// يبدو أن التلميذ في إسرائيل بات يتطاول على أستاذه! فالمستوطنون المستعمرون تحولوا إلى عصابات لها سلطة مستقلة عن سلطة دولة اسرائيل ولها وسائل تطبيق لسلطتها مستقلة عن الجيش والشرطة الاسرائيليين
تحتل "مسألة" الاستعمار/ "الاستيطان" الآن الأجندة المحلية والإقليمية بعد مقارفات متصاعدة كان آخرها عملية حرق هؤلاء المستعمرين للمسجد الخامس في فلسطين، في فلسطين 1948 هذه المرة. كما تحتل "المسألة" ذاتها الأجندة الدولية المتعلقة بمجمل عملية التسوية في الشرق الاوسط. فالفلسطينيون، رغم تقديمهم طلب العضوية الكاملة للأمم المتحدة، ما زالوا يربطون استئناف المفاوضات مع إسرائيل بوقف كامل لأنشطتها "الاستيطانية" في الضفة الغربية، في حين تتحجج إسرائيل بأن هذه "المسألة" مرتبطة بالمرحلة الأخيرة من المفاوضات، وأن أنشطتها الاستعمارية محصورة في توسيع "المستوطنات" لأغراض التوسع الطبيعي، كما في منطقة القدس. ومؤخرا، أعلن رئيس الوزراء الاسرائيلي (بنيامين نتنياهو) وببجاحة انه لا ينوي اعلان "تجميد جديد للاستيطان في الضفة والقدس الشرقية لاقناع الفلسطينيين بتحريك المفاوضات"!!
آخر المخططات التوسعية "الاستيطانية" تجلى بمصادقة ما يسمى "اللجنة اللوائية لتخطيط والبناء الإسرائيلية" على طرح مخطط لبناء (1100) بؤرة "استيطانية" في مستعمرة "جيلو" بالقدس الشرقية. ومن المؤكد أن إسرائيل ماضية في محاولات عزل القدس عن محيطها الجغرافي في الضفة عبر البناء "الاستيطاني" والجدار الفاصل. لكن الملاحظ هو أن "دولة المستوطنين" (التي باتت قريبة من التحول، الفعلي ولو غير الرسمي، إلى دولة قبل الدولة الفلسطينية) في طريقها لتجاوز عباءة "الدولة الإسرائيلية". فمع "مجابهة" المستعمرين لـ (نتنياهو) وحكومته، وتكوينهم ميليشيات وخلايا مسلحة تهاجم أراضي الفلسطينيين وتقطع أشجارهم وتحرقها، قاموا بإعادة المنشآت التي تفككها شرطة الاحتلال في "المستوطنات العشوائية"، واستحدثوا بؤرا "استيطانية" سواء برضى سلطات الاحتلال أو رغما عنها. ولقد اعترف جهاز الأمن العام الاسرائيلي "الشاباك" بعجزه وبتغاضيه عن قتل "المستوطنين" العشرات من الفلسطينيين وتدمير ممتلكاتهم في الضفة، مطالبا بتدخل المستوى السياسي الإسرائيلي لكبح جماحهم بعد أن تمادوا واصبحوا يدعون الى قتل الفلسطينيين جهارا. بل إن "الشاباك" دعا وزارة التربية والتعليم إلى الوقف الفوري للمخصصات المالية التي تقدمها الوزارة للمدرسة الدينية (عود يوسف حاي) التي يقوم حاخامون كبار فيها بالتحريض على قتل العرب والاعتداء عليهم. وحسب صحيفة (هآرتس) فان هذه المدرسة الدينية، الموجودة في مستعمرة (يستهار) المقامة على الأراضي الفلسطينية في نابلس، تضم عددا من المدارس العليا والمتوسطة التي تعلم العنصرية والتحريض ضد كل ما هو غير يهودي.
يبدو أن التلميذ في إسرائيل بات يتطاول على أستاذه! فالمستوطنون المستعمرون تحولوا إلى عصابات لها سلطة مستقلة عن سلطة دولة اسرائيل ولها وسائل تطبيق لسلطتها مستقلة عن الجيش والشرطة الاسرائيليين. فهذا (هيلل فايس)، وهو استاذ في جامعة بار ايلان يدعو لإنشاء "السلطة اليهودية" (الموازية للسلطة الفلسطينية)، وهدفها أن تحل محل سيادة دولة اسرائيل "التي تتنكر لمصدر سلطتها باعتبارها دولة يهودية من اجل اليهود وتختار ان تعبد أعداء الشعب اليهودي"!! وبحسب نشرات "مقر العمل لانقاذ الشعب والبلاد"، شارك مئات من ممثلي "المستوطنات" في "المؤتمر التأسيسي للسلطة اليهودية" الذي عُقد في مستوطنة نوفيم. بل جاءت لهؤلاء رسائل تأييد كرسالة (فيليب دي فنتر) زعيم اليمين المتطرف الفنلندي، و(باتريك برنكمان) صاحب الملايين السويدي. وفي المؤتمر، مُنحت جائزة مقدارها عشرون ألف شاقل لعائلة الجندي (عيدان هيرشليكوفيتس) الذي رفض الأوامر الإسرائيلية بإخلاء "المستوطنة العشوائية" (رمات ميغرون).
