لتبقَ المجالس المحلية الجبهوية في الطليعة

single

العمل على انجاح عملنا البلدي والسهر على مصالح أهالينا عن طريق : 1- لجان الاحياء   2- العمل التطوعي

في اواسط العقد السادس من القرن العشرين انتقلت الى العمل في مدينة حيفا، ازرع انابيب  البلاستك، في داخلها الاسلاك النحاسية، في جدران عماراتها الجديدة، استعدادا لتمرير التيار الكهربائي اليها وانارتها،  ايذانا بانتقال الساكنين اليها، وكانت هذه العملية، مصدر رزق ومساهمة في اعالة العائلة، واستعدادا لربما استطيع تكملة تعليمي الجامعي . رغم ان هذا الامل ضعيف، لان التعليم الجامعي في وقتنا ذاك كان  مقصورا في الاساس على "الواسطة" اولا والامكانيات المادية الكبيرة ثانيا . كنت اصل الى حيفا، بواسطة الحافلات التي تنقل الناس من الناصرة الى حيفا، بما فيهم العمال امثالي . كنت استغل كل دقيقة من هذه المسافة الزمنية، اثناء سفري ذهابا وايابا، في قراءة كتاب او مطالعة الجريدة، لفت انتباهي، ما قرأته عن تاريخ الاتحاد  السوفييتي وتاريخ الحزب الشيوعي السوفييتي، حول "السبوت الشيوعية" التي تعني القيام كل يوم سبت باعمال تطوعية ؛ ينظمها الشيوعيون، لاعادة اعمار البلاد، التي دمرتها الحرب العالمية الاولى سنه 1914-1917  والتدخل الاجنبي، بدعوة من اصحاب الاموال، بعد نجاح ثورة اكتوبر الأشتراكية(1917) .  والذي استمر حتى سنه 1922، من اجل كسر شوكة هذا النظام المولود جديدا . الا ان هذا الوليد اصر، على ان يعيش ويتقدم ويتطور، بقيادة الحزب الشيوعي  . لذا قام الشيوعيون وبدعم من الاصدقاء والغيورين في كل يوم سبت، بتنظيم اعمال تطوعية في المصانع، والورش، والمزارع، والاحياء، لاعادة بناء الدولة،  التي شاع بها الدمار . و ساهمت وساعدت على تقدم وتطور الدولة، واحياء اقتصادها المنهار، وانعاش الدولة الخارجة من تحت الانقاض.
في عام 1971 كنت في الاتحاد السوفييتي، مع مجموعة من اعضاء الشبيبة الشيوعية، وكان طلبنا المهم، هو الاطلاع المباشرعلى هذا العمل . وبالفعل ساهمنا في قطف الثمار، وجمع المحاصيل الزراعية،  في قرية تعاونية من ضواحي موسكو، واذكر وقتها ، من شدة البرد تجمد الدم في عروقنا، فاعادونا الى الغرف .  

 

