كانت الأعراس في تلك الأيام قليلة نادرة الوجود نظرا لتكاليفها الباهظة وندرة النقود في جيوب الناس... ولكنني لا زلت أذكر وقائع بعض تلك الأعراس التي شهدتها في طفولتي، وشدة وقعها في نفسي، قبل أن ندخل عصر البذخ والتبذير والمظاهر الخادعة والكاذبة...
كانت بيوت القرية الصغيرة لا تتسع لتلك الجموع الغفيرة التي كانت تنتظر بفارغ الصبر إحياء عرس أو اثنين طيلة السنة بأسرها لتبقى بقية الأيام تمر بطيئة متثاقلة يلفها الضجر ويقتلها الملل... فكان الناس والحالة كهذه يعدّون قطعة أرض خالية لتتسع للمشاركين والمدعوين من أهل البلدة وجوارها وكانت المشاركة في تلك الأيام تكاد تكون عامة شاملة وكان هناك من يحضر دون الانتظار لتلقي دعوة وبدون تكلف...
ويبدأ الاستعداد والإعداد للعرس قبل موعده بعدة أسابيع، إذ لم تكن الإمكانيات متوفرة والأمور متيسرة كما هي الحال في هذه الأيام ووسائل الراحة الحديثة تكاد تكون معدومة... ولم تكن الناس "متخمة" ولم تكن "كأسها مترعة" وكنا نعاني من نقص "في الأموال" ونشهد قلة في كل شيء...
كان لا بد من إقامة الأعراس أيام الصيف لأنها كانت تعقد في الهواء الطلق وليس في القاعات المكيفة أو "المكندشة" على حد تعبير أهل الخليج!!... فالصيف بحسب المثل العامي "بساطه وسيع"... واتقاء لحر الشمس الساطعة كان الخيار غالبا ما يقع على قطعة من الأرض القريبة من مشارف البلدة والمغروسة بأشجار الزيتون الرومي القديم والوارفة الظلال ليتظلل الناس بظلها...
لو كان الأمر كان يقف عند هذا الحد لهانت الأمور ولكن الشدة كانت تلقي بظلالها على كل مناحي حياتنا... فلا ماء جار يروي عطش الظمآن ولا كهرباء تسطع لتنير ما حولها وتبدد الظلمة ولا اثر لمعالم الرفاهية التي نرفل بها في عصرنا الحاضر...
كان لا بد من وسيلة لنقل الماء من العيون والآبار المحيطة بالبلدة وعادة ما كنا نستعمل الحيوانات لنقله ولزوم الماء أيام الصيف القائظ، ليطفئ الناس عطشهم، لزوم الجسد للروح ناهيك عن استعمال الماء لأمور أخرى كالغسل والطبخ والى ما غير ذلك من احتياجات ضرورية وملحة...
ومن أجل إنارة المكان أثناء الليل وخصوصا عندما تشتد ظلمته كان لا بد من عملية لقطع الحطب من الوعور، وهي عملية شاقة مضنية بحد ذاتها، وتجميعه بكميات كافية لتستمر لعدة أيام لإشعاله وللاستضاءة بنوره أولا ثم لاستعماله في إعداد القهوة العربية "السادة" التي هي من ألزم لوازم العرس ولطهي الطعام وتقديمه للمدعوين على مدى أربعة أو خمسة أيام وربما أكثر حسبما تقتضيه العادات والتقاليد وكانت هذه المدة في الماضي البعيد تطول حتى أربعين يوما بطولها!!...
لم تكن الوجبات معقدة ومركبة من عدة أطباق كما هي الحال في هذه الأيام فكانت طبخة ميسوري الحال تتكون من الأرز واللحم أما مستوري الحال فمن البرغل واللحم وفي كثير من الأحيان بدون لحم!!...
كانت البساطة سيدة الموقف في كل ما نفعل فلا هدايا فاخرة ولا "نقوط" دسم لسد تكاليف "المنتزه" الباهظة!!... وكانت الهدية الأكثر رواجا ووقعا في النفوس تلك "المشعلة" البدائية البسيطة المكونة من خرقة من القماش مبلولة بالكاز والتي كنا نحملها لندخل بها إلى ساحة العرس، ليخرج أهله لاستقبالنا، كاستقبال الفاتحين، مهللين مرحبين بقدومنا...
كانت حلقات السمر والسهر تمتد حتى ساعة متأخرة من الليل وخصوصا في الليالي المقمرة حيث يطيب السهر على ضوء القمر فيجتمع الرجال في ناحية من المكان يتسامرون ويتبادلون القصص والأحاديث ونوادر الزمان وأخبار تلك الأيام بينما تجتمع النسوة في الناحية الأخرى يغنين ويرقصن وهن منهمكات في إعداد الطعام...
