// لا تخفي المؤسسة الأميركية غضبتها من تسريبات أسرارها عبر ويكيليكس، وهي تخوض الصراع ضد جوليان أسانغ على أكثر من صعيد. من جانب ترسل التهديدات عبر كتبتها وأعمدة إعلامها تتوعده بالتصفية او بالسجن مدى الحياة بتهم التجسس أو تهديد امن وحياة أفراد؛ ومن جانب آخر توجه رسائل تقلل من أهمية التسريبات ، حتى أن البعض يصف بالمؤامرة من تخطيط الأجهزة المخابراتية ، الأميركية أو الإسرائيلية. والحجة أن نصيب إسرائيل من التسريبات ضئيل . وتغيب هذه الحجة حقيقة أن ما يخص إسرائيل من بئر الأسرار الأميركية لا يودع على السطح ، وهو أعمق من أن تصله تسريبات تغرف من سطح البئر، حيث الوثائق في متناول الملايين من موظفي الإدارة الأميركية.ويجهل مروجو نظرية المؤامرة أن النائب الأميركي الموالي لإسرائيل ، بيتر كينغ وعضو مجلس الشيوخ اليميني جو ليبرمان قد ضغطا على موقع أمازون كي يتوقف عن نشر وثائق ويكيليكس. الوثائق المسربة في المحصلة العامة لا تكشف الجديد إنما تؤكد ما هو معروف من ازدواجية السياسات الأميركية ونفاقها ونزعتها التسلطية العدوانية.
اما الضجة من جانب الإدارة الأميركية وصحافييها والإثارة التحريضية بصدد التسريبات فالهدف من ورائهما ، كما يبدو، التحذير من ظاهرة كشف أسرار السياسات الامبريالية وتسريبها. وعندما نشر عميل المخابرات المركزية فيليب آغي مذكراته بعد استقالته من الهيئة فرضت قوانين تحرم ذلك على عملاء الوكالة حتى بعد ترك الخدمة.
لم تقدم الوثائق المسربة الجديد حول السياسات الأميركية بل قطعت الشكوك باليقين حيال ممارساتها. فالنهج العام لمقرري السياسات الكونية يخضع حتى وقتنا الراهن لاستراتيجية اليمين الأميركي المرتبط بمصالح التجمع الصناعي العسكري، وهو ما يفسر اندماج أتباع الأصولية المسيحية مع توجهات غلاة التطرف الصهيوني ونظام الأبارتهايد في إسرائيل. وبصورة مثابرة يخفض هذا النهج في العلن سقف الديمقراطية وحرية التعبير على الصعيد الكوني، دأبه تدمير قيم الديمقراطية وتغذية الأنظمة الاستبدادية. وبذا يدور مائة وثمانين درجة عن ادعاءاته السابقة بصدد حرية العبور الإعلامي .
تمتلئ الأدبيات السياسية في عقد السبعينات من القرن الماضي بالدفاعات الحارة عن حرية تدفق المعلومات الإخبارية. ففي بداية العقد تبنت حركة عدم الانحياز شعار "نحو نظام إعلامي دولي جديد"، وذلك بمبادرة من انديرا غاندي رئيسة وزراء الهند. نبهت الزعيمة الهندية زملاءها قادة دول الحركة إلى حقيقة انفراد احتكارات الإعلام الغربية بصياغة الوعي الاجتماعي والمواقف السياسية للجماهير في دول الحركة ؛ قالت في معرض تقديمها للمشروع أننا نعرف أخبار مصر عن طريق اليونايتدبرس والفرانس بريس ورويتر وغيرها؛ وهي أخبار مزيفة؛ ذلك أن الاحتكارات الإعلامية هي التي تجمع الأخبار عن بلدان العالم الثالث وتمررها في المراكز عبر مصفاة تفلترها وتعيد صياغتها بما يدعم الأهداف الاستراتيجية لدول الغرب الامبريالية، وبما يسند التحيزات الغربية ضد شعوب قارات آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية ومصالحها في التحرر والتقدم. وجدت دول حركة عدم الانحياز الحل في فرض القيود على التدفق الإعلامي من مراكز الرأسمال الاحتكاري عبر وكالاته الاحتكارية وتجميع وكالات الإعلام في دول عدم الانحياز كي تكسر احتكار امبريالية الإعلام. وأيدت منظمة اليونيسكو مساعي بلدان حركة عدم الانحياز في ميدان الإعلام والثقافة.
