تميز هذا الصيف بالحر الشديد على جميع الأصعدة، حتى أصبحت شاشات أجهزة التلفزة على وشك الانفجار والتناثر مثل نيازك محترقة في كل اتجاه. فما يجري من جرائم يومية ترتكبها الأنظمة المستبدة ضد شعوبها في شوارع المدن العربية لا يمكن أن تتحمله العيون ولا العقول ولا الضمائر، وهو يشبه تحويل الزمن إلى أجندة "قتل متسلسل" من قبل الحاكمين لشعوبهم.
إن مسلسل الرعب الدموي الذي تشنه الأنظمة على مواطنيها يبدو كأنه "العرض الأول" الذي لا ينتهي لشدة دمويته وإيغاله في الجريمة المنظمة. وقد يضيع على المواطنين هنا أو في العالم العربي في زحمة ما يجري من أحداث ومآسٍ في شوارع المدن العربية متابعة ما يجري عندنا من نشاطات إجرامية مدروسة، يدبرها المستوطنون بتوجيه من مجلس المستوطنات في الضفة الغربية، أي أن تحويل الأمكنة إلى مسلسل رعب لا يتوقف صار هو الوضع البديهي الذي يجري باستمرار.
وكبركان شرير لا ينتبه إليه أحد إلا في لحظة هيجانه، أو في لحظات تصدره شاشات الحدث عقب جريمة كبرى، أغمض العالم عيونه عنا، فبات العنف المجنون الذي يُرتكب من قبل هؤلاء مثل طبق مسموم يتجرعه الناس في بلدنا بيأس داخلي يحاول إخفاء المصيبة عبر تجاوزها بحلول مؤقتة.
أما المواطنون الإخوة في البلاد العربية، فيكفيهم همّاً ما يجري عندهم من تقتيل واستباحة يعودان إلى عصر تيمورلنك وهولاكو. هكذا صارت الاعتداءات اليومية على الناس وحرق وإعدام مئات أشجار الزيتون وتدمير وهدم الأمكنة أو تلويث الأماكن المقدسة أو المدارس بالشعارات القذرة التي تعكس نفسية هذه القطعان السائبة لعنةً يوميةً على كل من يتمتع بذرة إنسانية.
مؤخراً انطلقت هذه القطعان تحت جنح الظلام إلى جامعة فلسطينية عريقة، ولوثت جدرانها بشعارات عنصرية قبيحة هي جديرة فعلاً بإعطاء فكرة عن نوعية أصحابها الغزاة. رد الفعل الأولي من قبل الجامعة كان إعادة تنظيف الحوائط، كما تم تنظيم إضراب عن الدراسة في اليوم التالي. وهذا لا يكفي، فقد كان جديراً بالجامعة أن توثق الحدث وأن تقدمه إلى مجالس الجامعات في العالم كي يعرفوا عن أية عينة من سوائب البشر نتحدث. وحتى لو لم تُفكر الجامعة في تغطية الحدث عبر شبكات الأنباء والتلفزة، فقد كان على شبكات التواصل الاجتماعي أن تنقله وتعممه على جميع أمكنة العالم. وإن كان الأكاديميون قد نجحوا إلى حد معقول في لفت انتباه العالم إلى الفاشية التي تطبق على الفلسطينيين ظلماً وإهانات وسرقات مستمرة، فهذا لا يكفي. يجب أن يعرف الطلاب أنفسهم، وليس الأكاديميون وحدهم، كيف يتصرفوا تجاه هذه الجرائم. وأول الغيث خطوة، أي توثيقها.
ولن أقترح شيئاً وحدي، فهذه مسؤوليتنا جميعاً. حتى الهواتف المتنقلة التي صورت وما زالت تقوم بتصوير ونقل ما يجري في شوارع المدن العربية الملطخة بالدماء يمكن لها أن تنقل للناس في كل مكان ما يحدث في فلسطين الآن، وأن تنقل ما يجري أولاً بأول من حرب إبادة على الشجر والبشر هنا، وعلى كل شبر من أرض فلسطين.
لقد كان إحساس الفلسطينيين دوماً بالانعزال عن العالم بأجمعه قائماً على الأسلاك الشائكة والحواجز والجدران الإسمنتية السميكة والعالية التي تنتصب حولهم، إضافة إلى الاعتقالات والمطاردات العنصرية من قبل الجيش والمستوطنين. والآن سقط حاجز إخفاء الحقيقة، وصار بإمكان أي مواطن في العالم أن ينقل لغيره ما يحدث على أرضه. ومنابر التواصل الاجتماعي بأشكالها وأنواعها تقدم لنا الفرصة لإيجاد فرص جديدة لإطلاع الغير على ما يجري، وتقديم ما يدور حولنا لحظةً بلحظة.
الخطر الأعظم هو الشعور بأن ما يدور هنا في فلسطين صار اعتيادياً ومتكرراً، إلى درجة تشبه أن تجعله خافياً عن العيون عندنا أو في الخارج. فالناس هنا يعانون الأَمَرّين من صعوبات العيش تحت الاحتلال، بحيث يبدو كأن ما يحدث في مسلسلات الاستيلاء اليومية على الأراضي وبتر وقطع وحرق الأشجار في بيت ُأمّر في منطقة الخليل أو في بورين قرب نابلس مثل حدثٍ يومي قد يمرّ دون أن يكتشفه المواطنون في قرى ومناطق أخرى، إلا إن تابعوا النشرات الإخبارية أولاً بأول، وهذا لا يكفي طبعاً. ولا يكفي، أيضاً، أن تتصدر هذه الأحداث صفحات الصحف الصباحية أو عروض نشرات الأخبار المحلية في التلفزيون الوطني.
يجب أن يصبح كشف الحقيقة من صميم حياتنا اليومية، وأن يعرف الجميع أن نقل الوقائع وظيفة مستمرة لا مناص من القيام بها مهما حدث. وعلى كل فرد أن يمتشق هاتفه وأن يصور ما يجري، وأن يعاود إرساله إلى هذه الشبكات التي توزع المعلومات. لا يكفي أن نعتمد على الناشطين الدوليين لنقل الأحداث، أو أن نبحث عن طريقة إصلاح ما يقوم هؤلاء الأشرار بتدميره لأن الزمن لن يكفينا في هذه الحالة.
فقط، أن يتحمل كل فرد فينا مسؤولية الكشف وإشهار ما يجري هنا في الواقع على أرض فلسطين.