وتدب الحرارة في جسد العرس كلما اقتربنا من يوم الزفاف فيحضر من لم يحضر في الأيام الماضية ويبدأ الزمّار والحادي أغانيهم الشجية من عتابا وميجانا تشق حجاب الليل وتصدح في غمرة السكينة بدون مكبرات الصوت الحديثة التي تصم آذان الناس وتسبب لهم الصمم والطرش...
أما ذروة الحدث، كما في الرواية الأدبية، فتكون في عصر ذلك اليوم المشهود الذي سيخرج فيه العرس من مكانه ليطوف بالعريس في كل أنحاء البلدة بعد أن يكون قد خرج لتوه من "حمام الهنا"...
ولمثل هذه المناسبة السعيدة ولمثل هذا الحدث الجلل كانت الخيول العربية الأصيلة المطهمة تضفي على الموكب هيبته وتزيد من جلالته وكانت تقام في بعض الأعراس "ميادين لسباق الخيل"... كان العريس يركب فرسا قد أسرجت يحيط به اثنان من أصدقائه المقربين شاهرين السيوف وقد "غرزوا" في رأس كل واحد منها "كوزا" من الرمان الأحمر اللون... وينطلق موكب "الزفة" بكل بهجته مخترقا شوارع البلدة القليلة المتربة والقريبة من بعضها البعض ليلاقيه الناس على كل ناصية فيكبر جمهور المشاركين ويكبر ويصطف الشباب في صف من "السحجة" العربية قد يطول أو يقصر بحسب وجاهة صاحب العرس ومكانته...
وغالبا ما كان يمر هذا الموكب من أمام بيوت البلدة فيهرع أصحابها لتقديم الحلوى إن كانوا ذوي اقتدار، ورش "الطوفي" على رؤوس الشباب، وان لم يكن فشربة ماء بارد تكفي وتفي بالحاجة!!... ولا ينسون النساء والصبايا المرافقات للعروس في زفتها...
ولعل الأثر الأكبر في كل هذه الاحتفالات السعيدة ذلك (الزجال) الشاعر الشعبي "الحدّا" وكلماته التي تدخل القلوب والعقول ليس فقط لعذوبتها ولعذوبة صوته إنما أيضا لمعانيها العميقة التي تنضح حكمة... ولعل أحد هؤلاء الزجالين الذين لا زلت اذكرهم المرحوم نعيم دلّة، والذي نزح إلى لبنان مع من نزح عام 1948، بعقاله الذهبي المقصّب وقمبازه الأبيض وهو يمر من أمام صف "السحجة" رائحا غاديا يردد بصوت شجي تلك اللازمة العميقة المعنى "دوّار الفلك دوّار"!! والصف يرددها من ورائه... وها أنا اليوم وأنا أتابع الأحداث المتلاحقة والمتسارعة التي تعصف بالعالم العربي من محيطه إلى خليجه ومن مشرقه إلى مغربه تخطر ببالي تلك الكلمات التي تنطبق على واقع الحال والتي تقول بملء فيها: إن دوام الحال من المحال!!...
وها نحن نشهد في هذه الأيام ورغم مرور ما يزيد عن الستين عاما على هذا المشهد دوران أفلاك كثيرة في منطقتنا كان يعتقد البعض أنها ثابتة كالشمس لا تتزعزع وِشهدناها مؤخرا تدور في سماء مصر وتونس ويبقى السؤال المطروح: أين ستدور هذه الأفلاك عما قريب يا ترى؟!...
وتحضرني هنا كلمات الشاعر أبو البقاء الرندي في رثاء الأندلس، المؤثرة والمعبرة، حيث يقول:
لكل شيء إذا ما تم نقصان فلا يغر بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما شاهدتها دول من سره زمن ساءته أزمان
وهذه الدار لا تبقي على أحد ولا يدوم على حال لها شان
دار الزمان على دارا وقاتله أمّا كسرى فما آواه إيوان
دوّار الفلك دوّار!!... ما كان أحكمهم وما أبعد نظرهم!!...
سقوط الدكتاتور وانتصار الثورة
* شاكر فريد حسن *
وأخيرًا انتصرت ارادة الشعب المصري العظيم بعد 18 يوما من الثورة الشعبية الماجدة، التي أشعلها شباب 25 يناير ، وأسقط بفعلها المرابطون في ميدان التحرير نظام حسني مبارك الديكتاتوري، رمز طغمة الفساد والاستبداد والطغيان، الذي حكم هذا الشعب بالحديد والنار وبعسف قوانين الطوارئ الجائرة لأكثر من ثلاثين عاما. هذا النظام الذي لم يكن نظاما قمعيا باتجاه شعب مصر فحسب، وانما كان نظاما قمعيا لكل قوى التحرر والرفض والمعارضة والممانعة والثورية بالمنطقة العربية.
