المداميك المفقودة في بناء اليسار الجديد

single

هل يمكن التقدّم نحو يسار حقيقي دون النقد الذاتي ونقد اليسار الصهيوني المنهار؟

هل يجوز الالتفاف على الجبهة وكوادرها وتغييب الرفاق العرب عن التنظيم والحوار؟

مقالة ضد الانتقائية والتسطيح وطمس المواقف السياسية، ودفاعًا عن الشراكة العربية اليهودية.. 


لا شك في أنّ شعار "نبني يسارًا جديدًا" يلائم الفترة الحالية، ما بعد انتخابات الكنيست، أكثر من الانتخابات نفسها. لقد آن أوان التمحور في سؤال بناء اليسار الجديد أو بناء اليسار من جديد، أو بناء يسار كبير حول الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة.

ومن أجل تطوير الجبهة وتوسيع صفوفها وتعميق رسائلها، وكي تكون الجبهة في قلب بناء يسار جديد، لا بدّ من إجراء عملية تشاركية حقيقية: لا بدّ من دعوة الناشطات والناشطين إلى نقاشات جدية، ولا بدّ من ترسيم الأهداف المنشودة بوضوح. على هذه العملية أن تكون عربية يهودية مشتركة، وأن تكون ديمقراطية وتمرّ في قنوات تنظيمية سليمة، أي في هيئات الجبهة، على ما يعنيه هذا من احتواء وجهات النظر المتعدّدة الموجودة فيها.

"الأجندة الخضراء" أو "البيئية" التي تهيمن على اجتماعات "اليسار الجديد" لا تتطرق إلى الاحتلال بشكل جدي، أو أنها تتطرق من باب رفع العتب لا أكثر.. ومن الأهمية بزمان عدم اقتصار الحديث على المواقف الفضفاضة – كحل الدولتين – بل التشديد على تفكيك المستوطنات والانسحاب إلى حدود حزيران 1967 وعلى القدس وحقوق اللاجئين

وأكثر من ذلك: فلزامًا على من يطمح إلى توسيع الجبهة أن يدرك أنّ توسيع الصفوف مطلوب في كلا الجمهورين، اليهودي والعربي، من خلال عملية تسييس وتعميق المواقف وليس التقليل من شأنها. لا يمكن التقدّم نحو بناء يسار جديد دون نقد جذري وجدي لليسار القديم؛ نقد اليسار الصهيوني المنهار على تناقضاته البنيوية، لكن أيضًا النقد الذاتي للمحدوديات التي حالت دون اختراقنا أوساطا أكبر كان يُفترض أن تجد لدينا الأجوبة على احتياجاتها وحساسياتها. وهو ما يطرح تساؤلا عمّا إذا كان الهدف توسيع الجبهة أو التوصّل إلى تحالفات على أساس اعتبارات انتخابية، أم أننا نتحدث عن عملية أعمق، لضم أوساط جديدة، يهودية وعربية، وبناء الراوبط بينها؟

لقد جرت في الآونة الأخيرة عدة اجتماعات حملت عنوان "نبني يسارًا جديدًا"، لكنها لم تناقش هذه المسألة بعمق. علمًا بأنّ ثمة حاجة حقيقية، بالذات بعد الانتخابات، إلى الشراكة في بناء يسار عربي يهودي في مركزه الجبهة. لكن يبدو أنه عِوضًا عن إجراء نقاشات مشتركة ومتعمّقة يتم استدعاء الرفاق لتعبئة القاعات في اجتماعات كبيرة ونقاشات محدودة بسبب من كثرة المتحدّثين، وأيضًا لتركيبتهم التي غالبًا ما يغيب عنها، أو يخفت فيها، صوت الرفاق العرب. كما أن المبادرة إلى هذه الاجتماعات الواسعة تتم بصورة انتقائية ودون نقاش مفتوح بين ناشطي الجبهة، وعمليًا، دون شراكة ومشاركة معظم الرفاق والرفيقات ودون الإصرار على تنظيم يهودي عربي مشترك.

هذه العملية ليست الطريق الأمثل لبناء يسار جديد، كما أنها قد تعمّق الصعوبة الموجودة أصلا في توسيع صفوفنا، وقد تصعّد سوء التفاهم والتصدّع بيننا. فمن الأهمية بمكان التحاور والنقاش واستيضاح التباينات في وجهات النظر. وكي يكون النقاش بناءً ويفضي إلى النمو وليس إلى التصدّع، فثمة حاجة إلى تبيان المبادئ المشتركة للنقاش ومنطلقاته.


