من تشييع جثمان الشهيد محمد ابو هشهش في مخيم الفوار جنوب الخليل
(ترجمة: أمين خير الدين)
أطلق الجندي أربع رصاصات على محمد عماشي، خبّاز شاب من مخيّم الفوّار، يقف على سطح بيته، يتفرج على مئات الجنود الذين يقتحمون المكان. لم يحمل سلاحا، ولم يشكِّل خطرا على أحد. يعتقدون في المُخيّم أن الاقتحام كان بقصد التدريب.
وهذا ما يظهره شريط الفيديو الذي أعدته وكالة الأنباء "معا": وقف الجنود على سطح منزل الجيران، جندي واحد على السطح الأسفل، واثنان في الشرفة فوق السطح الأوّل، واثنان يسترقّان النظر من شباك البيت. بعض البنات والأولاد الصغار ينظرون إليهم من سطح بيت الجيران. هدوء تام. فجأة يرفع جنديّان يديهما يشيران لشيء، أحدهما يرفع سلاحه ويطلِق النار، وقع محمد عماشي جريحا على سطح بيته، بدأ بالزحف. لينزل عن السطح انتظارا لوصول الطاقم الطبّي الذي أنزله بواسطة سلّم وأخرجه من هناك. لم يحمل شيئا بيديه باستثناء محموله، لم يكن معه شيء يهدد الجنود على السطح المُقابل، على بُعْد 80 مترا منه. صوّب الجندي سلاحه باتجاهه وأطلق الرصاصات الواحدة بعد الأخرى، جميعها اخترقت جسمه. كفّ يده تغطّت بالدم، وظهر وهو يتلوّى من الألم.
مرت ساعات وعماشي في صالون بيته، مستلقٍ على سرير موجَّه، أخذه من منظمة صدقات فلسطينية، كمنظمة "يد سارة" الإسرائيليّة. شاب أنيق، مبتسم، هادئ، بيت عائلته مُنَعّم نسبيا للمخيّم الفقير الذي يسكنونه، مخيّم الفوّار، المُخيم الواقع في أقصى جنوب الضفة الغربية، ويشبه مُخيّمات اللاجئين في غزّة التي لا تبْعد كثيرا من هناك.
بتاريخ 16 آب اقتحمت المخيّم، في منتصف الليل، قوّة كبيرة من مئات الجنود من جيش الاحتلال. وخلال أقلّ من يوم جرحوا عشرات السكان، وقتلوا شخصا، كانت غنيمتهم مُسدَّسين قديمين، وقد كتبت عميرة هس واصفة العمليّة التي لا تُصَدَّق، بالتفصيل ("حصار، وقتيل، وعشرات الجرحى، من أجل مُسدّسين"، "هآرتس" 8/19).
صرّح الناطق بلسان جيش الاحتلال هذا الأسبوع أن الهدف من هذه العمليّة "إفشال، وضرب بُنْيَة الإرهاب في أرجاء المُخيّم"، وقد تضمّنت العمليّة " تفتيشا واسعا للاستيلاء على وسائل القتال واعتقال خمسة مطلوبين"، وأضاف أيضا " وقد أُطْلِقت النار خلال العملية على قوّة جيش الاحتلال. وجرى إخلال عنيف للنظام، شمل إلقاء حجارة، وكُتَل إسْمنتيّة، وعشرات المُتَفجِّرات، وزجاجات حارقة وقد ردّت القوّة على ذلك بوسائل تفريق المظاهرات وإطلاق النار". وأن الشريط مُعَدٌّ بشكل مُغْرِض ولا يعكس الواقع العنيف الذي جرى في مُخَيّم اللاجئين" بينما يعْتقد سكان المُخيّم أن الاقتحام كان بغرض التمرين وتدريب جنود جيش الاحتلال.
