جوانب سلبية في الصمت والتسامح

single

للأمثال الشعبية تأثير كبير على الناس، فهي عادة مختصرة وفيها سَجَع وجرس لفظي يسهّل حفظها من ناحية، وكثرة استعمالها يرسّخها اكثر. وغالبا ما تعكس علاقات اجتماعية واقتصادية فهي طبقية الى حد ما او على الاقل بعضها.
يا هزاز قبعه إلك في الزرع رُبعه – مثل طبقي وكذلك أحرُث وادرُس لبُطرس، والكثير على هذه الشاكلة.
وهناك امثال تدعو الى الاستسلام والاتكالية والاحباط والكسل واللا مبالاة والانانية:
- حُط راسك بين الروس ونادي يا قطّاع الروس
- مين ما أخذ امي هو عمي
- كُثر الفرفرَة بتكسّر الجناح
- الصمت حكمة وقليل فاعله
- لا تكن رأسا فان الرأس كثير الأوجاع
- ان لاقيت مركب ساير أعطيه دفشِه
- امشِ الحيط الحيط  وقول يا ربّ السترة
- اذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب، مع العلم ان العبرة من هذا المثل غير ما يفهمه البعض منا.
هناك قائمة طويلة من هذا النمط وبهذا المعنى السلبي، هذه ثقافة الاتكالية والحياد السلبي والتقوقع في  الذات.
أما في موضوع التسامح فالنتائج تكون أخطر . طبيعي ان مفهوم وتعبير التسامح ينظر اليه ويجري التعامل معه كقيمة انسانية خيّرة، وأحيانا يكون فعلا كذلك، لكن ليس دائما، وليس في كل الاحوال، وتَرانا نردّده بمعنى شمولي عام.
التسامح مع مذنب بحق شخص آخر او مجتمع، قد يكون التسامح مع من أذنب بالخطأ ودون قصد او - يد غَلبِه – كما يقولون ، وهو يعتذر ويستطرح للحق، وسيرته حسنة، فالتسامح هنا مطلوب وهو فعلا قيمة انسانية اخلاقية اجتماعية، وكم صدق الشاعر في قوله:
إذا أنت اكرَمت الكريم ملكته
                                    وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
أما اذا اكثرنا من التسامح مع ممارسين للشر ومع ذوي السيرة والمسيرة العوجاء المشينة فهذا تشجيع للتصعيد والمثابرة تحت مظلة التسامح وغضّ النظر. وفي مجتمعنا وللأسف الكثير من هذه الامثلة والممارسات حتى صارت نمط حياة، تخفي في باطنها وجوهرها مصلحة انانية وجبنا وخوفا من المواجهة الشجاعة، فأي تسامح مع القتل عمدًا. واي تسامح وغضّ نظر ومجاملة مع جريمة قتل النساء. أي تسامح مع السمسار والفساد والكذاب والمتلوِّن، أي صمت رهيب عن الخونة على مستوى النظم والاحزاب والافراد. أي تسامح مع الانتهازي المتلون من منطلقات ذاتية أنانية!! هذه مساهمة جدية شريرة في افساد المجتمع، وضرب القيم الاخلاقية السامية، قيم الصدق والاستقامة والتضحية ونكران الذات كُرمى لمصلحة عامة جوهرية . هذا التسامح مع هذه الظواهر الفاسدة هو في الواقع وجْهنة ومجاملة رنِقة عفنة تأتي مع سيل من الوعظ الرخيص الممجوج واعتبارات سخيفة وضارّة بهدف كسب الصوت مثلا في الانتخابات او بهدف المقايضة في دَرَن اخلاقي واجتماعي مثل حْكاك الحمير: حكِلّي تحُكلّك.
يُغض النظر عن دناءات يقوم بها متدينون فيها الكذب والسرقة والرشوة، فيها العمالة السافرة المفضوحة، بسبب مكانة الشخص المرموقة والتي وصل اليها بالثعلبة والخداع والدجل والتلون والاذدناب. "اللسان كيف ما حرّكته بتحرّك"، قناعة بالشيء ونقيضه بين عشية وضحاها. هذا تشجيع خطير للذي "عمل السبعة وذمتها"، من النفاق وهو مستمر بلا رادع.
