الموقف من احداث سوريا الأخيرة: من المُر يخرج الحلو

single

(الحلقة الرابعة )                                 
*  *


حتّم الواجب الطبقي على الامبرياليين الجدد ان ينتزعوا قناع "الأخوة القومية – العربية" عن وجوههم حتى يأخذوا مكانهم الطبيعي المكشوف والمتقدم الى جانب شركائهم العريقين (الامريكان و الاوروبيين و الاسرائيليين )في توجيه وتنفيذ الهجمة العدوانية الجديدة التي كانوا قد اعدوا لها سويةَ ضد بلد عربي "شقيق" هو سوريا.
أفما كان بإمكانهم تحاشي هذا الانكشاف الفاضح ، ومواصلة دورهم السري تحت اسمهم الحركي "انظمة الاعتدال" ؟ اي كما فعلوا خلال الثلاثةِ او الاربعةِ عقود الاخيرة ، مؤدين كل الواجبات التي اقتضتها مصالحهم المتماثلة مع مصالح شركائهم المذكورين ؟! فما الذي اضطرهم للخروج من السرية والظهور هذه المرة علنا ومكشوفين ؟!
ان الجواب على هذا السؤال كامن في الحالة التي وجد الامبرياليون العريقون ، القدامى،انفسهم يواجهونها اثر الحروب المتواترة التي شنوها في العقد الاول من القرن الحالي ، بين العام 2001 والعام 2009 . (افغانستان،العراق،لبنان،و فلسطين). فهم لم يحققوا في هذه الحروب - ورغم انهار الدم الذي سفكوه و الدمار الذي انزلوه في تلك الاقطار – نصرا حاسما وثابتا يساعدهم على تنفيذ مشروعهم لاعادة رسم الشرق الاوسط وفق متطلبات مصالحهم . ولا هم استطاعوا استعادة هيبتهم العسكرية التي زعزعتها المقاومة اللبنانية في العام ال2000 ، و اكملت عليها في صيف العام 2006 . ولا هم استطاعوا الاجهاز على المقاومة الفلسطينية في حربهم على قطاع غزة في ال 2008-2009 . وفوق ذلك خسروا الكثير مما كان متبقيا لهم من رصيد في الرأي العام العالمي (نظرا لافتضاح ذرائعهِم الكاذبة لشن تلك الحروب و الجرائم المروعة التي ارتكبوها فيها ) . و اما بين الشعوب العربية فقد تصاعد العداء لهم الى ذروة غير مسبوقة باتت تهيئ لولادة مقاومات جديدة و اكثر اتساعا عما هو قائم .وفوق كل هذا و ذاك برزت سوريا دولة عربية وحيدة وطنية بشعبها ونظامها معادية للامبريالية . ومع حركات المقاومة كونت عقبة كأداء في طريق مشروع الهيمنة الامبريالي في المنطقة . ورفضت املاءات اصحابه وخداعاتهم . ولذا غدت ازالة هذه العقبة ضرورة ملحة بالنسبة للامبرياليين وتحقيق هذه المهمة لا يتم الا بحرب عدوانية مكشوفة كالحروب الاربع التي اقدموا عليها بين العام 2001 و العام 2009. و اما بحرب استنزاف داخلية يساندونها ويوجهونها من الخارج .
وحيث ان الخيار الاول غير مضمون النتائج بل سيؤدي الى حريق في المنطقة يأتي على ما  تبقى لهم من مواقع او مكاسب فيها: وحيث انهم في ظروف لا تمكنهم من الاقدام على حرب كهذه بسبب الانهاك الذي حل بقدراتهم العسكرية اثر حروبهم  المتواترة الاخيرة ، وبسبب الازمة الاقتصادية المتصاعدة التي بدأت تهز اركان نظامهم الوحشي منذ العام 2008 ، فانه لم يبق امامهم سوى الخيار الثاني- أي حرب الاستنزاف الداخلية. ولكنهم لمثل هذه الحرب ايضا يحتاجون الى كسب الرأي العام و العربي خاصة ، او على الاقل بلبلته و تعطيل مفاعيله . وهذا الأمر لا يمكن ان يتم اذا ظهروا وحيدين في ادارة وتوجيه وقيادة هذه الحرب . ولذا ينبغي اخراج الشركاء العرب من السرية في تنفيذ المخططات المشتركة الى العلنية هذه المرة . بل اعطاؤهم مكان الصدارة في تنفيذ هذه الحرب والتجييش لها . وهذا ما تقرر وتم وهذا ما اكدته و تؤكده وقائع حرب الاستنزاف التي تعرضت لها سوريا منذ منتصف آذار الماضي وحتى يومنا هذا.
