تفاعلت أطراف النظام الرسمي العربي مع معاناة الشعب العربي الفلسطيني في عواصم إنعقادهم ( الكويت والدوحة ) فانفرد بعضهم بدعوة وحث بعضهم الآخر على دعوة أخرى، ومن العاصمتين عبر العرب عن تضامنهم وشجبهم واستنكارهم للحرب وللعدوان وللإجتياح الإسرائيلي. فقد ندد المجتمعون في الدوحة، وحملوا إسرائيل مسؤولية اقترافها الجرائم، وطالبوها ـ نعم طالبوها ـ بوقف عدوانها على غزة، وجمدوا ـ فقد جمدوا ـ علاقات بعضهم الدبلوماسية والتجارية مع إسرائيل (موريتانيا وقطر ) وسجلوا توصية بإعادة النظر بالمبادرة العربية للسلام ( وتحفظ لبنان على هذا البند ) واتفقوا مع المجتمعين في الكويت على إنشاء صندوق مالي لإعمار غزة، وطالب المجتمعون في الكويت بـ " النظر في التعامل العربي مع إسرائيل بما في ذلك العلاقات معها وتفعيل قرارات المقاطعة الإقتصادية العربية (فقط الإقتصادية ) ضد إسرائيل بما يحقق مصالح الشعب الفلسطيني، طالما استمرت إسرائيل في عدوانها على الشعب الفلسطيني " ( التفعيل مرتبط بالعدوان الحالي، وحينما تتوقف المعارك في غزة لكل حادث حديث )، وأكد المجتمعون في الكويت على " ضرورة العمل على الفتح الفوري لجميع المعابر الحدودية مع قطاع غزة طبقاً لإتفاقية نوفمبر 2005، وتسهيل عبور الأفراد ومواد الإغاثة".
هذا ما قاله وما فعله العرب، أو ما سوف يفعلونه سواء من إجتمع منهم في الكويت بحضور منظمة التحرير وسلطتها الوطنية، أو من إجتمع في الدوحة، وهو ليس جديداً ولا طارئاً ولا مستحدثاً. فقد سبق وأن قال العرب ما قالوه اليوم، وفعلوا مع الإجتياح الإسرائيلي على لبنان عام 1982 وتطويق بيروت وحصارها وقصفها لمدة ثلاثة أشهر، وإخراج ياسر عرفات ورفاقه من لبنان، وفعلوا أيضاً الشيء نفسه مع إعادة إحتلال المدن الفلسطينية عام 2002، ومحاصرة ياسر عرفات في رام الله حتى اغتياله عام 2004، ولم يتكرم واحد منهم بالإتصال تلفونياً مع أبو عمار في حصاره مجرد تلفون، وكان ذلك أيضاً في معركة تدمير لبنان واجتياح جنوب لبنان ضد حزب الله في تموز 2006.
في نفس اليوم الذي اجتمع فيه العرب في الكويت، واجتمع فيه بعض العرب في الدوحة، وأعلنوا من العاصمتين مواقفهم وقراراتهم وشجبهم وإدانتهم، اجتمعت في واشنطن تسيبي ليفني وزيرة الخارجية الإسرائيلية مع كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية، ووقعتا مذكرة تفاهم إسرائيلية أميركية، جاءت بمثابة مكافأة من قبل الولايات المتحدة الأميركية لإسرائيل على عداونها وحربها ومجازرها ضد الشعب الفلسطيني، فقد وفرت مذكرة التفاهم أقصى متطلبات الأمن والحماية الأميركية وتوفير القدرات التكنولوجية والإستخبارية لإسرائيل، ومراقبة كافة المواقع الجغرافية البرية والبحرية والجوية المحيطة بقطاع غزة، لتحول دون تهريب الأسلحة بكل أنواعها إلى قطاع غزة، وهو إتفاق تمهيدي سيصار إلى تطبيقه وتوقيعه مع البلدان الأوروبية كذلك.
العلاقات العربية الأميركية تقوم على ثلاثة أعمدة رئيسية من المصالح هي الإقتصادية والعسكرية والأمنية، إضافة إلى ما ينبثق عنها من دبلوماسية وثقافية وغيرها.
العلاقات الإقتصادية العربية الأميركية تقوم على أربعة عناوين هي 1ـ السوق العربي للبضائع والسلع والخدمات الأميركية. 2ـ المال العربي في البنوك والشركات والفنادق الأميركية 3ـ البترول العربي. 4ـ الغاز العربي.
