، بدأت تقذف حممها على رأس هذه المسكينة البائسة: (ارجعي من حيث أتيت.. الى أثيوبيا.. من تكوني حتى تمنعيه من المرور..!؟ نسيت من أنت ومن أين أتيت !؟ حكومة حقيرة التي أتت بكم الى هنا..!).
أمي بقيت حية.. لم تحرق في أفران الحرق، بفضل مسح البلاط، أبقاها الألمان حية، لأنهم لاحظوا أنها كانت بارعة في مسح أرضيات غرف مكاتبهم، وقاعات طعامهم وتسليتهم، ودور سكنهم، في معسكرات الحرق..!
أمي في التسعين من عمرها، عاشت هنا ما يقارب السبعين سنة دون أن تنطق بكلمة عبرية واحدة.. انها من "خريجي" معسكرات الحرق النازية.. أجبرتنا-أنا وأختي - على تعلم الألمانية، كي نتفاهم معها.. ماتت ولم تحدثني شيئا، عن معاناتها هناك.. سمعت نتفًا عن حياتها فيها، من صديقتها التي تعرفت عليها في المعتقل، وصمدت مثلها، خرجتا منه وهما على قيد الحياة، تجران أحمال الموت من هناك.
عاشت أمي هنا بجسمها فقط.. ولكن في مشاعرها وسلوكها ولغتها بقيت تعيش في المانيا.
لم تستطع أن تمحو من وجدانها، أنهم أحضروها من هناك لتعيش هنا مكان شعب آخر.. لقد كانت شاعرة قبل أن يستولي النازيون على الحكم.. اطلعت خلسة على بعض أشعارها.. كانت تعبر عن قدسية الأنسان بغض النظرعن انتمائه القومي والديني والعرقي.
التقت بأبي في السفينة، التي أقلتهم مع مئات المهاجرين، وقررا أن يعيشا معًا كزوجين، وعندما نزلا في ميناء حيفا، أخذوهما ووضعوهما في بيت قديم، عرفت بعد ذلك أنه كان للعرب، الذين طردوا منه الى لبنان..
"كان كل شيء في مكانه : البصل، العدس السكر، لجن العجين..!" كانت دائما تقول والحزن يقطع أنفاسها.
أنت تتساءل لماذا أحدثك أنت بالذات عن أمي..!.. أكمل دون أن ينتظر مني ردا أو تعليقا..

