إما أن نكون شعبا، ونتصرف كشعب، أو لا نكون...(1-2)

single
لم يؤدِ الحراك الجماهيري الاسرائيلي الذي يطالب بالعدالة الاجتماعية، إلى اعتزازي "بوجود شعب إسرائيلي افتخر بالانتماء إليه...". لكن ازداد عدم اعتزازي ببعض قيادات عربية تمثيلية وبكتبة مقالات قرروا أن لا دخل لنا في هذا الحراك، بحجة أننا بقية شعب، احتلت الحركة الصهيونية وطنه وشردته، وأقلية قومية تعاني من سياسة التمييز العنصري، وقضايانا مختلفة. بناءً عليه – يضيف البعض - صراعنا صراع وجود في مواجهة حكم كولونيالي. وحل هذا الصراع يكون عن طريق النفي، فإما وجودنا وإما وجودهم. ولذا علينا ألا نتصرف كإتحاد عمالي نقابي يسعى لتحصيل مطالب اجتماعية ــ إقتصادية.
مرّة أخرى "يقصفنا" خطاب المحقين الراديكاليين العرب... بمدافعة الثقيلة. علما بأنه مشلّح وليس بمسلح. ويكاد يصّم أذننا ويحجب الرؤية عن اعيننا بقنابله الصوتية والدخانية... الكلامية طبعا. فلا يمنع أمرا مكروها ولا يحقق انجازا مطلوبا.
" يا بشرب من رأس العين، يا بموت عطشان. يا بأخذ وحدة شلبية، يا بحلف عالنسوان" ــ يزاود بعض سياسيينا وصحفيينا، لا المغني فقط في أغنيته الساقطة والمتخلفة. هذا دون أن يروونا من رأس العين، ولا من وسطه وطرفه أسقونا. وبقينا وحيدين عطشانين لخطاب ولفعل الفاعلين، تحت لهيب الخطابات والمواقف الكلامية النارية وغير الفاعلة.
يظهر، كما تدل تصريحات وردود فعل بعض السياسيين العرب، أننا اعتدنا إلى حد الاستمراء لكوننا مفعولا به لا فاعلا. وإن فـَعـَلنا يكون فِعلنا رد فعل كلامي لتسجيل الموقف، لا مبادرة لموقف ولا ممارسة لتحقيقه. هذا مع العلم أن لغتنا الجميلة غنيّة بأفعالها. وهي لا تقتصر طبعا على أفعال: صرّح، وزاود، وقرّر، وأرسل. وإنما فيها أيضا، لعلم قياداتنا، أفعال: طبق، نفّذ، مارس، جدّد، واستمع... إلى نبض الشارع.
    
