جلسوا على المقاعد في الصالة، التي تمر بها الطريق المؤدي الى غرفة الانعاش،عيونهم جميعها كانت منصبة على الباب،الذي يفصل بينهم وبين ابيهم،الذي كان مضطجعا على سريره الطبي،موصلا بالعديد من الأجهزة والأنابيب،.. وهم يعرفون أنه يصارع الموت.إنهم بانتظار محموم،حتى يفتح هذا الباب،ويخرج منه الطبيب ويعلن النتيجة..
إن النتيجة أصبحت لا تهمهم،فقد قضوا أشهرا على هذه الحالة.. الحالة التي بين الموت والحياة..يريدون نتيجة قاطعة: إما حياة تسرهم، او مماتا يريحهم، ويعيدهم الى حياتهم اليومية الطبيعية...
بعد ساعات فتح الطبيب الباب،فهمّوا باتجاهه،متلهفين لسماع اي كلمة، ينطق بها ولرصد كل حركه يقوم بها،او تعابير وموجات ترتسم على وجهه..
إن الحالة كما هي.. إنها مستقرة.! قال الطبيب، كأنه يقول أمرا روتينيا.
- هل من الممكن الدخول ورؤيته يا دكتور.!؟ سألته ابنة له في مقتبل العمر.
- نعم لكن فردا فردا.. قال الطبيب شيئا من المعتاد على قوله..
وخرج الطبيب وتركهم..
تنفسوا الصعداء، وشعروا بالارتياح، عندما تأكدوا ان مدير القسم شلومو،غير متواجد في هذا اليوم، متخلصين من نظراته العدوانية، التي كان يرميهم بها.!
**
"خدمتي في الجيش،كانت في قسم المستعربين، إني أتقن اللغة العربية بحذافيرها، وخصوصا اللهجة العامية!".
قال شلومو رئيس القسم في المرة الأولى، التي قابلوه فيها، عندما دخل أبوهم الى المستشفى...
كانت معاملته في البداية، ودية عادية.. رغم أنهم لاحظوا ان المريض اليهودي، الذي كان ينام على السرير، الموجود في نفس الغرفة، يحظى بمعاملة "تختلف" عن المعاملة التي يتلقاها أبوهم.. ولكن هذا الأمر كان عاديا..
ولكن سرعان ما انقلبت معاملته رأسا على عقب.. وبدأ وجهه يتقطب عندما يلتقون به، داخلا او خارجا من غرفة الإسعاف المكثف.. وبدأ الجفاف يدخل في لهجته.. وصار يعد الكلمات التي يسعفهم فيها، حول وضع والدهم الصحي.. حاولوا البحث عن أسباب تغيره، في معاملتهم، فلم يهتدوا الى أجوبة مقنعة.!
دخل شريف أكبرهم الى غرفة أبيهم، فوجد ممرضا عربيا بجانبه.
وبعد ان تعارفوا، قال الممرض:
إنه من مدينة أم الفحم، نقل حديثا الى غرفة الإنعاش، وأنه على استعداد ان يساعدهم،في كل ما يحتاجونه، وعندما سأل عن وضعه، قال:
"إن وضعه مستقر،وما من خطر على حياته..".
وهنا سأله الممرض: " ألم تستفسروا عن وضعه من رئيس القسم، الذي خرج من هنا قبل قليل.! "
فأجاب شريف: " انه في حاله جفاء من ناحيتنا.! "
"لماذا!؟ " سأل الممرض..
"علمي علمك، إننا في حيرة من أمرنا.!
قال سعيد، وعلامات الغضب والخيبه، ترتسم على وجهه.
**
"طخ..! طخ..! قرِّبوا.. قرِّوا..!! طوقوهم من هناك.. من وراء التلة..يا رجال.. يا شباب.. الثبات..! الثبات..! داروا من شمال.. لاقوهم.. البلد في خطر..!".
كلمات الهذيان،التي خرجت من فم أبيهم الشيخ،أصابتهم بالذهول التام..
كانت كأنها صدمة كهربائية، جمدت المكان..