أما العلاقات العسكرية فهي تقوم وتعتمد على القواعد العسكرية الأميركية القائمة والمنشأة على الأراضي العربية التي تخدم المصالح الأميركية بما فيها شن الحروب والقصف الأميركي على الأراضي العربية والإسلامية، كما حصل مع العراق ومصنع الدواء السوداني، ومقر قيادة الرئيس الليبي القذافي، ومع الصومال ومع أفغانستان وقصف سيارة أحد قيادات القاعدة في اليمن، وهي قواعد جوية وبرية وبحرية. أما العلاقات الإستخبارية والأمنية فتقوم على مظهرين: الأول وجود محطات إستخبارية للمخابرات المركزية الأميركية بناء على اتفاقات موقعة، تبلغ 18 محطة إستخبارية، والمظهر الثاني وجود إتفاقات تعاون إستخبارية مع عشرين عاصمة عربية للتعاون الأميركي مع هذه العواصم ضد " الإرهاب " حيث يتم تبادل المعلومات والوثائق والخبرات.
ولذلك من يرغب، ومن يستعد، ومن يقتنع في أن يتحمل مسؤولياته، ويمارس دوره القومي مع الشعب الفلسطيني، يمكنه وضع العلاقات العربية الأميركية في نطاق الإقتصاد والعسكر والمخابرات في ميزان سياساته، ويعيد حساباته الإقتصادية والعسكرية والأمنية مع الولايات المتحدة، أولاً عبر إغلاق أسواقه العربية أمام السلع والبضائع والخدمات الأميركية، وسحب أرصدته من البنوك والشركات الأميركية، ووقف ضخ البترول والغاز للأسواق الأميركية. ثانياً إنهاء وإزالة القواعد العسكرية الأميركية من الأراضي العربية. ثالثاً إلغاء الإتفاقات مع المخابرات الأميركية وإغلاق محطاتها الإستخبارية في العواصم العربية.
هذا هو رصيد العرب وأهميتهم في أميركا، وهو رصيد بقدرات متفوقة تفوق حجم العلاقات والمصالح الأميركية الإسرائيلية.
من يرغب أن يكون له دور ومكانة وإحترام تحت الشمس، يمكنه أن يضع مصالحه ورصيده الإقتصادي والجغرافي والعسكري والأمني، في مواجهة الدعم والحماية الأميركية وجبروتها لمصلحة إسرائيل، ويمكنه أن يوجه لطمة للأميركيين تجعلهم في يقظة، كي يعيدوا النظر في كيفية التعامل مع العرب وإحترام مصالحهم ومشاعرهم، ويعيدوا النظر في كيفية التعامل مع المستعمرين الإسرائيليين ويرغموهم على إحترام قرارات الأمم المتحدة أولاً، والعمل على تنفيذها ثانياً، ورد الإعتبار للعرب وللفلسطينيين ثالثاً.
العرب يملكون أدوات الضغط على أميركا ومن ثم على إسرائيل، بالفعل ليس بالكلام، فالكلام مباح لشتم أميركا وإدانتها ونقدها، وهو جزء من التقاليد الديمقراطية الأميركية، ومثلما تتحمل واشنطن التنوع والتعدد والنقد ووجهات النظر على أراضيها، تقبل ذلك من قبل أصدقائها وحلفائها طالما أنه في إطار الكلام ولا يتجاوز الكلام ويقتصر على الخطاب والبيانات اللفظية غير المجدية، أما تجاوز ذلك نحو الفعل فهو محذور وهو الذي سيؤدي إلى نتيجة وتغيير لأنه يمس المصالح، ولذلك طالما أن الأسواق العربية مفتوحة أمام السلع والبضائع الأميركية، وطالما أن المال العربي ما يزال موظفاً لخدمة الإقتصاد الأميركي، والنفط والغاز ما يزال متدفقاً في شرايين الحياة الأميركية، وطالما أن القواعد العسكرية والمحطات الإستخبارية ما تزال قائمة، فلا ضير ولا خطر على المصالح الأميركية، ويبقى العرب يقولون الكلام والكلام فقط، وطالما الأمر كذلك ستبقى أميركا داعمة لإسرائيل وستتواصل حروب وهجمات ومجازر إسرائيل ضدنا، ضد العرب كل العرب وفي طليعتهم الشعب الفلسطيني.
hamadehfaraneh@yahoo.com