خصوصية ...العام
     شيء جديد ونوعي يولد في المدن الإسرائيلية. لأول مرة تخرج للشارع النضالي وبجماهيرية متعاظمة، "القبيلة" اليهودية الخرساء النائمة والمسجونة ضمن عنكبوت ــ فزاعة الأمن والعسكر، والمسمّمة بقومجية ووطنجية شوفينية وعنصرية. تخرج لا لتهتف كالقطيع لملك إسرائيل "الحي القيوم"، ولا لتهلّل للجيش الذي "لا يُقهر"، ولا لتزعق "الموت للعرب". وإنما لتمارس قرارها: " الشعب يريد العدالة الاجتماعية".
أمر جديد ينهض أمام اعيننا. تقول الأغنية العبرية: "فجأة نهض إنسان في الصباح، شعر أنه شعب، وبدأ بالمسيرة...". فما بدأ باحتجاج بضع عشرات على غلاء سعر لبنة "الكوتيج"، وتبعته مطالب فئوية لقطاعات اجتماعية مختلفة، أصبح حركة جماهيرية بمئات الوفها التي توحدت تحت سقف: " الشعب يريد العدالة الاجتماعية". والعدالة الاجتماعية أصبحت تعني وتشمل، كما تطوّر تنظير المعتصمين من خلال الممارسة: دولة الرفاه، والتوزيع العادل للثروة، والتكافل الاجتماعي، وتطوير الخدمات. وكل هذا يعني تخفيض أسعار السلع الحيوية ورفع أجور الفئات المتوسطة والفقيرة وتوفير المسكن ودعم الخدمات الاجتماعية والصحية والتعليمية وتوفير فرص العمل للمحتاجين. هذا إلى جانب التركيز على تطوير المناطق الجغرافية المهملة في البلاد وعلى دعم الفئات السكانية المهمشة. وهنا يجري ذكر المواطنين العرب أيضا ومناطقهم.
أي أنه ما من مطلب طرحه هذا الحراك الجماهيري المبارك إلا وكان عادلا. ويخص العرب بعموميته وبصفتهم مواطنين في هذا البلاد، وبخصوصيتهم لكونهم الأكثر فقرا اقتصاديا واجتماعيا والأحوج للأرض وللمسكن وللعمل والعيش الكريم وللدعم الاجتماعي. لكن العرب مغيّبون تمثيليا تغيّبا ذاتيا، بين مجموعات قيادات هذا الحراك، وجماهيريا بين مئات ألوف المعتصمين والمتظاهرين. وبدلا من تدارك هذين الأمرين، يلجأ بعض السياسيين الحزبيين والصحفيين العرب إلى تحذير شعبهم من أن تلبية مطالب قادة الحراك سيكون على حسابهم كعرب(؟!).فهؤلاء صهاينة يريدون عدالة اجتماعية لليهود فقط، والاعتماد على نضال مشترك معهم ضرب من العبثية. ولا حاجة للانبهار بهم حتى النشوة، أو التعويل عليهم مهما تجمّّلوا. ومن العار أن يخفـّض العرب سقف مطالبهم وأن يتنازلوا ويتراجعوا ويتوسلوا حتى يُلحقهم الآخر الكولونيالي بنضال مشترك لصالحه...الخ الخ، من قصف ثورجي إنشائي، لا يمت لحقيقة واقع المسألة المطروحة الآن والمطلبية. كذلك هو قول البعض إن "أي مطلب لا يُغير الأساس القانوني للعرب يكون شكليا".
هذه فذلكة متفذلك يلجأ لوضع أقوال ومواقف خاطئة لدى خصمه لتسهيل مهمة دحضها وتخطيئه وتجريمه. فما من جهة "عوّلت وتنازلت، وتوسّلت، وتراجعت، وانتشت، وخفضت، واعتمدت...الخ". ولم يتحفنا هؤلاء النقاد الراديكاليون بأي تفسير من عندهم يدحض عدالة المطالب الاجتماعية الاقتصادية والمدنية التي طرحتها وبلورتها مجموعات الحراك الاجتماعي، ولا أي إنكار لكون المواطنين العرب الأحوج إليها. إذًا على شو هذه الجعجعة بدون طحين؟