وبهذا الانكشاف الصريح اعلن الامبرياليون الجدد رسميا انحيازهم الطبقي الى اعداء الشعوب العربية وغير العربية . وحسنا  ان هذا الفرز الطبقي الذي كان قائما قبل هذه الايام بكثير ، مموّها بشعارات " الاخوة العربية " و " الاخوة الاسلامية " . وقد حشد دهاقنة المال ( الحرام من اساسه) هؤلاء بحربهم على سوريا – العربية ، و المسلمة باكثرية شعبها الساحقة – كل ما اعتقدوا انه سيحسم هذه الحرب لصالحهم و صالح شركائهم العريقين . وفي مقدمة ما حشدوه فتاوى مشايخ الدين الكبار التابعين لهم  ، وفي مقدمتهم الشيخ العلامة يوسف القرضاوي ، التي تحض على الجهاد ضد النظام الوطني الصامد في سوريا !
ان هذا الفرز الطبقي بين الامبرياليين الجدد ومجروراتهم وبين المناضلين وشعوبهم ضد الامبريالية بضواريها القدامى والجدد،هو بمثابة هدية غير منتظرة الى الثوريين والوطنيين الطليعيين الذين يجدر بهم ان يشكروا مُهديها ولو انه "مُكرها اخاك لا بطل " . فهذا الفرز اراح الثوريين و الوطنيين الطليعيين من اعباء معركة طويلة كان عليهم ان يخوضوها بين كفاح وتوعية بين شعوب هم لاقناعها بان أعداءها الطبقيين – اي مستغليها ومضطهديها يخدعونها تحت قناع "الاخوة العربية" و "الاخوة الاسلامية" حتى يواصلوا استغلالهم و اضطهادهم لها . كما أن هذا الفرز سيساعد حركات التحرر الوطني على ترقية برامجها وتنفيذ برامجها لصالح جماهير شعوبها الكادحة ، اكثر فاكثر لتغدو حركات تحرر وطني و اجتماعي في نفس الوقت وهذا ما اعتقد انه سيتم في سوريا قبل غيرها و حال انجاز انتصارها الحتمي على مثيري حرب الاستنزاف الامبرياليين العريقين و الجدد . ومن هنا استعارتي لمقولة : من المر يخرج الحلو.
قد يسألني البعض او كثيرون : على ماذا تستند في ادعائك بحتمية انتصار سوريا ؟ فاقول انني استند الى وقائع تكررت في عالمنا المعاصر واكدت ان شعبا باكثريته الساحقة جدا جدا كما هو حال الشعب  السوري، ونظاما كالنظام السوري – مهما كان لديكم او لدي من مآخذ عليه – منسجمين بارادتهما الوطنية، لا يمكن لاية قوة ان تقهرهما . خذوا المثل من كوبا – التي استحقت اسم جزيرة الحرية بكل جدارة – التي تتعرض لحصار اقتصادي امبريالي امريكي منذ نصف قرن ونيف عدا التهديدات و اعمال التجسس ومحاولات الاغتيال التي تعرض لها قائدها الاسطوري فيديل كاسترو ومحاولة الاعتداء العسكري التي قامت بها الولايات المتحدة الامريكية مرة واحدة تعلمت فيها الا  تعود لمثلها ورغم كل ذلك لم تركع كوبا ولم تتخل عن طريقها الثوري المعادي للامبريالية . لماذا ؟ لان ارادة شعبها و ارادة نظامها منسجمتان واما نتيجة صمودها فهي العزلة التي وقعت فيها الولايات المتحدة نفسها بعد التغيرات الثورية التي نشأت في عديد من اقطار امريكا اللاتينية التي الهمها النموذج الكوبي وهكذا كما ترون انقلب السحر على الساحر . فلماذا لا ننتظر بان تغدو سوريا ، وبعد كل ما مر عليها من تجارب ، هي النموذج الكوبي في هذه المنطقة من العالم المسماة العالم العربي ؟!
