منذ الانقلاب الذي نفذته حركة حماس في حزيران 2007، وسيطرتها الـمنفردة على قطاع غزة، تم فرض الحصار الظالـم على أهل غزة، ولكن حركة حماس وقياداتها وكوادرها لـم يتأثروا به، على الرغم من أنهم الـمستهدفون من هذا الحصار وهم سببه ودوافعه.
عدم تأثر حماس بالحصار يعود إلى القرار السياسي الـمصري الذي وفر كل التسهيلات الـمطلوبة لحركة حماس لتمرير الرجال والـمال والسلاح عبر الأنفاق والخطوط والحدود الـمصرية، وحجة القاهرة في ذلك، ودوافعها، حرصها على إبقاء قنوات الاتصال مع حركة حماس ومحاولات التأثير عليها، لعلها تفلح في إنجاح الحوار والتوصل إلى اتفاق فلسطيني فلسطيني، يلغي الانقلاب ونتائجه، وينهي الانقسام ومظاهره، ويعيد وحدة الـمؤسسة والجغرافيا الفلسطينية، فقدمت كل التسهيلات لحركة حماس، طوال مرحلة الحوار، التي استمرت أكثر من سنتين 2007ــ 2009، تم خلالها نقل عشرات الـملايين من الدولارات عبر الحقائب الـمحمولة من قبل قيادات حماس والـمصرح لهم دون سائر أهل القطاع بالتنقل بحرية ودون إعاقة بالاتجاهين، وكانت دفعات الـمقاتلين بالعشرات والـمئات تغادر غزة، عبر القاهرة إلى دمشق وطهران، للتدريب، والعودة معززين مكرمين، يتولون الوظائف الـمطلوبة لتعزيز سلطة الانقلاب وتقويتها.
قيادات حماس من الصف الأول حتى الـموقع العاشر تحركت بالذهاب والإياب، وفتحت لها أبواب الاستقبال وصالات الشرف (V.I.P) الـمصرية باعتبارهم قادة ومسؤولين للشعب الفلسطيني، حتى موسم الحج، سمحت به القاهرة بالتعاون مع السعوديين عبر حكومة الانقلاب، من خلف ظهر السلطة الوطنية ودون التشاور أو التنسيق مع أوقاف رام الله.
باختصار كانت القاهرة تتعامل مع شرعيتين وحكومتين وطرفين على قدم الـمساواة، بينما شعب غزة يرزح تحت الحصار ويتوجع من سلطة الانقلاب بعد التوصل إلى الورقة الـمصرية في شهر تشرين الأول 2009، وهي حصيلة سلسلة الحوارات الفلسطينية، ورفض حماس التوقيع عليها؛ ما أحرج القيادة الـمصرية، وأربكها، تبدل الحال، وتغيّر الـموقف الـمصري باتجاه التشدد في التعامل مع حماس وحجب التسهيلات الـمقدمة لها، ومنذ نهاية العام الـماضي 2009، تم منع التنقل والسفر لقيادات حماس عبر القاهرة، ووقف تدفق الحقائب الـمحشوة بملايين الدولارات، وفرضت إجراءات مصرية حازمة لـمنع تهريب السلاح، والـمال، والرجال، وانعكس ذلك على نشاط حركة حماس في قطاع غزة، فالـمال أصبح شحيحاً، والتسهيلات موقوفة والتنقل يكاد يكون معدوماً.
السلوك الرسمي العربي، لـم يكن أقل دفئاً من الحكومة الـمصرية بالتعامل مع نتائج الانقلاب، وللهدف نفسه تحت حجة التأثير على حركة حماس أو تليين مواقفها، أو مجاملة واستجابة لضغوط حركة الإخوان الـمسلـمين العالـمية العابرة للحدود، في كل من اليمن والسودان والجزائر والكويت، أو لإنها ورقة سياسية يمكن توظيفها خدمة للـمصالح السورية والإيرانية أمام واشنطن وتل أبيب.
فقد تعامل العديد من أطراف النظام العربي مع حركة حماس باعتبارها جزءاً من النظام السياسي الفلسطيني، واستقبلت رموز الانقلاب وقياداته باعتبارها أمراً واقعاً لا فرار من التسليم به، باستثناء الأردن الذي رفض وأصر على عدم استقبال ولا واحد من رموز الانقلاب بمن فيهم إسماعيل هنية ومحمود الزهار، وحتى حينما سمحت عمان لخالد مشعل بالـمجيء لدفن والده وتقبل واجب العزاء في صويلح، ولـمست أن العزاء تحول إلى مهرجان من الخطابات السياسية، طلبت منه تقليص وقت الزيارة ومغادرة عمان قبل أن تنتهي مراسم تقبل العزاء، دون أن يلتقي مع أي مسؤول رسمي أردني.