مقابل هذا التوجه ارتفعت صيحات امبريالية الإعلام دفاعا عن حرية العبور الإعلامي وضد مبدأ إشراف الدولة على الإعلام. وبلغ الأمر بالولايات المتحدة أن جمدت عضويتها في منظمة اليونيسكو وأوقفت دفع حصتها في ميزانيتها . لم تحرص الميديا الأميركية على صدق المواد المتدفقة عبر قنواتها وموضوعيتها ، بل انصب الحرص على حرية العبور . كانت حرية الإعلام (وليس مضمونه ) هو البقرة المقدسة التي لم تقبل ميديا الغرب أنصاف الحلول بشأنها. كل ذلك بغرض منح الحرية لتدفق مواد الوعي الزائف كي يغمر طوفانها قنوات التأثير في الرأي العام العالمي؛ غدت حرية الإعلام دم الحياة للديمقراطية وباتت الشفافية والمحاسبة عناصر جوهرية للحكومات الجيدة؛ هيمنت ثيمة حرية الإعلام في فضاء السياسات الدولية. كانت حرية العبور الإعلامي تصب في تيار الهيمنة الكونية لإمبريالية الإعلام وترويج الوعي الزائف والاستيلاء على العقول وتكييفها لتقبل الاستراتيجية الامبريالية. وبذلت الولايات المتحدة جهودا مضنيه لعرقلة مساعي إقامة نظام إعلامي دولي جديد ونظام اقتصادي دولي جديد حسب رغبة دول عدم الانحياز.
وفي أوائل عقد السبعينات من القرن الماضي برز اسم بوب وودوورد ، الصحفي الأميركي الذي أشهر فضيحة ووترغيت( التجسس على المرشح المنافس أثناء حملة انتخاب الرئاسة الأميركية). تباهت الصحافة الأميركية بقدرتها على إسقاط الفساد السياسي، حسب ادعائها بالطبع. ورد أنصار الرئيس نيكسون ، الذي اضطر للاستقالة تحت ضغط الفضيحة، بتسريب فضائح تمس المؤسسات التي شاركت في تصعيد فضيحة ووترغيت ؛ فبرزت فضيحة الجرائم القذرة للسي آي إيه وفضيحة لوكهيد. اتضح أن المخابرات المركزية الأميركية في الخارج تعمل باستقلالية عن بقية أجهزة الحكم وتمارس تهريب المخدرات لتوفير تكاليف مؤامرات عبر العالم نفذت بدون اطلاع الكونغرس.
وكذلك احتكار لوكهيد وغيره من الاحتكارات عابرة الجنسية يتصرف بمعزل عن المراقبة وبعيدا عن إشراف الهيئات المنتخبة، فيوظف الرشوات المدفوعة لمسئولين كعمولات مقابل صفقات طائرات الشركة . طالت الفضيحة رؤساء وزارات في اليابان وإيطاليا وكبار مسئولين في عدد من البلدان الرأسمالية الأخرى . ودشنت العمولات المقدمة من الاحتكارات عابرة الجنسية عمليات الفساد والإفساد في توريدات السلع الصناعية وداخل أجهزة الحكم في أقطار العالم كافة .
كان ذلك بعض معالم حرية الإعلام موضع تباهي البرجوازية ، الإعلام يقتحم أسرار السياسة ويقوم اختلالاتها. وكان قصيرا حبل التباهي .
واستغل بوب وودوارد علاقته الوثيقة بالمخابرات المركزية الأميركية لتسجيل اطّلاعاته الواسعة في كتاب عن حروب السي آي إيه بقيادة وليم كيسي. صدر الكتاب بعنوان " المسار، او حروب السي آي إيه" في أواخر عقد الثمانينات. كان مرض السرطان الذي قضى على حياة كيسي يتفاعل مع سرطان التفسخ السياسي والمؤامرات المدمرة لسمعة السياسة الدولية للولايات المتحدة الأميركية.
وفي هذا الكتاب الكثير من المعطيات الكاشفة لعلاقة المخابرات المركزية الأميركية بأنظمة عربية، حيث ربطت بواسطة هيئات أمنية للحفاظ على الأنظمة تفاديا لمصير الشاه. قوضت البعثات الأمنية الأميركية المرسلة إلى الأنظمة العربية آخر مظاهر استقلالية القرار الرسمي العربي؛ وحصل اندماج بين السياسات العربية مع استراتيجية الولايات المتحدة في المنطقة؛ كما تعزز الطابع القطري والاستبدادي لأنظمة الحكم وحصل تنكر لمصالح الجماهير في التنمية وتوفير فرص العمل وتحسين نوعية التعليم . باختصار اقتصرت عناية الأنظمة على المصالح الخاصة لأطراف الحكم ، فاتسع نطاق الفساد العربي بلا كابح. وعلى إثر هذه السيرورة الفاجعة صمتت الأنظمة حيال العدوان الإسرائيلي على لبنان وممارسة حرب الأرض المحروقة عام 1982 وتدبير مجزرة صبرا وشاتيلا ؛ وواصلت الصمت حيال الفظائع الإسرائيلية ضد الحركة الوطنية الفلسطينية.
