جَلد الذات.!
ألتقي به كثيرا..إنه قريب مني..أو قُلْ اني مجبر أن ألتقي به..
في المدة الأخيرة، بدأ يستعين بالبلفون، من أجل أن يدعم أقواله وادعاءاته.!
دائمًا يبدأ لقاءه معي، بجملة اعتاد ان تكون سُلّمًا، كي يصل الى ما يريد قوله: "شفت العرب شو عملوا.!؟"
وبعد أن يقول ما يريد قوله، حول جهلهم وغبائهم وتأخرهم..
يقرِّب شاشة البلفون من وجهي، ويحاول ان يريني شيئًا على شاشته، وهو يشكو غباوة العرب، وخجله فيهم:
" شوف.. شوف شو بعمل هذا العربي..بدينك ما هو بخزي!؟ ".
فتغيم الدنيا في وجهي.. فلا أرى ولا أشوف!
ينتقل الى مقارنتهم، بما يحدث في المجتمعات المتقدمة - حسب رأيه..
" في المانيا، بتمشي في الشوارع.. عينك ما بتشوف ولا ورقة.!".."
عرب ونظام ما بلتقوا.. روح وشوف الفرنسيين، كيف بصفّوا بالدّور الى متحف اللوفر!"
والغريب أنه لم يَرَ في زمانه.. لا باريس ولا اللوفر!
ومين إلّي حكالك عن باريس واللوفر!؟
سألته مرة.. فأجاب:
معلَمي.. معلّمي اليهودي!.. إنت ما بتعرف، إنه كل يوم في باريس!؟.
ومن هذا الكثير..
هذا الرجل، لم يقرأ كتابًا في حياته..
مرة دخل عليَّ وفي يدي كتاب..فصاح مستنكرًا، كأنه رأى أفعى في يديّ:
"أي في عربي غيرك بقرأ!؟..العرب يتعلّموا من الروس..هناك بقرا الواحد منهم كتابين في اليوم!".
اشتغل عند اليهود، فأطعمهم وأطعموه، فشعر بالشبع، امتلك سيارة فخمة، وبنى بيتًا يشبه القصر..
لبس الجينز الفاخر.. وجكيت من الجلد الأصلي..
" العرب بفهموش بالجلد.. بشتروا بلاستيك، وبفكروه جلد أصلي!"
كان يقول وهو يشد يديّ لأتحسس جكيته الجديدة الغالية الثمن..
ولكن أمس بلغ الوضع معه الزبّى..
جلس في "مكانه" بجانبي، بينما كنت أشاهد نشرة الأخبار..
كانت مظاهرات في القدس، ضد إعلان المعتوه "ترامب"..
وإذا به يصيح:
إطلَّع كيف العرب بتظاهروا! حتى التظاهر بعرفوش يتظاهروا.. يروحوا يتعلموا من الإنجليز،كيف التظاهر.! حتى التظاهر عندهم بنظام! "
فصحت به "من قحف رأسي"، وعصافير الأرض بتتنطط في عيني:
"ولك يا زلمي.. إشلحني.. وإشلح العرب.. وروح عيش في بلاد الإنجليز ولألمان والروس إلّي معجبينك.!"..
فانسحب مسرعًا من أمامي.. وأقسمت أنني، لن أتعامل معه بعد الآن!
هؤلاء مرضى..
وقسم منهم مصاب، بظاهرة مرضية تسمّى: جَلْد الذات!
وهذه الظاهرة أخفُّها ضررًا.. إنهم يستطيبون الآلام، ويتلذذون بوجعها.
ومنهم ما هو مصاب بمرض النقص..
فيحاولون، أن يكملوا ما يشعرون به من نقص،على حساب الآخرين.. حتى ولو على حساب شعبهم..
ومنهم مصابون بمرض حبِّ الذات، الذي يطلق عليه "النرجسية"..فيقللون قدر شعبهم، كي تبرز أنانيتهم!
(عرعرة)
