بمشاركة جماهيرية واسعة يفتتح اليوم الجمعة الشيوعيون مؤتمرهم الخامس عشر في "قاعة داود" للافراح الواسعة في كفر ياسيف. ويعتبر عقد هذا المؤتمر حدثا هاما في حياة وتطور المنطقة خاصة في ظل التحديات السياسية والاقتصادية – الاجتماعية التي تطرحها حكومة الاحتلال والتمييز والافقار والفاشية العنصرية لغلاة اليمين المتطرف بقيادة ثالوث الجرائم – بنيامين نتنياهو وافيغدور ليبرمان وايهود براك. وبتفاؤل الثوار المصقولين وعيا فكريا وسياسيا وتنظيميا فان القيادة الشابة لمنطقة عكا الحزبية على قدر من المسؤولية والقوة لمواجهة هذه التحديات في المعترك الكفاحي السياسي الجماهيري. فهذه القيادة تستند الى خلفية تاريخية مجبولة بتضحيات اجيال من الشيوعيين القدامى ومشحونين بزوادة دسمة من الموروث الكفاحي المشرف.
فظروف الكفاح على ساحة التطور والصراع منذ الايام الاولى لنكبة الشعب العربي الفلسطيني في الثمانية والاربعين، وفي ظل مواجهة سياسة الاقتلاع والتطهير العرقي والتشريد القسري الصهيونية، وفي مثل هذه الظروف المأساوية برز دور الشيوعيين القيادي وفي الصف الامامي من المعترك الكفاحي لصيانة الهوية الوطنية وحق البقاء في الوطن بصفتهم اهله الاصليين. ولا يمكن في هذا السياق الا التأكيد على دور المناضلين الشيوعيين الذين سبحوا ضد التيار فعددهم لم يتجاوز عدد اصابع اليدين والرجلين في منطقة عكا، ولكنهم اشعلوا نيران الوعي السياسي الكفاحي بين الجماهير وثقفوها بروح انه لا مفر من خيار الكفاح وبأوسع وحدة صف وطنية كفاحية لمواجهة التحديات واحراز المكاسب ونيل المطالب. ومن حسن حظ المعترك الكفاحي ابان النكبة وبعدها ان خيّل في الحلبة النضالية فرسان اشاوس من الشيوعيين الذين خاضوا المعارك الكفاحية ضد الاستعمار والصهيونية، ودفاعا عن الحقوق الوطنية الفلسطينية من خلال "عصبة التحرر الوطني الفلسطينية" قبل النكبة، وواصلوا رفع العلم الاحمرالكفاحي من خلال الحزب الشيوعي الاسرائيلي بعد النكبة وقيام اسرائيل. هذه الكوكبة من الشيوعيين المخضرمين المصقولة وعيا ومبدئية كان لها دورها في تحريك الجماهير الى الشارع الكفاحي مسلحة ببرنامج نضالي دفاعا عن حقوقها القومية والمدنية والمعيشية. كوكبة بقيادة خالد الذكر جمال موسى (ابو نجيب) وقائد منطقة عكا وسكرتيرها لعشرات السنين والى جانبه ومعه مجموعة من الشيوعيين المخضرمين من ايام عصبة التحرر الوطني الفلسطينية امثال خالدي الذكر رمزي خوري وحسين خطار وحسن بكري واحمد بكري وجبرائيل بشارة وكمال غطاس وخليل خوري، واطال الله في اعمارهم نديم موسى وحنا ابراهيم الياس واحمد شحادة وفاطمة بكري وسلوى موسى ونجيبة غطاس وحسين مباركي. وبرزت في العقد الاول بعد النكبة كوكبة من الرفاق القياديين من منطقة عكا امثال نمر مرقس ونايف سليم واحمد خطيب ومحمد نفاع وسالم جبران وابراهيم مالك وكمال الحاج واياد بشارة والمحامي محمد الحاج.