في الوقت الراهن، حيث الثورة المعلوماتية تبث الأخبار والتحليلات الإخبارية في أبعد أطراف المعمورة بغير استئذان طواغيت المعلوماتية، وحيث تضطلع هيئات إعلامية بمهمات التنوير وكشف المستور وفضح نفاق السياسات الأميركية وتضارب وقائعها مع كل ما تروجه عن نفسها ، لم تعد حرية العبور الإعلامي مواتية لمساعي الهيمنة الكونية. باتت حرية العبور الإعلامي تجسسا وخيانة للمصالح الوطنية الأميركية !! تبدد الوهم الأميركي بأن التاريخ وقف عند نهايته بانتصار الليبرالية الجديدة، حيث مشاكل العالم سوف تحل على أيدي الاحتكارات الأميركية عابرة القارات، وذابت سريعا غطرسة السياسة الأميركية المتولدة عقب الانهيار العظيم لنظم الاشتراكية والتحرر الوطني ، وانهارت تطلعات القرن الأميركي الجديد.
في مثل هذه الظروف لم يعد الإعلام دم الحياة للديمقراطية، وأسقطت معايير الشفافية والمحاسبة كعناصر جوهرية للحكومات الجيدة. فالمواقف البرجوازية تجافي المبدئية باسم الذرائعية ـ البراغماتيةـ وتبدلت التقييمات والمعايير حسب تبدل المصالح؛ و نجد اليمين الأميركي يتأهب لإنزال العقاب القاسي بمؤسس ويكيليكس وتصفية الشبكة ذاتها، ومعها صحافة تقصي الخبر و"التطفل على " أسرار الحكم.
بينت الفضائح المتفجرة لعمليات الهيئات الأميركية في الخارج انحسار بل تلاشي نفوذ الهيئات المنتخبة على أهم الفعاليات الأميركية المقررة للسياسات الدولية : نشاط الاحتكارات الاقتصادية عابرة الجنسية ونشاط الأجهزة السرية ونشاط امبريالية الإعلام ثم نشاط التجمع الصناعي العسكري الأمني على صعيد العالم. وتوحد هذه الأنشطة مساعيها في تغييب المراقبة ونشر الأضاليل وتعزيز السلطوية في الحكم . وحيال هذه الأنشطة المدعومة بقوتها الذاتية باتت السياسات الأميركية مناقضة تماما لكل ما تذيعه عن نفسها، وعلى المكشوف تخلى صناع السياسة الأميركية عن المثل التي نادوا بها . وعلى حد تعبير اسماعيل حسين زاده ( كاونتر بانش 17ديسمبر2010) " فالولايات المتحدة تخضع لحكم عصابة مالية أمنية وصناعية عسكرية يتمركز ممثلوها في البيت الأبيض والكونغرس. وتظهر وثائق السياسة الأميركية أن حكومة الولايات المتحدة تقوم بدور عراب المافيا الدولي ، تكافئ النظم العميلة بالأسلحة والمعونات المالية والحماية العسكرية ؛ كما أنها تعاقب الدول التي يرفض قادتها الخضوع لرغباتها الشرسة والتخلي عن السيادة الوطنية لبلدانهم". فالهدف النهائي للعصابة المالية ـ الصناعية ـ العسكرية في الولايات المتحدة هو " الهيمنة التامة على العالم ؛ وهم راغبون في شن أكبر قدر من الحروب وتدمير أكبر قدر من الأقطار وقتل أكبر عدد من الناس".
إن عسكرة الاقتصاد وما يتبعها من عسكرة السياسة المحلية والدولية تقدم الأهداف الخاصة بالمؤسسة العسكرية ـ الأمنية على بقية هيئات الدولة ومصالحها. سبق وأن حذر الرئيس الأميركي الأسبق الجنرال دوايت آيزنهاور من النمو غير المقيد للتجمع الصناعي العسكري ، حيث يحوز على دينامية ذاتية للنمو السرطاني الطفيلي . وبالفعل فهذا التجمع يستحوذ على أفضل الأدمغة وأفضل المواد الخام ويحتكر منظومات السلاح التي يوردها للمؤسسة العسكرية هنا وهناك، ويفرض الأسعار الاحتكارية لمنتجاته. وبالنتيجة يحقق الأرباح الأسطورية ويضاعف بمتواليات هندسية قدراته في التأثير على السياسات والثقافة والإعلام . وحيث يقال في الولايات المتحدة أن اليد التي توقع على الشيكات لا تعضها الصحافة فإن أنشطة التجمع الصناعي العسكري تظل مخفية عن الجمهور، وبذا لا تتكشف للرأي العام المحلي او الدولي تأثيراته الكارثية على مجمل الأوضاع الكونية. ويغامر بمستقبله المهني وربما بحياته كل من يتجرأ على اختراق حجب النشاط السرطاني للتجمع الصناعي العسكري الأمني.