* كومونة يافا

رغم البرد القارس وشراسة الطقس، كان اصرارنا على العودة الى العمل، لنشعر بحلاوة حلم المشاركة،
 ومن هناك كان الحلم الاكبر ان نسعى لاقامة كومونة في يافة الناصرة (اي قرية من الطراز الحديث )المبنى على اساس التعاون الشامل بين جميع السكان، والتطلع الى التطور العصري الحديث، الناتج عن أمل الجميع وحلم الجميع، وعمل وتكاتف      الجميع، لكي نصبح نموذجا كاملا في المنطقة . كما كانت يافة الناصرة النموذج ، في وصول اول رئيس مجلس محلي شيوعي في البلاد، وحتى في الشرق الاوسط . وحال عودتي الى البلاد، نقلت هذه الفكرة الى فرع الشبيبة الشيوعية، وتدارسناها مع اعضاء الحزب، وقررنا البدء بانشاء فرق عمل تطوعي . نتيجة عدم وجود ميزانيات، لتوظيف عدد كاف من العاملين، للقيام  بأعمال حيوية وضرورية للقرية، وخاصة جمع النفايات بسبب سياسة التمييز ضد المجالس المحلية العربية بشكل عام . وتضييق الخناق على مجلس يافة الناصرة بشكل خاص اقتصاديا وتنظيميا، لعرقلة اعماله واثبات فشل الادارة الدمقراطية، وانفضاض الجمهور من حوله، لايصال الادارة بقيادة الشيوعيين الى الطريق المسدود والباب الموصود،  لاثبات فشل هذا الطريق، وترسيخ التعاليم السلطوية ان اليد لا تلاطم المخرز . ومن هناك قررنا في فرع الشبيبة الشيوعية القيام كل يوم سبت ، باي عمل نراه ضروريا بعد التشاور مع ادارة المجلس المحلي.وكان العمل الأول، تنظيف الأزقة والطرقات . وسارع المجلس المحلي بتقديم كل لوازم هذا العمل. طبعا كان اليوم الاول هو اصعب الأيام، لأن الناس لم يعتادوا على هذا الامر، وعددًا من الشباب خجل، مما سمعه من تعليقات (بايخة)، وسماع اصوات مستنكرة لهذا العمل، ولكن الاصرار على انجاح المهمة، دفعنا الى التعالي على ما يصدر من كلام او تصرف معادٍ . واستمر النشاط اسبوعا بعد اسبوع، وتنوع العمل واتسع . مما دفع أعدادًا أكبر من الشباب والناس الى الأنضمام الينا . وكثرت أصوات التقدير لهؤلاء الطلائعيين .بعد هذه التجربة الناجحة، رأينا بالتشاور مع كل الجهات، ان تكون السنة التي تليها، أشمل، ونعمل بأكثر نجاعة، واكثر تنظيما، واكثر تركيزا، مما يؤدي الى القيام باعمال اكبر وعلى نطاق اوسع وانجاز مشاريع حيوية للبلد.واثبات أن، بامكان الادارة الجبهوية، بقيادة الشيوعيين، ان تكون على قدر المسؤولية وبامكانياتنا الضعيفة، رغم الحصار الاقتصادي والسياسي،  نستطيع ان نصمد، ونحمل العبء الملقى على اكتافنا، وأثبات ان الكف، لا تستطيع ملاطمة المخرز فقط، بل بامكان الأكف اذا اتحدت ان تكسره.