 أما الادعاء بأن حلها سيكون على حساب العرب...فتلك مسألة خلافية أخرى. إذ ان تخفيض الأسعار ورفع مستوى الأجور والخدمات الاجتماعية ودعم الفئات الفقيرة والمتوسطة... هي مطالب تخصنا. ولا يمكن أن يكون حلها على حسابنا، لكونها مطالب عادلة وعامة للمواطنين عموما. وقادة الحراك لا يطلبون حلها على حسابنا، بل يطالبون بمشاركتنا في النضال لتحقيقها. وإذا ما قررت الحكومة الإسرائيلية حلّ بعض المسائل المطلبية على حسابنا – مثلا قضية الإسكان - نتصدى لها. ونجنّد قادة الحراك لجانبنا في هذا التصدي من باب أن "العدالة الاجتماعية" لا تتجزأ، ولا تكون عدالة إن كانت عنصرية. وإذا لم يتجاوب معنا عندها قادة الحراك... نواصل كفاحنا الخاص وطرح مطالبنا. أصلا نحن لا ندعو لمشاركتهم في الكفاح لأجل عيونهم...بل لأن مطالبهم العامة مطالب عادلة وتخصنا أيضا.
أما الادعاء بشكلية المطالب وعدم أهميتها ما دامت لا تغير الأساس القانوني للأقلية القومية في وطنها...فهذا تطاول على تجربتنا التاريخية في هذه البلاد وإنكار لكفاح ومنجزات العرب المطلبية منذ الـ 48 وحتى يومنا هذا. ومزاودة تحمّل نضالنا المطلبي المدني والاجتماعي مهمة إزالة غبن سياسي تاريخي أصبح عمره اليوم 63 عاما. نعم ما من حل جذري وأمثل من تغيير الأساس القانوني والاعتراف بنا كأقلية قومية هي البقية الباقية من أهل البلاد الأصليين وإلغاء العنصرية وجعل الدولة دولة مواطنيها والضمان الدستوري للحقوق القومية والمدنية الجمعية للأقلية. لكن أين الشكلية في انتزاع أي حق ومكسب على هذا الطريق نحو الحل الأمثل؟! كل مطلب انتزعناه وحققناه منذ الـ 48 عزز من بقائنا وصمودنا ورفع من سقف تطلعاتنا. وساهم في بلورة هويتنا القومية والوطنية، وأوصلنا لطرح مطالب أكثر جذرية، بما فيها الحقوق الجمعية القومية ودولة المواطنين.
يُشكل العرب 20% من مواطني هذه الدولة التي نريدها دولة مواطنيها. ولأننا نريدها هكذا، من واجبنا أن نمارس مواطنتنا المسلوبة، لا أن نستكين لكونها دولة يهودها وعنصرييها. ونحن كعرب وكمواطنين نريد أن نحيا ونأكل ونشرب ونرتدي ونسكن ونتعلم ونعمل وننشئ أبناءنا ونتعالج طبيا ونشيخ ونتقاعد... باكتفاء اقتصادي وخدمات اجتماعية تضمن احتياجاتنا الحياتية اليومية وكرامتنا المعيشية. بناء عليه، من واجبنا المشاركة الفعالة والفاعلة في الحراك الاجتماعي العام دون أن نغفل مطالبنا الخاصة كأقلية قومية تعاني من العنصرية والتميير والإقصاء والتهميش. ولا توجد أية أقلية قومية تعاني من التمييز القومي في دولة في العالم، عزلت نفسها بنفسها وبإرادتها عن الحراك العادل لقومية الأغلبية. بل هذا كان هدف دين وديدن السلطة العنصرية الحاكمة، في كل زمان ومكان. أما انعزال الطليعة السياسية الحزبية والمنظمة عن هذا، وعن القضايا المطلبية المعيشية للناس، فيقود إلى انعزالها عن شعبها ومطالبه أولا.
     