مجتمعنا العربي في انحدار وتقهقر، يتفشى فيه العنف، والتعصب والخداع والنفاق واللقمطة والصمت الرهيب عن الموبقات وينظر الى شخصية المنافق والموبوء بالتلون : "مش قليل بعرف يلعبها"، شاطر، وكأنها من ميزات البطولة ، وهي في الحقيقة دوس على أسمى القيم الاجتماعية والاخلاقية والانسانية الشامخة ، يربأ الانسان الشريف ان يتبعها . هنالك عدد من "الرجالات" سمسروا على ارض الخيط والزابود وهم في نظر البعض من أوادم البلد، ضربت معايير "الأدمنة" في الصميم ويغض عنها النظر، ويدلقون لك أقوالا اتكالية محنطة: كل واحد ذنبه على جنبه وحسابه على ربه، كل عنزة معلقة في عرقوبها، ونداءات للصبر على الجوع والفقر والضّيم، قال أحد شعراء لبنان:
وتاسع رسالة: "صبر أيوب" للجوعان
وصفة لئيم للغشيم بخدّروا فيها
وأية حكمة وشجاعة واستنفار للغفاري:
عجبت لمن لا يجد القوت في بيته ولا يخرج الى الناس شاهرًا سيفه!!
أدخلوا "التراث الدرزي" المزيف لبرامج التدريس وقُوبل بصمت رهيب. صادروا عيد الفطر مع ماشي الحال، اصطنعوا قومية درزية فاتُّهم المعارضون – بأوامر من "الأسياد" بالتطرف والالحاد. لا فُض فوه ذلك الرمز الذي قال: الملحد الشريف افضل من المتدين اللص. هناك مرتشون من اجل كسب صمتهم او تأييدهم، يغض النظر عن الرشوة والاموال الفاسدة التي تنتشر كمرض فقدان المناعة، ليس فقط من قبل السعودية وقطر وليس فقط لدول بل تغلغلت بين الافراد، ونحن نرى نتائجها الكارثية المدمرة في العالم العربي، وهكذا سيكون مصيرنا ان لم نتسربل ونتدجج بالجرأة والاستقامة لاجتثاث هذا الوباء.
المجاملات والتسامح تطال النقد الأدبي خوفا من زعل وحساسيات فجّة، أين نحن من مقولة: صديقك من صدَقك!!
هذه الاقلية العربية مستهدفة في لغتها وثقافتها ومسكنها وارضها ووجودها، هناك من يعمل على ذلك، وهناك من يشتري الذمم، هذا يسهّل تحقيق هذا الاستهداف، ولنا في واقع شعبنا الفلسطيني في الضفة والقطاع العبرة ، كل العبرة، تهمش قضيته العادلة والواضحة وضوح الشمس، تتكالب عليه قوى العدوان والشر من استعمار وصهيونية ورجعية عربية، ولنا في هذا العالم العربي بدمه المسفوك العبرة ، كل العبرة ، كل فرد فينا فيه عيب ونقاط ضعف، وعليه يجب على كل منا ان يحصّن نفسه، وان يكون عضوا فعالا نقيا عادلا مستقيما في هذا المجتمع، من اجل نسيج اجتماعي سليم، وان نرى في النقد الجريء، وفي الابتعاد عن التسامح السلبي والصمت المريب، والابتعاد عن ان يكون احدنا إمّعة فاقدا الكرامة الشخصية، ان نرى في ذلك ليس قضية شخصية فقط بل قضية عامة، وطنية، انسانية ، متحدية، قادرة على تذليل كافة الصعوبات المكدسة، وقادرة على وأد الاستهداف الشرير.
نحن في أمس الحاجة الى انتفاضة عارمة ضد كل المعايير المختلفة الزائفة والمدمرة.
قد يهمّكم أيضا..
featured

"بناء اليسار".. جسام المَهام ودورنا الهُمام..

featured

الطّفل والسّكين

featured

وَبِدُونِهِم لا أَكُونُ شَيْئًا

featured

مرحلة القيادة الفوضويّة قصيرة

featured

مشروع "تبييض" عصابات التكفير..

featured

الشيخ "جوعان" لن يهتم بالأسرى المضربين عن الطعام

featured

بيروت الكرامة .. وعرسال الانتفاضة