* العمل التطوعي

اصبح هذا العمل في بداية السبعينيات عملا، تقليديا،  في يافة الناصرة، ويقوم المجلس المحلي بدراسة المشاريع والاعمال التي لا يمكن انجازها (وهي ضرورية). وبهيئاته ولجانه المختصة، بتحديد نوعية العمل والحاجة الماسة له، وتحديد درجة الاولويات، حيث تتلاقى مصالح السكان جميعها، من ناحية، ولا تتضارب مع نظم وقوانين المجلس المحلي، من ناحية اخرى .كي  لا نقع تحت طائلة القانون الجائر، والظالم، لأن السلطة المركزية تتربص بنا لتوقعنا في اخطاء . لكي نصبح لقمة سائغة، وفريسة سهلة الاصطياد . وما عجزوا عن تنفيذه بالضغط والحرمان وحجب الميزانيات،يمكنهم تنفيذه نتيجة خطأ بسيط ممكن ان نرتكبه، فمثلا توسيع الطرقات.لا يمكن القيام بها دون الحصول على خريطة هيكلية للقرية، أو استصدار ترخيص لهذا الشارع او الزقاق او الطريق . ونتيجة الاوضاع المعقدة، لا يمكن للمجلس المحلي القيام بها . وكذلك، ماليا وقانونيا لا يستطيع المجلس المحلي المساهمة في بناء اسوار واقية، على جانبي الطرق.اما عن طريق العمل التطوعي كان بامكان ادارة المجلس، بالتعاون مع لجنة العمل التطوعي، ولجان الاحياء، ان تضع خطة العمل المطلوبة، وانجاز اعمال جبارة  نسبيا. فمثلا من اجل توسيع طريق، لا يستطيع المجلس توسيع الطرق وبناء الأسوار الواقية .وفي نفس الوقت لا يستطيع صاحب الملك ان يبني اسوارا واقية لارضه، يمكن اعتبارها واقية للشارع.
اما اذا اتحدت القوى الثلاث وهي المجلس المحلي بتقديم المعدات اللازمة، وصاحب الارض مواد البناء، ولجان العمل والاحياء تقوم بتنفيذ العمل التطوعي  فيمكننا من انجاز مشاريع واسعة، وكبيرة، مثل توسيع طرقات، وبناء اسوار واقية . نكون بهذا قد جنبنا المجلس المحلي الوقوع، تحت طائلة القانون كسلطة رسمية، عليها ان تعمل ضمن القانون الرسمي الذي لا يمكن تطبيقه حرفيا في قرانا، وجنبنا قرانا التقوقع،  وبقاءها متأخرة جامدة في مكانها.
كان العمل التطوعي، مشروعا ماديا، عمليا، اجتماعيا، تطويريا وسياسيا  . ينشأ فيه بين الناس، حب العطاء، والتآخي والتعاضد .  فاصبحت يافة الناصرة ورشة عمل متواصلة ومنتشرة في احيائها وطرقاتها . فمن انجح المشاريع واكثرها تأثيرا، توسيع الطرقات وتنظيمها، وبناء اسوار واقية،تضيف رونقا،  وجمالا على أحياء القرية،اعمال ترميم وتصليح في المدارس . منها ربط المدارس بالتيار الكهربائي، وأنارتها، واعداد حدائق فيها . وتتويجا لهذا العمل تم تأسيس بناء، لمكاتب المجلس المحلي، بعد ان كانت مكاتبه مستأجرة . فقام المجلس المحلي بتخصيص قطعة ارض لاقامة البناء، واعداد الخرائط اللازمة . فقمنا باعداد الكوادر، وفرق العمل التي شملت كل فئات القرية تحت اشراف مدير العمل  في البناء ، الرفيق طيب الذكر المرحوم فؤاد قاسم جمامعة والرفيق اطال في عمره نادر اسعد لوباني، والصديق الصدوق، جاد سابا سالم، وغيرهم كثر . وفي كل مرة نرى اعدادا أكبر مشاركة في العمل تساهم بهمة ونشاط في حفر الاساسات وخلط الباطون ونقله من مكان الخلط الى حيث يجب ان يكون . وقام البناء المكون من عدة غرف، لتصبح مكاتب ومخازن، تابعة للمجلس .      


