هذه المنفضة تثير في النفس حنينًا الى الماضي، كلما اصطفّت عليها أصناف الفاكهة الطازجة. وهذه الأرائك، بقية من بقاياك، تثير في القلب، شجنًا وذكرى، كلما اقتعدناها في جلسة سمر رفاقية، مع من بقي من ذلك العهد الغابر.
هل كانت هجرتك القسرية الى شفاعمرو، أحد الأسباب التي أغْرت ذلك القاتل، بغزو جسدك والاستيطان فيه، حتى استسلم؟! لم يستسلم ابناء شعبك أمام استيطان أشرس وأنذل، فلماذا استسلمت؟!
كان عسيرًا عليك ان تترك التراب الذي سارت عليه قدماك. والهواء الذي استنشقته رئتاك. والبيئة التي درجت فيها اولى خطاك.
كنتَ من أوائل الشيوعيين في قريتنا، ايام كانت الشيوعية تهمة، تكلف من تثبت عليه، أمام "عدالة" الحكم العسكري، ليس قطع لقمة العيش عن العائلة والمعيل فحسب، بل مشقة السفر من سخنين الى شفاعمرو، بتصريح من الحاكم العسكري ايضًا، للمثول أمامه واثبات أن المواطن موجود!!
لم تكن المقولة الفلسفية:"أنا أفكر فأنا موجود" بل " انا اثبت وجودي فأنا موجود"!! فهل يستحق الحكم العسكري البائد آيات شكرنا على أنه – من زاوية ما – جعلنا نحافظ على وجودنا، وكان يرمي بالفعل الى اقتلاع ذلك الوجود!!!
لم يكن مستغربًا لديكم، أنتم الشيوعيين الأوائل، تجنب البعض من اصدقائكم واحبتكم، إلقاء التحية عليكم في العلن. لكنكم كنتم تفرحون فرحا طفوليا، حين يكون محصول بيدركم الانتخابي، أكداسا من القافات في البداية، ومن الواوات لاحقا. إذًا هؤلاء الاصدقاء والاحبة المُجافون في العلن، أنصار وجنود خفاء. جعلوا من الشيوعيين ابطالا وقادة، اما هم... نواب الطوائف في القوائم العربية المرتبطون برواد الاستيطان المبائيين، وبطلائع الاشتراكية المبامية الزائفة، فكانوا يجدون طريقهم الى الزوال المنسي الذليل، ممهدا بعبارة "الله يرحمهم بأعمالهم" في افضل الحالات.
كنتَ شيوعيا، اي وطنيا وقوميا وانسانيا. مثّلت حزبك في السلطة المحلية بفخر وتفانٍ، الى ان افسحت المجال الى من يليك في هذا الطريق الشائك. بدأ الحزب بممثل واحد، وصار العدد يزداد الى ان اصبح سبعة، قبل ان تتحول قضية الرئاسة الى سوق لمقايضة اصوات عضوية باصوات رئاسة!!
كنتم شيوعيين طلائعيين في الزمن الصعب، وقبل ان يتحول العمل السياسي الى ترف يتمتع به كل هاوي زعامة، وكل ساعٍ الى مراكمة الثروة. ومما يؤسف له ان بعض هؤلاء ما زالوا يعلقون الشهادات العلمية، ثمار المنح الحزبية الاشتراكية، في صدر مكاتبهم وعياداتهم دون حياء! لقد اصبحت الشيوعية في نظرهم، مرحلة وطنية متخلفة، فأقسموا على تجاوزها. فاذا بهم في صف واحد، وراء علوج النفط، يستجدون المال و..... الكرامة. وراحوا من هناك، من الدوحة والمنامة والرياض وعمان، يوجهون لنا الدروس الوطنية.
أبا جمال!
قبل رحيلك بثلاثة ايام، وصل الى بلادنا زائر، كدنا نخاله - لضخامة الهالة حوله- خالق الكون، وقد قرر الهبوط جسديا، لتفقد مخلوقاته! فهل فضلت ترك هذا العالم، على حالة الغثيان التي ستصيب اي شريف مثلك، من هذا المشهد التافه!!
لم تأتِ هذه الزيارة لتفقد أحوال العراق الذي اعاده الغزو الامريكي الى العصر الحجري، بعد ازدهار. ولا لمنع ما يسير اليه القطر السوري من هاوية شبيهة بهاوية النخيل، بفضل ذكاء الاسلحة الامريكية والغربية. ولا لتنفيذ ما اقره هذا الرئيس بنفسه ووافق عليه مضيفوه "من رؤوس شفاههم": "دولتان لشعبين"!! ومع ذلك فثمة ما يستحق هذه الزيارة "الالهية"!
اولا: لطمأنة الحكومة المتشكلة حديثا من "فقراء" المهاجرين الى "ارض الميعاد"، ممن لفظتهم اوطانهم، ومن "الديمقراطيين" الذين يخططون لكنس العرب الاغيار من البرلمان! ربما تجاوبا مع رغبة الداعين الى مقاطعة الانتخابات، لطمأنة هؤلاء ان ادارة اوباما معهم، وهي مصرة على المحافظة على "حاملة الطائرات العظمى المجانية" هذه، اي اسرائيل، إزاء ما تتعرض له من تهديد "عزبة" قطر وسائر العزب العربية.
ثانيا: لفحص وضع الخط الاحمر الذي رسمه نتنياهو لطهران، كما تفحص شركة مكوروت وضع الخط الاحمر في منسوب مياه بحيرة طبريا. فلا ذرة في الشرق الاوسط الا ذرة اسرائيل!!
ثالثا: لتسليم العريضة الممهورة بتواقيع مئات آلاف الاسرائيليين، شفاعة للمسكين جوناتان بولارد، المسجون في امريكا، على غير ذنب اقترفه، سوى تجسسه على وطنه الامريكي. حرام، فمن اجل زوجته على الاقل. (سامر العيساوي المعاد اسره، والمضرب عن الطعام منذ اكثر من سبعة اشهر مع غيره من الاسرى، ليس لهم امهات ولا زوجات ولا اطفال. وليس ثمة من يجمع التواقيع لهم!! ).
رابعا: لتسلم اوامر رئيس الدولة، بوجوب اعتبار حزب الله، الذي يحتل شمال اسرائيل وجبال صفد ومزارع الجولان، منظمة ارهابية!! لاحظوا من يطالب، وأشلاء الاطفال والنساء والشيوخ في قانا، ما زالت رائحة احتراقها تثير شهية محبي اللحم البشري، وواضعي اللبِنات الاولى في الهياكل الاستيطانية!!
خامسا: لتهنئة محبي السلام: نتنياهو، بينيت، لبيد وليبرمان بعيد الفصح. ذكرى الخروج من "عبودية" مصر، الى استعباد الشعوب السبعة التي كانت تقطن هذه البلاد!! ترى كيف يسمح من كان عبدا حتى الامس ان يستعبد غيره ؟؟
وسادسا وهو الاهم: لكي يعتذر للسيد نتنياهو، عن البهدلة التي "غسله" بها رئيس حكومتنا ابان معركة اوباما الانتخابية!! "فلا تلم صاحبك لا بزلة ولا بزلتين" كما يقول الامريكيون!!
وأكاد اسمعك يا أبا جمال تتساءل، وانا مثلك اتساءل: أمن هذه الحبة يمكن صنع قبة؟! بل اني انقضضت على منفضة كانت قريبة مني، بقصد تهشيمها، لكنني تذكرت انها بقية من بقاياك، فعدلت.
فسلام عليك ايها الشيوعي الاصيل الراسخ يا أبا جمال.....
