بهــــــــدلة

single

لم يكن انفصال جنوب السودان عن شماله الا تحصيل حاصل لسياسات بلهاء بدائية  ومعادية للآخر انتهجتها الحكومات السودانية المتعاقبة منذ الاستقلال عام 1956 مرورا بحكومة الإنقاذ التي ترأسها البشير والترابي.
فكان الأول مشغولا بسرقة خزينة دولته فيما كان الثاني وما زال مهووسا بتطبيق  "الشريعة " ، التي تتيح له وللبشير أيضا، بجلد إحدى المثقفات السودانيات التي تعمل في هيئة الأمم المتحدة ، ليس لذنب سوى أنها لبست بنطلونا في مكان عام!
بالمقابل وبشكل متواز فقد أدرك قادة الحركة الصهيونية في وقت مبكر ومعها لاحقا، الولايات المتحدة والغرب أن الأقليات في العالم العربي تمثل حليفا طبيعيا لها ، فخططت وسعت لمد الجسور معها. فتواصل عملاؤها مع الجنوب في السودان والأكراد في العراق والموارنة في لبنان والأقباط في مصر ، معتمدة بذلك سياسة فرق تسد، لتفتيت العالم العربي وخلق كيانات انفصالية في داخلها، وإنشاء دويلات هامشية تكون بمثابة الخنجر في خاصرة الدولة الأم.ومما يساعد على فهم الاستراتيجية الاسرائيلية  أن المنطقة العربية ، وعلى خلاف ما يدعي العرب، ليست وحدة ثقافية وحضارية واحدة، وإنما هي خليط متنوع من الثقافات والتعدد اللغوي والقومي والديني. وعلى الرغم من أن الملوك والرؤساء العرب يتحدثون عن أمة عربية واحدة لكنهم يتصرفون كدول متنافرة وأحيانا معادية.
أما الأنظمة العربية الرجعية، وخاصة النظام المصري، بصمتها المدوّي وتفرّجها على الأحداث بعينين ناعستين وبتآمرها السري الجلي فقد أكدت  لشعوبها ، مرة أخرى ، تحالفها الاستراتيجي الدنس مع الصهيونية والامبريالية.
واذا كان انفصال جنوب السودان عن الوطن الأم ضربة قاصمة للسودان فإنه كارثة كبرى للأمن القومي المصري. خاصة وأن السودان يشكل العمق الاستراتيجي لمصر.
لقد اعتبر المصريون القدماء منابع نهر الفرات الحدود الشمالية للأمن القومي المصري ومنابع نهر النيل الحدود الجنوبية فيما اعتبر ابراهيم باشا سوريا الحدود الشمالية للأمن القومي المصري ومنابع النيل حدوده الجنوبية. لذلك فإنه لم يجلس مكتوف الأيدي حين تعرضت سوريا للاعتداء. أما ، تعريف الأمن القومي المصري  اليوم ، في ظل النظام الحالي فإنه غائب كليا. والا فما معنى سكوت هذا النظام إزاء انفصال الجنوب ؟ وما معنى سكوته إزاء ما يدور في دارفور، التي ينتظرها نفس المشهد ونفس مصير الجنوب ؟ أليس مشهدا قابلا للاستنساخ ؟ خاصة اذا عرفنا أن عدد قوات الأمم المتحدة المتواجدة في دارفور هو عشرون ألف جندي ، منهم 15 ألف جندي أمريكي. ألا يهدد هذا الوضع السد العالي ؟ أم أنه أيضا خارج نطاق الأمن القومي المصري ؟!!
أين مصر من ذل حاكمها !! أين العروبة من المتاجرين بها !!
أن كل عربي مخلص لعروبته يشعر هذه الأيام بالخجل والفشل وهو يشهد اقتطاع جزء من دولة عربية.  ولكن الشجاعة تقتضي أن يتساءل المثقفون العرب والأحزاب السياسية والأطر الإجتماعية ماذا قدم العرب لهذه الأقليات ؟ لقد فشل العرب  في بناء دول عربية حضارية  متنورة يكون فيها الإنسان القيمة العليا بحيث يجعل هذه الأقليات تتمسك بالعيش معهم وتفكر ألف مرة قبل الانفصال عنهم.
إن العروبة الحقة هي العروبة الإنسانية التي تكفل للمواطن حريته وكرامته ومسكنه ومكان عمله. وخلاف ذلك سيتكرر المشهد السوداني .

 


(مجد الكروم)

قد يهمّكم أيضا..
featured

ملحدو عصرهم أنبياء العصر القادم

featured

عاركم وفشلكم الذريع في افغانستان!

featured

هل تكون العولمة طريقًا الى الأممية ؟

featured

وجه حكومة اليمين وصوتها !

featured

لانتشال "المتابعة" من أزمتها

featured

التأمين الوطني.. من تحت الطاولة!

featured

حدود الشخصنة!

featured

قيادة "كأنّ"