طمس وتسطيح


لم يتضمن جدول أعمال الاجتماعات حتى الآن أيّ نقد جدي لليسار، وهناك ميل إلى طمس المواقف وتسطيح النقاش، وهي نزعة غير محمودة كونها أشبه بالانتظام الائتلافي المخصوص (Ad hock) أكثر منها ببناء يسار سياسي. كيف يمكن، على سبيل المثال، أن يُدفع باتجاه شراكة مع قسم من ناشطي اليسار الصهيوني المنهار، دون استجلاء الخلافات في الرأي وعمق التوافقات الممكنة؟

في ظل مطلب الولاء الفاشي والتمييز المتواصل في جميع مناحي الحياة لا يمكن تصوّر بناء يسار جديد يهودي عربي لا يتضمّن بشكل واضح وغير متلعثم مطلب المساواة التامة، المدنية والقومية والثقافية، للجماهير العربية الفلسطينية في إسرائيل، بما في ذلك تفكيك منظومة العلاقات الاستعمارية والمؤسسات الصهيونية وإحقاق ملكية مشتركة لمجمل المواطنين على الدولة

هكذا، على سبيل المثال أيضًا، لم تتعاط هذه الاجتماعات مع جملة من الأسئلة المصيرية الملتهبة، كالنضال ضد الاحتلال ومن أجل السلام العادل. إنّ جدول الأعمال الأحمر-الأخضر أو البيئي-الاجتماعي، الذي يحتل الحيّز المركزي في هذه الاجتماعات، لا يتطرق للاحتلال بشكل جدي، أو أنه يتطرق من باب رفع العتب لا أكثر. ولكن الواقع يضع أمامنا أسئلةً صعبة بخصوص النضال ضد الاحتلال. ومن الأهمية بزمان، الآن بالذات، عدم اقتصار الحديث على المواقف الفضفاضة – كحل الدولتين – بل التشديد على ضرورة تفكيك جميع المستوطنات والانسحاب إلى حدود "الخط الأخضر"، وعلى القدس وحقوق اللاجئين. وتتعاظم هذه الأهمية حيال محاولات حكومات إسرائيل إظهار "فك الارتباط" (الخطة التي للجبهة أن تفخر بعدم تأييدها)، أي الانسحاب البرّي والحصار على غزة، كـ"إنهاء للاحتلال".

كما يجدر التشديد على "الخط الأخضر" كخط التسوية الجغرافي في مواجهة المقترحات الخطيرة والمتعددة لـ"تبادل الأراضي"، والتي ترمي إلى تكريس الاستيطان في كتل استراتيجية في الضفة الغربية، وفي نفس الوقت إلى الإعداد لترحيل عشرات آلاف المواطنين العرب الفلسطينيين من دائرة المواطنة إلى دويلة فلسطينية مبتورة، على غرار المعازل (البنتوستانات) التي أقامها نظام الفصل العنصري لأهل البلاد الأصليين في جنوب أفريقيا.

لا بدّ لعملية استجلاء مواطن التوافق مع نشطاء اليسار الآخرين أن تتضمّن نقاشًا ثاقبًا حول هذه القضايا. فأصل بذرة "تبادل الأراضي" الخطيرة في تفاهمات التسعينات البائسة، المعروفة بـ"اتفاق بيلين-أبو مازن"، والتي تبنتها جهات مختلفة في اليسار الصهيوني كـ"طريق مختصر" مريح نحو التسوية. إنّ فكرة "تبادل الأراضي" تضفي الشرعية على الكتل الاستيطانية، وعلى اليسار الجديد الإفادة من إخفاقات اليسار القديم والتنصّل من هذا النوع من "الطرق المختصرة" التي تصبّ في مصلحة قوى عنصرية خطيرة من شاكلة ليبرمان.