يقول (تسفي برئيل) في مقال بعنوان "دولة (شارة ثمن)" (استنادا إلى الإشارات التي يتركها "المستوطنون" بعد الاعتداء على الفلسطينيين وممتلكاتهم مقابل كل عملية إخلاء للبؤر الاستيطانية العشوائية في الضفة الغربية): "لم يعد يوجد شك في أن "يشع" أصبحت هنا. فعصابات "شارة ثمن" لا تكتفي بالمحمية التي خُصصت لها في الضفة حيث تستطيع هناك اقتلاع الاشجار وإفساد سيارات الجيش الاسرائيلي واحراق المساجد. فهي مثل كل منظمة ارهابية لديها "بنك أهداف" لا يعرف حدودا. ولن يكون من المبالغ فيه تخمين أن قوائمها مقسومة بين من يستحق فقط رش أبواب بيته بالأصباغ وبين من يجب أن يقتل". ويضيف: "لكنه سيكون خطأ مأساويا أن يُنظر الى هذه العصابات باعتبارها منظمة ارهابية فقط سيؤدي عمل مكثف الى القضاء عليها. إن اسرائيل التي خبرت محاربة الارهاب، أوجدت تعبير "البنية التحتية للارهاب" – الذي يُفرق بين منفذي الارهاب بالفعل وبين مُرسليهم – بين "الذراع العسكرية" والبنية التحتية السياسية والثقافية التي تغذيها. وفي المحمية اليهودية كأن "البنية التحتية للارهاب" غير موجودة!! فلا يوجد القاء مسؤولية على مجلس "يشع"، ويغسل رجال الدين أيديهم من الأمر، ويحل النفاق محل تحمل المسؤولية وتطهير الصفوف. لكن تلك البنية التحتية موجودة. فقد نشأت في الضفة سلطة يهودية هدفها أن تحل محل سيادة الدولة وربما محل سلطة الجيش الاسرائيلي بعد ذلك. وليس هذا مجلس "يشع" المستخذي للسلطة، بل هو كائن مسخ جديد سيمنح رعايته لمنظماته الارهابية".
"المستوطنون" ليسوا حزبا يعمل بحسب قانون الدولة، بل هم "جماعة" تشبه عصابة تتحول إلى مصدر سلطة "سيادية"، مما قد يحولها في قادم الأيام إلى أداة تطبق القانون، غير خاضعة للدولة الصهيونية، مثل الجيش الاسرائيلي أو شرطة اسرائيل. وهذه "الجماعة" تنشيء لنفسها أجهزة تطبيقها التي أصبحت نواتها جاهزة مُعدة لهدفها. من هنا تكونت عصابات ما بات يسمى "دفع الثمن"، التي قالت فيها المقالة الافتتاحية لصحيفة "هآرتس": "لتعريف النشاط كـ "إرهاب" لا يوجد فقط معنى لفظي. فهو يستدعي موقفا عملياتياً، وذلك لان وظيفة "الشاباك" – خلافا للشرطة – هي منع الجنايات الأمنية وليس فقط التحقيق فيها بعد ارتكابها والقبض على المسؤولين عنها!! ففي نشاط عصابات الإرهاب اليهودي يشارك، بقدر ما هو معروف، عشرات الشباب، الذين يستعينون بإطار يضم مئات غير قليلة. وتعنى المخابرات منذ سنين بتشخيص ورسم خارطة هذه الشبكات. لو كان الحديث يدور عن فلسطينيين، لكانوا كلهم، منذ الآن، أو على الأقل نواتهم الداخلية والعنيفة، قيد الاعتقال انتظارا للمحاكمة أو قيد الاعتقال الإداري. لكن المشكلة أن الميل الرسمي لرؤية عصابات "شارة ثمن" مصدر قلق أكثر من تهديد حقيقي ميل يجب أن يتغير"!!