إنه من المؤكد أنها ليست المرة الأولى، التي يهذي أبوه بهذا الكلام..! وان الطبيب كان قد سمعه.!وهذا يفسِّر جفاءه لهم.!
توجهت عيونهم نحو هذا الشيخ،الذي تمسك به غابة من الخيوط والأجهزة،
وانتظروا طويلا بعد سكوته،حتى استطاع الممرض، ان يكسر الصمت،الذي قبض على خناق المكان:
" انه هذيان عادي.. يقوم به الإنسان في مرضه.!"..
"انه يتكلم عن الماضي.. قتاله مع الثوار في أيام النكبة.! " قال سعيد محاولا تفسير الأمر..
**
- الحرب كانت ضد اليهود، الذين اقتحموا القرى والمدن الفلسطينية.. قال الممرض معطيا مزيدا من التفسير للموقف.
- لقد كان قبل مرضه، لا يتوقف عن رواية وقائع الأحداث، التي أدت الى النكبة.. أكمل شريف ما بدأه،في اعطاء تفسير،حول سرِّ هذيان أبيه.
وخرج من الغرفه، مبقيا الممرض وحده فيها مع أبيه، كي يفسح المجال لباقي إخوته،من الدخول اليها، ورؤية أبيهم..واتخذ له مجلسا في قاعة الإنتظار.
- منين إنتوا.!؟ سألته امرأة، كانت تجلس في الجهة المقابلة له.
- إحنا من صبارين.. ولكن حاليا نسكن في عرعرة..
أجاب إجابه كان معتادا عليها.
- أي هي بعد بلد اسمها صبارين!؟ راحت وراح أهلها.! تشتتوا! قالت وهي تغالب ألما مخزونا في داخلها.. جاء من "نبشه".
- ستعود يا خالتي! ستعود!!..
- أنا من الفرديس.. من سكان عين غزال سابقا.. قالت والدموع تملأ عيناها..
**
- منين إنتوا..؟ وين ساكنين.؟ سأل الطبيب سعيد، عندما رجع الى غرفة أبيه،متوخيا ان يكون السؤال عفويا..
- من صبارين، ونسكن الآن في عرعرة.. أجاب الإجابة المعتادة.
- وأنا من صبارين.. ولدت فيها..! قال الطبيب..كأنه يرمي حجرا في بئر ساكنة..
- أنت من المؤكد أنك من عمقام..!! قال كأنه اكتشف اكتشافا جديدا.
- نعم أنا من هناك..!
**
" طخوهم..! قاتلوهم..! قاتلوهم..! إقتلوهم.. بلدكم بخطر..! صبارين بلدكم.. صبارين وطنكم..!".
كانت الكلمات المستغيثه،تنطلق من الأب المريض.. تحول وجهه الى قطعة من اللهيب الأحمر.. واشتعلت عيناه بنار حمراء تقدح شرارا، تكاد تفجر ما حولها.
غرست نيران هذا المشهد سهامها بالرجلين.. الطبيب وسعيد، فتجمدا في مكانيهما. شعر كأنهما أصبحا جزءا،من مشهد لم يستعدوا له، ولا يمكنهما التنبؤ بختامه، او النتائج التي ستترتب عليه.
نظر الى أبيه فوجده يغور في صمت عميق.!
شعر وكأن أباه، دفع صخرة من أعلى انحدار جبل، وجعلها تتدحرج بسرعة كبيره،وأغمض عينيه،كي لا يرى ما يمكن ان تسببه،هذه الصخرة، من أضرار ودمار.!
أما الطبيب فقد وقف على رجليه، بعد ان نشلهما من الضياع، وفرَّ هاربا.. راميا نفسه، خارج دائرة تاثير أحداث المشهد..
أما سعيد،فقد بقي جالسا مكانه، ولاقى المشاق، حتى استطاع ان يسترق النظر ثانية، الى وجه ابيه، فوجده ساكنا في مكانه، مغمض العينين، لا يسمع منه إلا الأنفاس المتلاحقه، التى تعلن، أنه ما زال على قيد الحياه.!
**
وهرب من الموقف مستعيدا صور أحداث رواية أبيه، التي تحكي قصة اليهودي،الذي سكن القرية سنينا طوالا، منتحلا شخصية العربي، ولم تظهر حقيقته إلا بعد النكبة، وسقوط صبارين في يد اليهود.!