يتوجب العمل بجدية كذلك على توضيح العلاقات بين العرب واليهود داخل حدود "الخط الأخضر"، وضمان شراكة رفاق عرب ويهود في التنظيم والنقاش على السواء. ففي ظل أوامر الهدم التي تطال جميع أنحاء البلاد صبح مساء، وفي ظل مطلب الولاء الفاشي العنصري، وفي ظل التمييز المتواصل في جميع مناحي الحياة – لا يمكن تصوّر بناء يسار جديد يهودي عربي لا يتضمّن بشكل واضح وغير متلعثم مطلب المساواة التامة، المدنية والقومية والثقافية، للمواطنين العرب الفلسطينيين في إسرائيل.

والمساواة التامة تعني تفكيك المؤسسات الصهيونية التي تغمط حقوق المواطنين العرب في قضايا مصيرية كالأرض والمسكن والتطوير والتخطيط (وعلى رأس هذه المؤسسات "الكيرن كييمت")، والعمل من أجل خطة إصلاح مصحِّحة في مجال الأراضي. وتعني المساواة التامة أيضًا الملكية المشتركة لمجمل المواطنين على الدولة، وحقوقًا جماعية للأقلية القومية إلى جانب الحقوق المدنية المتساوية؛ أي: دولة متساوية لكل مواطنيها العرب واليهود.

إلا أن هذه المساواة لا تتعلق بعلاقات العرب واليهود وحسب، بل أيضًا بإلغاء منظومة علاقات وتوجّهات استعمارية لها أبعادها الاجتماعية الساطعة. وكذلك الأمر بالنسبة لمكانة الثقافة العربية، والعنصرية والتمييز المتواصل ضد اليهود الشرقيين في إسرائيل، ومسألة تصوّر إسرائيل الثقافي والجيو-سياسي في المنطقة.


حوار نقدي وسياسي


ثمة في هذا اليسار الجديد متسعٌ للكثير من الناشطات والناشطين، العرب واليهود، الذي لا يتواجدون معنا بعد في نفس الجبهة. بعضهم يشاطرنا نضالات مختلفة، ويجب التوجه إليهم أولا: إلى المتظاهرين ضد الجدار والناشطين الذين ينظمون العاملين في شتى أنحاء البلاد، إلى ناشطي جمعيات حقوق الإنسان والمساواة بين العرب واليهود، إلى المكافحات والمكافحين ضد "خطة فيسكونسين"، إلى العرب واليهود الذي يناضلون ضد هدم البيوت والمزيد المزيد.

وهناك العديد ممّن لا ينشطون في أطر كهذه، ولكنهم في خضم تجارب تقرّبهم منا وعلينا التحاور معهم – بما في ذلك ناشطون يهود يأتون من أحزاب صهيونية مأزومة وناشطون عرب كانوا في حركات أخرى. لكن على هذا الحوار أن يكون سياسيًا ونقديًا، دون تمويهات أو تخفيضات أو طرق مختصرة. وهو ما يستدعي التفكير والتعمّق، وتحديث مواقفنا وصياغاتنا السياسية.

أخيرًا وليس آخرًا: إنطلاقًا من ضرورة كون اليسار الجديد حول الجبهة يهوديًا عربيًا مشتركًا، فعلى عملية بنائه أن تكون مشتركة وبقيادة ناشطات وناشطين من الشعبين. وبما أنّ الشعبين اللذين يعيشان هنا لا يعيشان في ظروف متساوية، وإنما في ظل علاقات سيطرة وعمليات استيطان واضطهاد واستضعاف وسلب، فعلى العملية أن تأخذ بالحسبان انعدام التناظر في علاقتهما. لذا فمن بالغ الأهمية الشروع بالنقاش من المسألة اليهودية العربية، والتطلع إلى كل باقي المسائل والمواضيع أيضًا من منظار علاقات الشعبين وتفكيك علاقات السيطرة ورؤيا الشراكة المتساوية؛ الشراكة التي تشكّل المدماك الأساس لكل موقف يساري مثابر في هذه البلاد.


(ملاحظة: يُنشر هذا المقال بالعبرية في موقع الضفة اليسارية www.hagada.org.il)  
 

http://www.hagada.org.il/hagada/html/modules.php?name=News&file=article&sid=6703

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

داعش والإسلام: خطّان متوازيان لا يَلتقيان

featured

مِنْ والى الجنوب عبر طائرة أيوب

featured

إتساع الهوة بين مستوى الإنتاجية والأجور

featured

الاراضي وشُرب الدخان

featured

جوانب سلبية في الصمت والتسامح

featured

عن الحب والمحبة والصدق والصداقة