لقد انتفضت الجماهير الشعبية المصرية وثارت لأنها ترفض الذل والقهر والظلم والجور والفساد، وترفض الجوع والفقر والبطالة ، انتفضت على نظام قمعي استبدادي فاسد، انتهك كرامة وحقوق الانسان المصري وحرمه من الحريات الديمقراطية، وحوّل مصر الى مزرعة اقطاعية يورثها لأفراد عائلته. ثارت من أجل الكرامة والحرية والعزة القومية ورغبة في تغيير الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وتحقيق الاصلاحات الجذرية العميقة في المجتمع المصري .
ان هذه الانتفاضة /الثورة /الملحمة التي سطرها أبناء الشعب المصري ، بعماله وفلاحيه وكادحيه ومثقفيه، وشبابه وكهوله ونسائه واطفاله، بمسلميه ومسيحييه، هذه الانتفاضة الثورية اعادتنا الى الحياة مجددا ، وزرعت فينا الأمل الذي كدنا نفتقده، اعادتنا الى الزمن الثوري الجميل ، زمن الثورات والبطولات الجماعية، ونقلتنا من حالة اليأس والاحباط والعجز الى حالة التفاؤل بغد عربي مشرق ومستقبل جديد في مصر والمنطقة العربية.وقد خاب امل وخسر كل من راهن على موت الشعوب العربية وصمتها ، فهذه الشعوب هي صانعة التاريخ ، وصانعة الملاحم والثورات والانتصارات، انها لا ولن تموت، تمهل ولا تهمل، والنظام السياسي العربي الفاسد هو الى زوال. ولا ريب أن سقوط النظام في مصر ومن قبله في تونس الخضراء، هو تعبير عن قوة وارادة هذه الشعوب ، التي توحدت وعرفت كيف تثور ومتى تنتفض جماعيا، ودافعت ببطولة فائقة ومدهشة ، وبسالة وشجاعة متناهية، في وجه البطش والعسف والطغيان، وضد الفقر والفساد بكل اشكاله، وحققت النصر في النهاية. وما هاتان التجربتان الرائدتان في التاريخ الحديث، في تونس ومصر، سوى تأكيد واضح وساطع على القدرات الكامنة لدى الشعوب المسحوقة المضطهدة، التي ترزح تحت نير العذاب والاستبداد، وتعاني الذل والمهانة وسحق كرامة الانسان وسلب الحريات الفردية والعامة.
ان ما يميز هذه الثورة هو انها اعتمدت على الشباب ، امل المستقبل والعنصر الفاعل الأساسي للتغيير، الذي اسقط الطاغية وغّير وجه ومستقبل مصر ، ودفع الاصلاحات الشاملة في طريقها الصحيح. زد على ذلك اللحمة الأخوية الوطنية بين المسلمين والمسيحيين، وعناق الهلال والصليب، التي تجلت في ابهى صورها في ميدان التحرير.
لقد صمد الشعب المصري البطل وكسب معركة التغيير ، ونجح في ازاحة النظام الديكتاتوري وتغييب مبارك عن المشهد السياسي المصري والعربي، واعاد الهيبة والكرامة لمصر، قلب العروبة النابض، التي جردها مبارك من عروبتها وشوّه هويتها القومية.ولا نختلف اذا قلت ان ما تحقق في هذه الثورة البيضاء هو انجاز تاريخي هام ونقطة تحول استراتيجي وتحول في المنطقة ، تنهي مرحلة فيها الكثير من الاذلال والسقوط والانهزام والاستسلام والتساوق مع المشاريع الامبريالية التصفوية في المنطقة، وسيكون لها انعكاسات وأبعاد كبيرة على مجمل التغيرات والتطورات السياسية والاجتماعية والعملية السلمية في المنطقة ، واستعادة وجه مصر المشرق المضيء ودورها الرائد ، وكذلك استعادة كرامتها التي امتهنت بعد رحيل وغياب القائد الوطني المصري العربي خالد الذكر جمال عبد الناصر.
فشكرا لشعب مصر الذي فجّر الثورة وأسقط الفرعون ، وهنيئا لهذا الشعب الذي قال بصوت واحد وموحد : لا للذل والهوان والركوع، ونعم للعزة والكرامة والإباء والشموخ. وهنيئا للشعوب العربية قاطبة بانتصار هذه الثورة غير المسبوقة في التاريخ الحديث وفي العالم العربي، التي ستعيد مصر كدولة عظيمة ومحورية لها مكانتها ودورها الرائد الطليعي في ارساء مرحلة جديدة وعهد جديد ، وتأسيس مشروع عربي قومي مناهض للامبريالية ومشاريعها التآمرية في المنطقة ، الثورة التي اثبتت ان الشمس لن تتوقف عن السطوع، فقد سقطت قلاع الطغيان وديكتاتوريات الخوف بلا رجعة . ومزيدا من الانتصارات للحرية والعدالة الاجتماعية والاصلاحات الجذرية العميقة في المجتمعات والأقطار العربية. والسؤال : من هو القادم بعد تونس ومصر؟
