لم تكن امبراطورية مردوخ الأولى أو الفريدة من نوعها سواء في سنوات التألق والتفوق أو بعد أن بدأت تقضمها أَرْضَةَ الإفلاس فالاعلام بشقيه المرئي والمسموع والفضائي والأرضي لم يسلم من ظاهرة الاحتكار وما يشكله اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة من وسائل الاعلام هو إقطاع بامتيازين أولهما مالي والآخر أيدولوجي لأن هذا الإعلام المملوك والمطوّب سياسياً لصالح الصهيونية ينافس السّلاح النوّوي سواء في استراتيجيته أو تهديده الذي ينتهي في أسوأ الأحوال الى توازن رُعب.
وفي عالمنا العربي اقترن الاعلام الفضائي منذ نشوئه برجال المال بعد أن أسالت الأمية السيّاسية والاعلام الرسمي الدّاجن لعابهم على السّلطة، فكان ما يسمى زواج السلطة والمال مسؤولاً عن انجاب كل الكوارث التي عرفها العرب المعاصرون. ولم تنفع كل محاولات الطلاق لايقاف المال المسيّس عند حد.. لهذا كان الخُلْع.
كان للاقطاع الأرضي ثقافته وأعرافه فيما يتعلق بملكية الأراضي، وكان الميراث كله من نصيب الابن البكر، ونتج عن هذا دراما اجتماعية وسياسية في الغرب أفرزت بدورها نُظُماً لم تدم، ومنها أسرة آل بوربون التي قال عنها الشاعر جاك بريفير أنها لم تتقن العد حتى العشرين وانتهت عند لويس التاسع عشر..
لكن زوال الاقطاع على الأرض لم ينه المسألة أو سرعان ما تجلى في صور حدثية ومنها الفضاء، فمن يملكون الفضائيات أكثرهم من رجال الأعمال، والاعلانات المفرطة حتى الغثيان هي عنصر أساسي في هذه التجارة، ومعنى ذلك أن البشر محكوم عليهم اعادة انتاج أسوأ ما في الماضي حتى لو استوطنوا المريخ أو الزُّهرة، لهذا ينسب الى أحد أبرز أثرياء العالم حسب مجلة فوربس لعدة أعوام أنه قال لو أن الثروة وزعت على سبعة مليارات انسان بالتساوي لعادت خلال عام واحد الى جيوب من احتكروها، وهذا قول يقبل عدة تفاسير بدءاً من الاستخفاف بالبشر وانتهاء بثقافة المافيا..
الاقطاع الفضائي له أساليب غير تقليدية في الربح والخسارة، فهو قد يخسر بمقياس الحواسيب التجارية المألوفة، لكنه يحصد أرباحاً سياسية ومالية أيضاً من النافذة أو من الباب الخلفي، اضافة الى كونه يحتكر الإعلام وَيُجيّرهُ لصالحه، لأنه ما من مثقف أو اعلامي أو حتى رجل مال واعلام إلا وله مصالحه المرتبطة بالشريحة أو الطبقة التي ينتسب اليها، ولا أظن أن مثل هذا المجال الفضائي والحيوي جمعيات خيرية، أو مشاريع لوجه الله تعالى.. والمشهد الفضائي الآن مكشوف تماماً، وان غُطيّ فإن غطاءه مجرد غربال!
ان مئات الفضائيات المكرسة ايديولوجياً أو تلك التي تستهدف الوعي وتسعى الى تجريفه وقطعنة البشر من خلال العزف على أشد الأوتار بدائية وهو وتر الغريزة ليست خارج مفهوم الاقطاع، وكل اقطاع يقتضي بالضرورة قطعنةً معينة بحيث يتحول الناس الى قطع غيار متشابهة ولا يفرق بينهم غير الأسماء وهي في النهاية لا قيمة لها لأنها ليست من عنصار تكوينهم!
والغرب الذي شهد ثورات جذرية ضد الاقطاع قدر تعلقه بالأرض وأنماط الانتاج ارتهن في مرحلة ما بعد الحداثة الى أنواع أخرى من الاقطاع وهي أشد خطراً لأنها متعلقة بمفاهيم ووعي ورأي عام!
()