* على السطوح
وصلنا المخيّم عشيّة عيد الأضحى، كان الجزّار في الملحمة المحليّة يقطع عجلا، ومن حوله يقف أصحاب اليد الطائلة، ينتظرون شرائح اللحم التي لا تزال تنزف. نادرا ما يقتحم جيش الاحتلال. هذا المخيّم المُزْدَحِم - آلاف سكانه يعيشون على كيلومتر مربع واحد - ومنذ هذا الاقتحام لم يعُدْ الجنود للمخيّم.
عماشي 22 سنة، ابن خباز المُخيّم، إبراهيم عماشي، مخبزهم العائلي أوّل مخبز في مُخيّم الفوّار، تأسس منذ تأسس المخيم أوائل خمسينات القرن الماضي، في السنوات الأخيرة يخبزون الكعك، ومُعجّنات خبز خاص لمأكولات تقليدية، عماشي تعلّم التصميم الداخلي، لكنه التزم بمساعدة أبيه، وبدأ يعمل خبّازا.
يعمل يوميا بورديّتين، في الصباح وبعد الظهر، سبعة أيّام في الأسبوع، لم يُعْتَقل أو يُتَّهَم أبدا. في الطابق فوق الصالون، حيث يستلقي الآن، يجري العمل الآن على استكمال بناء شقّة له ليقيم بها عائلة بعد أن يتزوّج، هو الابن البكر بين ستّة أبناء للعائلة.
كفّ يده مُضَمَّدة، رجلاه مليئتان بالجروح والنُدُب نتيجة إطلاق النار عليه ونتيجة العمليّات الجراحيّة، يلازم الفراش، ويقاسي آلاما شديدة، وليس مؤكّدا إن كان سيمشي على قدميه ثانية، أو أن تعود يده للعمل، يدوس الآن برجل واحدة، ويتّكئ على عكّازين.
يوم اقتحم جيش الاحتلال المخيّم، أيقظه إخوته الصغار الساعة السادسة والنصف صباحا، اقتحم الجنود المخيّم الساعة الثالثة والنصف ليلا، في هذه الساعة غمروا الأزقّة، وسيطروا على جزء من بيوت المخيّم. في البداية اعتقد سكان المخيم أن القوّة جاءت لتهدم بيت محمد الشوبكي الذي جرح جنديّا من جيش الاحتلال. فقُتِل بعد ذلك. لكن سرعان ما اتضح للسكان أن للجنود أهدافا أخرى.
صعد سكان المخيّم على السطوح لرؤية ما يجري، وهكذا فعل عماشي، ثمّة سطحان لبيته: الأول مع درابزين، يجلسون عليه في ليالي الصيف، وفوقه سطح بلا درابزين، عليه حمّام شمسي، وصحن لالتقاط ما يبثّه القمر الاصطناعي، صعد عماشي إلى السطح العلوي ليرى أكثر، مع أنه أكثر خطرا لأنه بلا درابزين، وليس عليه ملاذ، تمركز على سطح البيت المجاور، طاقما وكالة "معا" وقنال تلفزيون "فلسطين اليوم"، فضّلوا سطح الجيران لأنه محمي أكثر.
كانت مواجهات في الشارع الرئيسي للمخيم، إلقاء حجارة، بينما ساد هدوء في أعلى الرابية، حيث البيوت. سيطر الجنود على بيوت سكنيّة كثيرة، وبناء على تحقيق "بتسيلم" الذي أجراه المُحقق موسى أبو هشهش، سيطر الجنود على أكثر من 30 بيتا، وفتشوا حوالي 200 بيت، وفتحوا ثقوبا في حيطان البيوت للقناصين.
* يزحف لينجو بحياته
كانت الساعة حوالي التاسعة صباحا. تحدّث عماشي من على سطحه، مع الصحفيين على السطح المجاور، فجأة سمع أحد الجنود من موقعه على شرفة بيت في المنحدر – أشجار نبات الصبار تفصل بين البيتين – خاطبه باللغة العربيّة: "أين تريد أن تتلقّى هذه؟" خاف عماشي وقد فهم المعنى المقصود: في أيّ جزء من جسمك تريد أن تتلقّى الرصاصات.