ان الحصار الذي تمارسه الولايات المتحدة الامريكية وشريكاتها المتنفذات في الاتحاد الاوروبي ضد سوريا  ، والذي يهددون بتشديده صباح مساء ليس عمليا سوى جزء من الحرب النفسية التي ترافق حربهم الاستنزافية عليها . فسوريا كما يعرفون في قرارة انفسهم ليست بحاجة اليهم وكما قال وزير خارجيتها وليد المعلم اننا شطبنا اوروبا من خرائطنا .
و اما " اللماضة" التي يمارسها باراك اوباما ووزيرة خارجيته ، ويمارسها نيكولا ساركوزي ووزير خارجيته وغيرهم وغيرهم من رؤساء ومسؤولي حكومات الدول الامبريالية تجاه الرئيس بشار الاسد ، فهي ايضا جزء من الحرب النفسية ذاتها وستذروها الرياح هي وتصريحات اردوغان التركي وثباتيرو الاسباني الذي ارسل مبعوثه الخاص الى دمشق لدعوة الرئيس بشار الاسد الى اللجوء لبلاده .
إن سوريا التي بشعبها وجيشها ونظامها تذود عن سيادتها وحريتها اليوم انما تخدم ايضا وفي الوقت نفسه مصلحة كل شعوب هذه المنطقة بما فيها شعب الاكثرية في اسرائيل – الذي ما زالت اكثريته الساحقة مخبولة بدماغوجية الصهيونية . وهذه الشعوب التي شربت كأس المر الامبريالي على مدى قرن ونيف من الزمان لن تنسى لسوريا فضلها هذا . وسيأتي يوم ، وهو ليس ببعيد ، تحني فيه هذه الشعوب رؤوسها احتراما لسوريا وتشكرها على ما قدمته لقهر العدو الامبريالي المشترك ولتنظيف المنطقة من وجوده .
وكلمة اخيرة اوجهها الى الذين شاركوا عندنا - اي في اسرائيل ومن مواطنيها وخاصة العرب في حملة " شد المراجل" على سوريا خلال الهجمة العدوانية التي تعرضت و ما زالت تتعرض لها حاليا ، لأقول لهم تذكروا ان الدولة التي انتم مواطنوها معتدية على سوريا وتحتل جزءا  من اراضيها منذ اربعة  واربعين عاما . وان الواجب الاممي و الاخلاقي يقتضي التضامن مع سوريا المعتدى عليها وذلك في تشديد النضال داخل اسرائيل وبكل الوسائل المشروعة ، من اجل انهاء هذا الاحتلال الذي يصر حكام اسرائيل على مواصلته . فهذا هو واجبكم الذي لا مهرب منه . اما استبداله ب " شد المراجل" على سوريا فلا تفسير له في الظروف القائمة الا بانه نفاق تمارسونه لصالح اسياد الدولة الشوفينيين المعتدين .

 

(انتهى)

قد يهمّكم أيضا..
featured

لروح المرحوم د. محمود عمري: وداعًا أيها الرفيق

featured

معركة الإنتخابات انتهت والمهام الكبيرة امامنا

featured

نحن "القوَّة الثالثة" في الكنيست "والقوَّة القومية الثانية" في الدولة!!

featured

كلمة لا بل منها عن القائمة المشتركة الديمقراطية

featured

مجدل شمس درة الجولان الأشم

featured

حزام الأمان الفلسطيني المفقود

featured

قراءة في المشهد العراقي

featured

ماذا يتمخض عن مؤشرات الغزل الطارئ بين الادارة الامريكية وسوريا؟!