"لفى على دار المختار.. (بدأ شريط القصة يمر أمام ناظريه) كنت يومها في عز أول شبابي،.. عرَّف نفسه أنه عراقي، هاجر من مدينة البصرة، طلبا للرزق، فصار الزمان ينقله من هنا الى هناك، حتى وصل الى بلدنا.
وقال عن نفسه،انه يتقن جميع المهن، إسكافي،حلاق،مصلح بريموسات، مجبر، طبيب أسنان عند الحاجة.. وقهوجي في الليل، كان يفتح مضافته الضيقة في الليل، فيجتمع فيها رجال البلد.
فقال المختار: "إنها بركة من الله، والله البلد بحاجة الى مثل هذا الشخص.! "
فعاش في بلدنا عشر سنين، حتى أصبح جزءا حيويا منها، وكان يُنادى باسم موسى العراقي، أحبة الناس، واستراحوا الى صحبته، وأصبح مستودع أسرارهم، ساعده في ذلك،عدم انتمائه لأي عائلة، او حارة في البلد..
كان يشاركنا أفراحنا وأحزاننا، ويضع يده في كل مسألة تحدث في القرية، محاولا دائما ان يظهر بمظهر المحسن المحايد، الذي يتمنى الخير للجميع.!
ولكن كانت له اهتمامات خاصة، مستغربه في كثير من الاحيان،.. كان كثير الأسئلة والاستفسارات.! يهتم بالأراضي وكيفيه، توزيعها بين الملاك..!
وبعد ذلك كشف عن مهنته الجديده،حيث بدأ بتصليح قطع السلاح!،وأُعجب الجميع بخبرته فيها، أصبح المستشار الأول، لكل حاملي السلاح، حتى انه أصبح يعرف مكان ونوع كل قطعة سلاح في البلد.!
ولكنه كان يختفي أحيانا، كان يغيب عن البلد أياما معدودات كل عدة اشهر،دون ان يعلم أحد أسباب ومكان غيابه.. وكان يقول دائما، عندما يعود، انه سافر لزيارة بعض أقاربه في أربيل.!".
مرت هذه الرواية في مخيلته، كأنها شريط مسجل.. كان والده لا يملُّ من حكايتها لهم منذ الصغر..أعادها مئات المرات، حتى طبعها في ذاكرتهم.
لقد عاش من أجلها.. من أجل ان يرويها لكل الأجبال..
كان يروي ماذا حدث في النكبه، وكيف سقطت صبارين، وأخواتها من البلدات العربيه، في يد اليهود، وتحول سكانها الى متشردين في الشتات..
كانت تمر الصور في ذاكرته، وهو يراقب وجهه الأسمر الشاحب، الذي يئن تحت وطأة المرض.. ويتشبث بالحياه، بواسطة هذه الانابيب والأجهزة التي يرتبط بها.. ويعلن بواسطة انفاسه المتلاحقة، أنه ما زال يريد الحياة..
**
- انظر..!انظر ابو العبد!.. الى ذلك اليهودي الذي يتقدم المجموعة.! صاح أبوه، عندما رأى رجلا يتقدم في مقدمة مجموعة من اليهود،متجها الى البلد،متخذين من الصخور مخبأ لهم.
- إني لا أستطيع ان أراه..! انهم يحتمون خلف الصخور.! قال أبو العبد.. وهو يحاول تصويب أنظاره نحوهم..
- إنه موسى العراقي..! إنه هو..! اني استطيع تمييزه من بين الف رجل،وعن بعد ميل..! قال الجد بلهفة الواثق والمتأكد مما يقوله..
- إنك تهذي يا أبو محمد..! موسى العراقي..رحل من بلادنا من زمان..!
- "لوين رحل دخلك!؟" قال الجد، وفي صوته شيئ من السخريه.
- على بلاده على العراق.! قال أبو العبد بلغة المتأكد مما يقول.
- موسى العراقي يهودي.!، أجا على بلادنا.. وسرقنا وراح.!! صرت شايفة عدة مرات يتجول في المنطقة..!!