عمومية... الخاص
نعم، للعرب قضاياهم الخاصة أيضا. ويصعب عليهم أن ينسجموا مع كل ما يصرح به قادة مجموعات ذاك الحراك، وما يرفعونه من شعارات وأعلام وينشدونه من أناشيد قومية. لكن بإمكان الخصوصية العربية أن تجد وتبلور المشترك العام في إطار مطالب مجموعات الحراك، دون التنازل عن طرح أجندتها العربية الخاصة المتماهية مع المطلب العام بالعدالة الاجتماعية. وليس من مصلحتي كعربي، بل من المسيء لقضيتي قوميا ومدنيا، أن أشدد الآن على إبراز الفوارق والتمايزات في الدوافع والخلفيات والمطالب... بيني وبين اليهودي من قادة الحراك. هذه انعزالية وفجاجة تهدف إلى تبرير التقاعس عن المشاركة الفاعلة، وتقود إلى المزيد من تهميشي وإقصائي كمواطن، وإلى إضعاف النضاليْن: المطالب العامة المشتركة التي هي لصالحي أيضًا، والمطالب الخاصة بي كأقلية قومية مميّز ضدها والتي أريدها أن تصبح مطلبا عاما.
لا توجد عندي أية مشكلة في فهم وتفهم المواطن العربي الذي يشعر بالغربة عن المجتمع اليهودي الذي قام على حساب مجتمعه. واقترفت حكومته كل الموبقات العنصرية بحقه بهدف تهجيره وتغريبه وتهميشه وإقصائه. ولا أعاتب العرب لمشاعر اليأس والإحباط وفقدان الأمل من يقظة مدنية كانت مأمولة لهذا المجتمع طال انتظارها. عتابي على قوى سياسية عربية، طليعة مدنية حضارية ومدنية، تؤدلج هذه العزلة وتحوّلها إلى مطلب قومي وثوري... للمعزول!
يختبئ دعاة الانعزال وراء أقوال صحيحة مثل القول إن العراقيب ليست تل أبيب. ومن الضروري والهام ان ننصب خيم الاعتصام والاحتجاج في بلداتنا العربية ورفع المطالب الخاصة بشعبنا. وأن قادة الحراك الاجتماعي في البلدات اليهودية يفصلون ما بين السياسي والاجتماعي ــ الاقتصادي. ويصل الأمر بغلاة الراديكاليين الثورجيين من بينهم إلى حد تحذيرنا بأن الإسرائيلي يطرح مطلب العدالة الاجتماعية "في سياق صهيوني" ويطالب عمليا " بعدل كولونيالي"، وهو خرّيج وحدات قتالية " قتلت وشردت شعبنا واستعمرت أرضه"... الخ،الخ.
     الحمد لله، الذي لا يُحمد على مكروه سواه، أن أحدا منا لم يطالب قادة هذا الحراك الجماهيري الاجتماعي العادل بالإعلان عن قناعتهم الصوانيّة بضرورة إزالة دولة إسرائيل من الوجود ورمي يهودها في البحر، إلا أولئك اليهود الذين يجهرون مشفوعين بالقسم، بأن الصهيونية حركة استعمارية وفاشية ونازية يجب قتل كل أتباعها. عندها نقبل مشاركتهم في النضال لتحسين ظروف معيشتنا في... إسرائيل!
الغريب العجيب هو لجوء بعض هؤلاء "الثوريين" إلى مقولات فكرية جدلية، هيغيلية ماركسية، من خلال الفهم الخاطئ لها مُضفين عليها نقيضها ــ أي الميكانيكية بدل الجدلية. فالأمور عندهم تنحصر ضمن تأطير "إما...أو"، يا أسود يا أبيض. وبشكل تسطيحي ينفي جدلية "الإما" "والأوْ" و"الخاص والعام" و "السياسي والاقتصادي الاجتماعي" و"القومي والوطني" و "الحلم والواقع" و "الثوري والمطلبي"...الخ.
ما من تناقض عدائي بين النقيضين في المقولات أعلاه. فإبراز خصوصية قضيتي ومطالبي كمواطن عربي ونصبي لخيم الاحتجاج في بلداتي العربية، لا يعني التنكر للعام الذي يخصني وللخيم في الوسط اليهودي. فأنا أعمل وأناضل على أرض وفي فضاء هذا المجتمع العام. ومشاركتي في "احتجاحات روتشيلد" لا تتناقض في أن أقيم الدنيا ولا أقعدها إحتجاجا ونضالا خاصا في بلداتنا العربية - (لكنهم لا يقومون بهذا الخاص وينظّرون ضد المشاركة في العام). ثم ما من نضال مطلبي اجتماعي واقتصادي إلا وله خلفيته السياسية، والعكس صحيح أيضا. وهذه مسألة تراكمية لا أوتوماتيكية. ويستغرق الناس وقتا طويلا وتجربة متواصلة ومتطورة حتى يربطوا ما بين تحصيل حقوقهم المطلبية المعيشية وتغيير السياسة العامة، بما فيها سياسة الاحتلال والاستيطان.
لكن هذا لا ينفي شرعية وضرورة واهمية النضال لتحقيق مطالب اجتماعية مدنية دون إحداث الإنقلاب الثوري السياسي المنشود. ثم من الخطأ عدم رؤية نواة السياسي في الاحتجاج الاجتماعي. فالحراك الحاصل هو، حتى لو لم يُصرح أصحابه بهذا، ضد السياسة الاقتصادية للحكومة وقد يؤدي إلى انتخابات قريبة واسقاطها. وعندما تعجز هذه الحكومة عن تلبية كل مطالب هذا الحراك الاجتماعي (وستعجز) تنفتح الآفاق نحو قطاعات واسعة لربط معاناتهم بميزانيةــ سياسة ــ الحرب والعسكر والإحتلال والاستيطان. ثم ما من أحد طالب عرب هذه البلاد بعدم إبراز هذا الإرتباط وبضرورة تصعيد النضال ضد الاحتلال والتمييز العنصري. فهذا مطلوب منهم، ومن خلال مشاركتهم في النضال الاجتماعي العام... وتصعيد نضالهم الخاص.

 

(يتبع)

قد يهمّكم أيضا..
featured

«النصرة».. نحو نظام إقليميّ جديد؟

featured

تخيّلوا أن نتنياهو اعْتُقِل في لندن

featured

المقاطعة تزلزل الإحتلال

featured

نحو إنشاء إطار تنظيمي يمثل المحامين العرب في اسرائيل

featured

لترميم شارع اقرث وعودة اهلها المهجرين

featured

دوّار الفلك دوّار

featured

للمرأة مكانة هامة...

featured

ذكريات ختيار لم تمت أجياله (35)