نتيجة لهيمنة نفوذ المصالح العاتية الكامنة في التجمع الصناعي العسكري الأمني فقد تحولت حكومة الولايات المتحدة إلى قوة عالمية تستنزف الموارد الوطنية في ما لا ينفع الشعوب ، و وتعطل التقدم و تنشر الاضطرابات والأنظمة التسلطية في العالم أجمع. ربما قصدت أطراف في السلطة الأميركية تغيير مجرى السياسات الخارجية بانتخاب باراك اوباما لرئاسة الاتحاد ؛ غير أن التوجه أجهض بهجوم مضاد نظمه المحافظون الجدد بزعامة ديك تشيني دفاعا عن النهج القائم . والسياسة التي اختطها اليمين برئاسة بوش الابن ما تزال تشكل خطرا على اقتصادات العالم وأمنه وعلى إنسانية البشر.
إلى جانب التأثير المباشر لنهج العسكرة المعولم هناك تأثير غير مباشر على الحياة الدولية : فالمغامرات العسكرية التي يخطط لها الحلف تقدم المزيد من المبررات للتجمع الصناعي العسكري الأمني لمواصلة الزيادة في موازنة البنتاغون. وبدلا من تقليص الموازنة العسكرية نتيجة لسقوط جدار برلين فقد تضاعف الإنفاق العسكري ثلاث مرات ( من 295 إلى ألف مليار دولار )خلال العقد الأول من هذا القرن ، منها ثماني سنوات من إدارة بوش الابن ، ما دفع الصين وروسيا لزيادة نفقاتها العسكرية وأمكن لكل من ألمانيا واليابان احتلال الموقعين السادس والسابع على صعيد العالم .
عواقب رهيبة على الأغلبية الساحقة من البشر تتركها أنشطة التجمع الصناعي العسكري. وأحد تجلياته تعاظم المد الفاشي لنظام الحكم في إسرائيل واستفحال عمليات التهويد والتوسع الاستيطاني . وعلى الصعيد الكوني يجري تبديد موارد نفيسة ونادرة على أدوات التدمير والقتل و بذر المخاوف والشكوك والعداوات بين شعوب العالم ، وتهيئة ظروف الحرب والنزاعات الدولية وعدم الاستقرار على صعيد العالم. كما يجري ترويج تروج ثقافة بهيمية منحطة تهدر إنسانية البشر وتروج للعنصرية والطائفية وسائر مفردات الصراع الحضاري في مساع دؤوبة لتدمير قيم الديمقراطية وتغذية الأنظمة الاستبدادية.
يستنفر هذا التوجه المسعور حركات وفعاليات عولمية تتصدى للمخاطر المستهدفة للبشرية جمعاء. فليس ويكيليكس وجوليان أسانج وحيدين في المعركة المناهضة والحملات الوقائية؛ ومحنة أسانج جزء من محنة البشر المدافعين عن إنسانية الإنسان. ولهذا يحظى أسانج بالعطف والتضامن على الصعيد الدولي. وتحاول التحقيقات الأميركية أن تستخدم ضد أسانج العسكري برادلي ماننغ ، خبير الاستخبارات في الجيش الأميركي ، الذي سرب الوثائق. ولهذا تتسع الحركة التضامنية مع برادلي ماننغ كي لا ينهار ويستخدمونه للإيقاع بجوليان أسانج وبويكيليكس معا. و يرى كثيرون ان ماننغ بطل وسجين سياسي، وأورد الصحفي جهاد الخازن في مقاله اليومي أن دانيال ايلزبرغ الذي سرّب أوراق البنتاغون الى «نيويورك تايمز» فنشرتها سنة 1971 هو الذي يدافع عن ماننغ. كما ان هناك جماعة باسم «شجاعة المقاومة» ترفع لواء الدفاع عنه، وتوزع قمصاناً تحمل اسمه ودعايات أخرى. ففي المؤسسة من يعتبره خائناً، والمطالبون برأسه أقوى،
ينبري العديدون من حملة الأقلام الشريفة والمثقفين دفاعا عن حرية التعبير المهددة من قبل الأنشطة التخريبية للتجمع العسكري الصناعي وحلفائه احتكارات الطاقة والإنشاءات ومروجي سوق السلاح وناشري الصراعات المسلحة في أرجاء المعمورة، وعلى رأسهم إسرائيل والمحافظون الجدد في الولايات المتحدة.