يقول إنه لم يسبق هذا التهديد أيّ شيء. كان الشارع هادئا، وعماشي لم يفعل ما يُفَسّرعلى أنه تهديد للجنود الذين يبعدون عنه حوالي 80 مترا هوائيا. أبو عماشي. إبراهيم مقتنع أن الجنود أطلقوا النار على ابنه ليستعرضوا عضلاتهم أمام طواقم التصوير الموجودين على السطح المجاور.إسماعيل نجار. صديق عماشي استطاع أن يسأله من السطح المجاور: ماذا قال لك الجندي؟ عماشي لم يستطع الإجابة لأنه شاهد بلحظة عين الجندي يصوّب نحوه سلاحه ويبدأ بإطلاق النار، ثلاث رصاصات متوالية، الواحدة بعد الأخرى، أصابوا رجله وخاصرته، الرصاصة الأولى أصابته برجله اليسرى بالقرب من ركبته، والرصاصة الثانية أصابته بين خاصرته وفخذه الأيسر والثالثة أصابته برجله اليُمنى. رفع عماشي يده ليقول للجندي وهو يرجوه "كفى، كفى" فأطلق الجندي رصاصة أخرى، ربّما تؤدّي مشهدا للرُعْب. فأصابه بكفِّ يده. هذه رصاصات روجر* لم تقتله.
لم يجد عماشي ملاذا يحتمي به. كان من المحتمل أن يقع عن السطح. في الشريط الذي أعدّتْه "معا" يبدو كمَنْ يحاول النجاة بنفسه. ثمّة سُلّم حديدي مُتَداعٍ، خفْتُ من الصعود عليه هذا الأسبوع، إنّه الوسيلة الوحيدة للصعود أو النزول عن السطح. أنْزله المُضَمِّدون بطريقة ما، ثمّ حملوه ومشوا به في الزقاق الضيّق والصاعد مسافة 150 مترا، حتّى وصلوا سيّارة الإسعاف التي نقلته بطريق ملتوية لتتجاوز الجنود، إلى المستشفى الأهلي في الخليل. كان وعيه غير مستقر، اتّضح في المستشفى أن ثمّة إصابة في الأوعية الدمويّة، ولكي يمنعوا بتر رجله نقلوه إلى مستشفى عالية في الخليل، وبما أنه لم يتواجد هناك طبيب متخصص في الأوعية الدموية، اضطروا لنقله إلى المستشفى الحكومي في رام الله حيث أُجْريت له عمليّة جراحيّة.
رقد عماشي في المستشفى في رام الله عشرة أيّام. لا زالت إحدى الرصاصات مغروزة بجسده، والأطباء غير متأكِّدين من أنهم يستطيعون إخراجها. لذلك سيضطرون لنقله إلى الأردن، يحتفظ بمرطبان بلاستكي بجانبه، فيه شظيتان أُخْرِجتا من جسمه، يتناول الآن خمسة أنواع من مُسَكِّنات الألم حتى يتغلَّب على معاناته.
تركناه في سريره، وصعدنا إلى السطح، ثمّة قضبان حديديّة متشابكة، حيث سقط، بعد أن أطلق الجندي النار عليه بساعة – قَتَل الجنود محمد أبو هشهش، شاب عمره 19 سنة، قتلوه عند عتبة بيته، أطلقوا النار عليه من ثقب فتحوه في حائط أحد البيوت، لا يزال هذا الثقب موجودا، وبجانبه يلوح إعلان عليه صورة الشاب، كنُصب تذكاريّ، ثمّة شكّ في ضرورة قتله، كالشّكِّ في إطلاق النار على الخبّاز الشاب.
(هآرتس 2016/9/16 )
* للتوضيح -- بندقية روجر تُطْلِق رصاص التوتو وهو سريع الانشطار اي انه "يتفتت ويتوزع" بالجسم ويصيب عدة أماكن فيه مما يجعلها "قاتلة" وهو مُحرّم دوليّا – المترجم