**
أستدعوني للاحتياط قبل شهر وأرسلوني لحراسة معتقل نفحة، الذي غالبية معتقليه أمنيون وهناك رأيتها..
رأيتها.. كانت تلبس ثوبًا مثل ثوب أمي، الثوب الذي كانت تلبسه في المعتقلات النازية.. اني رأيتها تلبسه في صورة نادرة التقطت لها سرا في المعتقل.
كانت مثل امي لا تتكلم العبرية.
 كانت تتشبث بسياج السجن الداخلي، تشده بيد، ومن اليد الأخرى، ترسل أصبعيها الأوسطين الى عينيها، وتصرخ بكل ما تبقى لها من صوت :
- أشوفه.. أشوفه..!!
تقدمت باتجاهها.. وعندما لاحظت أني أقترب منها، "جفلت" وابتعدت عن السياج، وعندما دنوت منها، سألتها مستعملا نتف الكلمات العربية التي تعلمتها في الجيش :
- شو بدك يا اختيارة..!؟
- دخلك.. بدي أشوف ابني..عشرين سنة صار لي ما شفته.! تسارعت للخروج من فمها كلمات مخنوقة.
- منين انتي يا ستي..!؟
- أنا من مخيم عسكر.. ولكن أصلي من حيفا.. في الثمانية والأربعين تركنا بيتنا ولجأنا الى لبنان، وبعدها تزوجت شابا من مخيم عسكر.
وعندما لاحظ القائد ان وقوفي معها قد طال، خاف ان تليِّن مشاعري وتستحضر أشفاقي ورحمتي، نادني بلهجة آمرة فيها ما يوقظني ويعيدني الى لياقتي الصارمة.!
أتدري – يا سليم – ماذا قالوا لنا في اليوم الأول لالتحاقنا بالفرقة، بعد انهائنا فترة الاعداد العسكرية.!؟:
"أقتلوا الشفقة والرحمة في قلوبكم، اثناء تنفيذكم للأوامر العسكرية.. أتركوا مشاعركم وعواطفكم في البيت.. وتعاملوا مع العرب، حسب ما يطلب منكم قادة الجيش..!".
أتدري – يا سليم – لماذا لا تأتي أختي الوحيدة لزيارة أمي، والعناية فيها هنا في المستشفى.. وهذا سبب شرخ عميق بيني وبينها، من المستحيل اصلاحه..!! أكمل رافي تدفق سيل حديثه.
لأنها تقيم مع أمك العربية في غرفة واحدة هنا في المستشفى.. !! قالها ونحيب تفجر من أعماقه، فحول الغرفة التي نجلس فيها، الى أشلاء ممزقة".
 فقام من مكانه.. ورمى بنفسه خارج الغرفة، واختفى..
 "كانت أمي راجعة من عين ماء القرية..بدأت برواية حادثة حدثت مع أمي.."
بعد أن انتظرته ساعتين ليكسر جو الصمت الكئيب، الذي كان يلف المكان.. لا تعكره سوى أنات المريضتين..ولكنه بقي متشرنقا بصمته الثقيل.
 "كانت تحمل جرة ماء على رأسها..كان الظلام ثقيلا فرض سكونًا رهيبًا على البلد، لا يقطعه سوى نباح الكلاب.. لقد قررت ان تخترق ستار منع التجول، الذي فرضه جنود الحكم العسكري، بعد أن قضت نهارها كله في "سرقة" حبات زيتون من كرمنا، الذي منعنا العسكر من دخوله، وخافت أن يهاجمنا العطش..!"
يبدو ان كلمة العسكري، انتزعته من أعماق بحر السرحان الذي يأسره.. فالتفت نحوي، اشارة منه، انه بدأ يستمع الى كلامي..
"قفي مكانك.. وارفعي يدك الى أعلى"..! اغتال سمع أمي صوت.. تلته موجات عاتية من الأضواء، حولت الليل الأسود الى شلال جارف من الأنوار الطاغية.
كسروا جرتها وأراقوا ماءها، وكالوا لها سيلًا من الشتائم والركلات والآهانات..
وبتنا أنا واخوتي السبعة عطاشا..ليس لأنه لم يكن عندنا ماء لنشربه..
لأننا لأول مرة، نسمع عويل أبي.. كان يبكي تحت اللحاف..
فشربنا دموعنا، ولكن – كما تعلم – لا تشفي من عطش.!"
"ما يعذبني يا سامي أنه ليس من المستحيل ان يكون البيت الذي نعيش فيه، هو بيت المرأة العجوز، التي التقيتها على سياج السجن..!".
" ربما.. وربما يكون لغيرها من المشردات..!
 وأخبرتني مرة، أن أمك كانت مجندة في حرس الحدود".
"تقصد أنه ربما تكون أحد أفراد فرقة الجنود، التي أهانت أمك، وجعلتكم تبيتون عطاشا..!"
"ربما تكون هي.. وقد تكون واحدة غيرها من المجندات..!"
غبت يومين، وعندما رجعت.. كان سرير أم آفي فارغًا.. سألت أحدى الممرضات، فأخبرتني أنها ماتت، ولم أسمع عنه بعد ذلك.
 
 

قد يهمّكم أيضا..
featured

عالم استعماري مخادع ، وإرادة مفقودة ...!!!

featured

ترامب يزعق بوعد بلفور الثاني

featured

صادق جلال العظم رائد الفكر النقدي

featured

رفض الاستيطان، حق وواجب!

featured

العولمة آخر مراحل الامبريالية؟؟؟

featured

القرصنة تفقد طرافتها

featured

يوم الأرض الخالد.. من أعماق الذاكرة