* انتصار جبهة الناصرة الديمقراطية

وفي اواسط السبعينيات من القرن العشرين، استطاعت جبهة الناصرة الديمقراطية، بقيادة الشيوعيين والديمقراطيين وطلاب الجامعات والعمال والتجار وغيرهم، الوصول الى قيادة بلدية الناصرة، برئاسة طيب الذكر القائد توفيق زياد . وكان من المتوقع ان تلاقي بلدية الناصرة، ما لاقاه مجلس يافة الناصرة المحلي، من معاداة صارخة وكان نصيب الناصرة بطبيعة الحال اكبر واقسى لان تأثير الناصرة ، والمغزى الذي  تعطيه، اكبر واوسع، على الصعيد المحلي والعالمي . فالمحاولات السلطوية البائسة لأفشال الادارة الجديدة لبلدية الناصرة اكبر واكثر مكرا، من اجل قصم ظهر الحزب والجبهة، لتنجح السلطة الحاكمة في قبر هذه الفكرة وهي في المهد، وحرمان قرانا ومدننا من التطور والتقدم،لاثبات فشل القيادات المحلية، وعلى رأسها جبهة الناصرة الديمقراطية بكل مركباتها. ومن هذا المنطلق تعالت اصوات كثيرة في الوسط العربي، تساهم في فك الحصار المالي والاقتصادي والسياسي المفروض على مدينة الناصرة، وفي ذات الوقت تنادى الطلاب الجامعيون العرب في كل الجامعات الى تقديم اقتراحات للقيام بايام عمل، دعما ماديا ومعنويا واثباتا للهوية والانتماء وكانت في المقابل دراسة جدية في الشبيبة الشيوعية مستفيدين من تجربة يافة الناصرة،  لحماية هذا النظام الجديد في الناصرة، وكل فئة من ناحيتها عملت، من اجل انجاح بلدية الناصرة وافشال السياسة الرسمية المعادية . فتلاقت        الافكار جميعها، من حزب وجبهة وشبيبة وطلاب جامعيين وحرفيين وتجار،لاقامة ايام العمل التطوعي، تمخض عنها عمل جبار . وهو اقامة مخيم العمل التطوعي، وسميناه الاول، على امل ان يأتي ما بعده اعمق واكبر . وبحماس كبير توجهت الجموع الغفيرة من اصقاع البلاد، ومن اجملها وجود قوى متطوعة يهودية منظمة على اساس مناطق وقطاعات، شيبا وشبابا وصبايا، لتلتقي في ارض المخيم في ساحة جمعية الشبان المسيحية لتنتظم في صفوف العمل، حيث سارعت البلدية هناك لنصب الخيام التي تضم مركز المخيم ومكاتب المخيم وادارة المخيم والمطبخ الكبير لتزويد العاملين بالطعام، لينطلق من هناك جموع العاملين مزودين ببرنامج عمل واضح في الاحياء اعدته  البلدية مسبقا، بالاتفاق  مع لجان واهالي الأحياء . وكان الجميع مستعدين لهذا العمل، الاّ ان حماس كل الفئات والاطر فاق  كل توقع، وكان الأنجاز اكبر من المتوقع بكثير . وتلاه في كل سنة مخيم اكبر واوسع، وازدادت الخبرة والمعرفة . ولم يعد مخيم العمل التطوعي مجرد انجاز مادي،  ورشه عمل في النهار ، وورشة تحضير الطعام بعد الظهر في ساحة المخيم، تساهم فيه النساء اللواتي لم يستطعن المساهمة في العمل، فكانت مساهمتهن احلى واجمل . لم يعد المخيم، مجرد انجاز مادي فقط ، بل أصبح ورشة عمل كبيرة، منتشرة في كل الأحياء نهارا، وورشة فن وثقافة وتربية وتعارف في المساء .
نحن اليوم، وفي هذه الاجواء المتضاربة، حيث التراجع الاقتصادي والثقافي والتربوي في مجتمعنا، بحاجة ماسة الى مخيمات على هذا  الغرار، ومن انواع مختلفة على كل المستويات، وامكانية مخيمات عمل تطوعي في يافة الناصرة واردة، حيث نعود الى ما أنجزناه، ليلتقي كل أبناء شعبنا مع القوى اليهودية المتنورة، واخوتنا في الضفة والقطاع، حيث نساهم جميعا في طرح كل الامور والقضايا، وفي نفس الوقت نقوم بانجاز عملي محلي وثقافي وتربوي، نلفت انظار الجيل الصاعد ان هناك ما يستحق ان نضحي من اجله، لنرتقي  جميعا الى مستوى المسؤولية وننهض بقرانا أولا وبأهلنا وبمجتمعنا آخرا .

 


(يافة الناصرة)

قد يهمّكم أيضا..
featured

يوم الأرض – نقطة التحوّل في سطور

featured

خدعة "السلام الاقليمي" الخطيرة!

featured

النساء والتحول الديمقراطي

featured

مصر شراع السفينة

featured

العنصرية مستنقع في الدولة!!

featured

الطغيان سينهار

featured

القضية الفلسطينية والوضع الدولي