** جدلية العلاقة بين الارض والبقاء
لقد كُتب الكثير عن دور الشيوعيين في معركة البقاء ومواجهة التطهير العرقي الصهيوني الذي حوّل غالبية الشعب العربي الفلسطيني الى شعب من اللاجئين في الشتات القسري خارج وداخل وطنهم. كما كُتب الكثير عن معركة الغاء الهويات الحمراء لتثبيت الحق في المواطنة والدور التاريخي المشرف للقائد الشيوعي محامي الارض والوطن حنا نقارة. ولكن ما نود تأكيده ان منطقة عكا الجليلية لعلها اكثر من غيرها من المناطق العربية انها واجهت مخططات سلطوية لمصادرة وتهويد اراضيها مباشرة بعد النكبة ومصادرة وتهويد اراضي القرى العربية المهجرة والمهدومة واقامة مستوطنات يهودية عليها. مصادرة وتهويد الاراضي العربية كجزء عضوي من المخطط الصهيوني لمصادرة الحق القومي والوطني العربي الفلسطيني! حق البقاء في وطنه وعدم الاعتراف بحق المساواة القومية ومن منطلق عدم الاعتراف بالجماهير العربية في اسرائيل كأقلية قومية اصلانية لها الحق بالمواطنة والوطن. وقد تعددت اسماء المشاريع السلطوية لمصادرة الاراضي العربية وتضييق الخناق على حياة وتطور العرب، اسماء متعددة والجوهر واحد والهدف واحد وهو سحب البساط من تحت ارجل العرب، مصادرة اهم مركب من مركبات هويتهم القومية وهي الارض. ففي مطلع الخمسينيات تحدثوا عن مشروع "تطوير الجليل" الذي مدلوله نهب الارض من العرب لتطوير الوجود اليهودي في الجليل، وقد تصدى الشيوعيون لهذا المشروع الذي صادر الاراضي من قرى الشاغور الجليلية، من البعنة ومجد الكروم ودير الاسد ونحف وساجور والرامة واقام على هذه الارض مدينة كرمئيل وضمت ترشيحا الى معلوت. وتارة اخرى مشاريع "تهويد الجليل" لتعديل الموازنة الديموغرافية العنصرية لصالح اليهود بحيث يصبح عدد اليهود ما نسبته (70%) من سكان الجليل والعرب (30%) وذلك من خلال تنظيم هجرة يهودية الى الجليل ومصادرة مزيد من الارض.
وفي مطلع الثمانينيات عندما كان جنرال المجازر والاستيطان ارئيل شارون وزيرا للاسكان طرح ومارس مشروع "النجوم السبعة" باحاطة القرى العربية في الجليل والمثلث واحتلال التلال وسفوح الجبال لاقامة "مناطر استيطانية" والمنطرة عبارة عن مستوطنة يستعمرها عدد قليل من العائلات اليهودية، احيانا لا اكثر من عائلتين على اكبر مساحة من الارض وتسييجها من مختلف الجهات، وذلك بهدف منع توسع وتطور القرى العربية. وفي مطلع الالفية الثالثة اعلنت حكومة شارون عن مشروع "انقاذ وتطوير النقب والجليل" ورصدت لهذا المشروع مبلغ (17) مليار شاقل وعينت في حينه شمعون بيرس وزيرا للاشراف على هذا المشروع الذي هدفه "انقاذ" الارض من العرب من خلال ترحيل العرب من القرى العربية غير المعترف بها في النقب والجليل ومصادرة الاراضي العربية الواقعة تحت سلطة نفوذ المجالس الاقليمية اليهودية وتضييق الخناق على توسع القرى والمدن العربية بعدم اصدار تصاريح بناء وهدم منهجي للبيوت السكنية العربية.
ولا احد يستطيع انكار دور الشيوعيين وحلفائهم في قيادة المعارك ضد مخططات المصادرة ان كان في "يوم الارض" الخالد في الستة والسبعين او معركة "الروحة" ومعركة "ام السحالي" في اواسط تسعينيات القرن الماضي، ومواجهة التطهير العرقي الصهوني السلطوي للقرى العربية غير المعترف بها في الجليل والنقب وعرب المدن المختلطة في اللد والرملة وعكا وكرمئيل ونتسيريت عيليت. ولعل مشاريع الترانسفير المدرجة على اجندة حكومة القهر القومي هي التجسيد المأساوي للعلاقة الجدلية بين مصادرة الاراضي العربية ووضع علامة سؤال حول بقاء ومصير العرب في وطنهم.
كما ان ما تطرحه حكومة نتنياهو اليمينية حول يهودية الدولة يشرعن عمليا تنفيذ مشاريع الترانسفير وترحيل العرب. ولكن ما نود تأكيده انه في السنوات الاولى بعد نكبة شعبنا وكنا مثل الايتام على مائدة اللئام هتف الشيوعيون مقولتهم الكفاحية تصديا لمشاريع المصادرة والاقتلاع، هتفوا "جليلنا ما لك مثيل وترابك اغلى من الذهب، لو هبطت سابع سماء عن ارضنا ما بنرحل". واليوم بعد اكثر من ستين سنة في المعترك الكفاحي وما اكتسبناه من خبرة ودروس فاننا اشد عزيمة واصرارا على دفن مختلف مخططات اقتلاعنا من وطننا.