- لا تحاول يا أبو محمد.. لن أقتنع بأقوالك مهما حاولت..وصلت بعيد..بعيد!! وصلت معك تقول: "انه يهودي.!"، موسى العراقي يهودي.!!؟
- سيأتي اليوم الذي تتأكدون من اقوالي.! قال معبرا عن يأسه في محاولة إقناعهم بما يقول..
**
"أول شهيد كان جدك يا ولدي.. أحضره الثوار من الجبل..عندما وصلوا الى مشارف البلد.. خرج أهل البلد جميعا.. الرجال والنساء والأطفال.. احتاروا كيف سيتعاملون مع الشهيد!.. أيبكونه!؟.. أيغنون له ؟!. أيغسلونه غسيل الميت..!؟ أم يدفنون كما هو!؟
ابتسامته المعهودة.. جبينه العريض.. عيناه الواسعتان، التي كنت أسبح فيهما.. كان كأنه يريد ان يترجل ويواصل المسيرة.. اقتربت منه جدتك.. لم تكن تبكي.. نادته: "إنزل! يا أبو علي" عن أكتاف رفاقك، واركب فرسك الأصيله، وعد الى ساحة المعركة ، لا وقت للراحة!
أبكت ْالناس.. ولم تبكِ.!
كان يقول لها دائما: "أنتِ أقوى مني بالكلام.. يا بنت الشيخ!" لقد تعلمت الكلام من أبيك، شيخ جامع عين الغزال.!
لما انتهوا من دفنه في مقبرة القرية، رجعوا مارين باب دارها.. سألتهم: "وين بارودة أبو علي.!؟"
تناول أحدهم بارودة، كانت معلقة على كتفه، وناولها إياها.. فأخذتها من يده، ودخلت عليّ منبطحا على فرشتي، ويصدر عني بكاء مرا..
فصاحت بي: "قم وارفع رأسك، وامسح دموعك، وتوقف عن البكاء.!" ولما وقفت، علقت البارودة على كتفي قائلة : "خذ هذا البارود وسد مكان أبيك!"
إلتحق بالثوار حالا الليلة..!!.
وعندما رجعتُ في آخر الليل،مررت بغرفتهما، سمعت بكاءها، الذي كان يقطِّع كل تراكمات السكوت، الذي كان يلف المكان.
وفي اليوم التالي،دخل سعيد الى غرفة أبيه، فوجد الطبيب شلومو هناك، يُعاين المرضى..
- أتدري ان أبي قُتل على يد الثوار، في معركة صبارين..! ؟ قال الطبيب وهو يتعمد التشاغل بفحص ابيه.
- في بلدنا.!؟ قال الابن، بعد ان أفاق من هول الصدمة.
- نعم.. والذين قتلوه.. هم أهل بلدكم.!!
- أهل بلدنا.!؟
- نعم أهل بلدكم..التي "كانت" بلدكم..!! وهو مدفون في عمقام..! قال مشددا على كلمة كانت.
**
"سأطلق عليه النار..!! سأطخه..! ألم أقل لكم أنه موسى العراقي.!؟ ألم أقل لكم أنه يهودي جاسوس..!؟ سأصوِّب عليه واقتله..! سأقتله حينما يرفع رأسه، من فوق الصخرة..!".
عاد لأبي الهذيان مرة أخرى..
إنه لا يهذي، إلا حين يكون الطبيب الى جانبه.. إنه لأمر في غاية الحرج.!!
- أتدري من هو موسى العراقي.!؟ قال الطبيب،بلهجة من يفشي سرا خطيرا.
- لا.!! لا..!! قال سعيد، وقد اختلطت في قلبه أحاسيس الحرج، وحب الاستطلاع..
- إنه أبي..! ان اسمه الحقيقي يتسحاق كرمي.!!
- أتدري من الذي قتله.!؟
- لا.. ! ردَّ سعيد.. وقد شعر، وكأنه أُدخل في غياهب الظلام.
- الذي قتله هو أبوك الذي يرقد تحت رحمتي الآن.! لقد! أطلقَ عليه النار وأرداه قتيلا.!!
(عرعرة)