الرئيس الفلسطيني، كان يشعر بغصة وينتابه الأسى من سلوك بعض الأطراف العربية، وبقي قابضاً على الجمر، صابراً على ألـمه، مع إدراكه أن كل واحد من قادة العرب لديه أكثر من حماس انقلابي ومعارضة مسلحة داخل بلاده تسبب له الوجع، ومع ذلك لـم يأخذ هؤلاء الذين يواجهون معارضة مسلحة داخل بلادهم مثل الجزائر والسودان واليمن والعراق، أن انقلاب حماس سبب الأذى للشعب الفلسطيني وللقضية الفلسطينية وللـمسار الديمقراطي ولقيم تداول السلطة والحصول على الشرعية عبر صناديق الاقتراع، فبدلاً من الإسهام بردعها عربياً وكبح جماح تسلطها على قطاع غزة، تم فتح أبواب بعض العواصم لتستقبل خالد مشعل باعتباره قائداً ومسؤولاً، غير مدركين أنه جزء من حركة الإخوان الـمسلـمين الأقوى في العالـم العربي سواء في مشاركتها في حكومات الجزائر والسودان والصومال والعراق، أو من حيث قوتها كمعارضة سياسية في كل من الأردن ومصر وسورية واليمن والكويت والـمغرب.
تواجه حركة حماس اليوم حصاراً خانقاً، وقد انعكس ذلك على مظهرين:
الأول : تصريحات قياداتها الـمناوئة بقوة للنظام الـمصري أو تصريحات مهادنة تتوسل الـمصالحة وفك الحصار.
والثاني : سلوكها العملي في غزة والـمتمثل بعدم قدرتها على تسديد رواتب العاملين معها، والبحث عن موارد محلية عبر زيادة الضرائب والأتاوات في محاولة لتغطية احتياجاتها الـملحة.
لقد فشلت حركة حماس ومعها حركة الإخوان الـمسلـمين ودمشق وطهران والدوحة في شرعنة الانقلاب وجعله عنواناً لفلسطين، وتراجع نصيبها من الاهتمامات العربية والدولية، لأن ما تتمسك به من أوراق القوة بات عبئاً عليها، فهي تتمسك أولاً بنتائج الانتخابات البلدية والتشريعية والرئاسية التي أعطتها الشرعية، وهذه الورقة باتت غير صالحة للتسويق، بعد أن انتهت ولايتها الدستورية بمرور أكثر من أربع سنوات على إجرائها، وزاد من ضعفها، رفض حركة حماس الانصياع لاستحقاقاتها الدستورية بإجراء الانتخابات في مواعيدها للبلدية والبرلـمانية والرئاسية.
وثانياً تتمسك بنتائج الانقلاب الذي أفقدها بريقها الجهادي، وأخذت مكانتها تتآكل لأنها عجزت عن ردع العدوان الإسرائيلي وجعله مكلفاً في حملة الرصاص الـمصهور، وكانت نتائجه السياسية والعسكرية والاقتصادية والـمعيشية وخيمة على أهل القطاع، وفرضت التهدئة من طرف واحد دون أن تقبض سياسياً ثمن وقف عملياتها الـمسلحة ضد جيش الاحتلال وفرضته على فصائل الـمقاومة الأخرى بالقوة.
لا نتائج الانتخابات البلدية والتشريعية والرئاسية السابقة باتت مكسباً لحماس ولا نتائج الانقلاب باتت عنواناً مربحاً لها، فهي في وضع مأزوم لا يسر صديقاً ولا يضعف عدواً، وما لها سوى الانصياع لـمنطق التراجع عن الانقلاب وإنهاء الانقسام والعودة إلى حضن الشرعية، إما بالتسليم بالورقة الـمصرية أو الاحتكام مرة أخرى إلى صناديق الاقتراع وقبول نتائج الانتخابات التي يصنعها صاحب الولاية، وصاحب الولاية الوحيد هو أهل الضفة والقدس والقطاع.