** منطقة شعلة نشاط ومبادرات
ما يعتز به الشيوعيون في منطقة عكا انهم حافظوا وصانوا وحدة الحزب وقيادته في المنطقة فكريا وسياسيا وتمسكا بوعي الماركسية – اللينينية كمنهج ونهج على ساحة النضال السياسي – الجماهيري. وهذا ما اكسب المنطقة مكانة ودورا محترمين في حياة الحزب ونشاطه قطريا. وليس من وليد الصدفة ان تحظى منطقة عكا بعدد من دروع الحزب في المنافسة بين المناطق لاشغالها المكانة الاولى في العديد من النشاطات. ففي الحملات المالية لجمع التبرعات من الجماهير، وهذه قضية سياسية من الدرجة الاولى، تعكس عمليا التصاق الشيوعيين بقضايا وهموم الجماهير واحترام الجماهير لدور الشيوعيين الكفاحي في رفع قضاياهم والدفاع عنها. فمنطقة عكا الحزبية لا تزال السباقة في هذا المجال. كما تبرز منطقة عكا في جمع اشتراكات لصحيفة "الاتحاد". وتعتز منطقة عكا ان من بين صفوفها ومن خلال صحف الحزب ومدارس المنطقة تخرجت كوادر يعتز بها شعبنا كله مثل الشعراء والكتاب محمود درويش وسميح القاسم ومحمد علي طه ومحمد نفاع وحنا ابراهيم ونايف سليم وسالم جبران وحسين مهنا وشكيب جهشان ود. سليم مخولي وابراهيم مالك وسميح صباغ وعذرا ان نسيت بعض الاسماء. ولمنطقة عكا حضور كوادرها ومن تجنده في مختلف النشاطات الكفاحية المنطقية والقطرية اللافت للانتباه لكثرة المشاركين.
وتعتز منطقة عكا الحزبية بانها كانت من المبادرين لاقامة واحتضان لجنة المبادرة العربية الدرزية الفصيل الكفاحي المناضل ضد التجنيد الاجباري ومن اجل صيانة الهوية القومية العربية للطائفة المعروفية الاصيلة.
كما ان منطقة عكا احتضنت مع الوطنيين الاحرار من مختلف طوائف حزبنا المؤتمر الاول دفاعا عن الاوقاف الاسلامية ومن اجل تخليصها من براثن اغتصاب المؤسسة السلطوية "المنهال" والكيرن كييمت.
وتعتز منطقة عكا انها حلقة الوصل في المجال التضامني مع اهلنا في هضبة الجولان السورية المحتلة، وتقيم المنطقة وقيادتها وكوادرها علاقات تضامنية وطيدة تشد ازرهم في معركتهم التحررية للتخلص من الاحتلال الاسرائيلي والعودة الى حضن الام الرؤوم سوريا.
رغم هذا التاريخ الكفاحي المجيد لمنطقة عكا الا انه تقع على عاتق المؤتمر الخامس عشر والهيئات القيادية التي ستُنتخب العديد من المهام ولمواجهة والتغلب على العديد من الصعوبات والمشاكل. فمن هذه المهمات العمل وبنشاط لادخال رفاق يهود الى حزبنا الاممي رغم الصعوبات الجمة في ظل تصعيد وتيرة الفاشية العنصرية المعادية للعرب وللدمقراطية على مختلف الصعد الرسمية والجماهيرية اليهودية. وعلى عاتق فروع الحزب الشيوعي في المنطقة زرع بذور الشيوعية واقامة الخلايا وتنظيم الجبهات في "القرى البيضاء" التي لم يرفع فيها بعد العلم الاحمر. كما انه من غير المنطق وغير الصحي هذا العدد القليل نسبيا والتراجع عمليا في عدد اعضاء الحزب من النساء والصبايا.
مستقبل الحزب يجعل من الضرورة بمكان تقوية الشبيبة الشيوعية وزيادة عدد المشتركين في "الاتحاد" والاهتمام اكثر بالتثقيف الفكري والسياسي والاجتماعي والثقافي.
ومنطقة مشحونة بزوادة دسمة من الموروث الكفاحي قادرة على بلورة انطلاقة قوية لمواجهة التحديات وتقوية الحزب ونشاطه السياسي الجماهيري. ونتمنّى للمؤتمر الخامس عشر كل النجاح.
