- *لقد اختار الطريقَ الصعبَ، وكان النقدُ الأدبيُّ نهجَه الأوّل، وأصابَه ما أصابَنا من نقد النقد البعيد عن النقد، وحتى الأدب. لكنّه صمدَ، وتابعَ الكتابةَ النقديةَ في تَقْييم حركتنا الأدبية المحلية والعربية عامة، وفرضَ وجودَه وكتاباتِه، وأصبح مَرجعا أساسيّا في دراسة حركتنا الأدبية في البلاد*
جمهورُ كفر ياسيف العزيز: أنْ نلتقي بكم الليلة هو عيد لنا جميعا
وأن نحتفلَ معكم بحبيبنا حبيب فهو العيدُ الأكبر
فكفر ياسيف التي عرفَتْ شوارعُها، ورعتْ بيوتُها، وحضَنَ أهلُها الأفواجَ المتتاليةَ من شبابنا وشاباتنا، الذين جاؤوا لينهلوا العلمَ في مدارسها، ويتخرّجوا من مدرسة يني يني الثانوية الوطنية، ليُغيّروا واقعَ جماهيرنا العربية في مختلف القرى والمدن، هي كفر ياسيف التي تحتفلُ بأبنائها وبناتها الذين لمعوا، وتميّزا وأبدعوا في مختلف المجالات.
واليوم نحتفلُ في كفر ياسيف بابنها البار الصديق الدكتور حبيب بولس. وليعذُرْني الأهلُ في كفر ياسيف إذا قلتُ لهم: ليس حبيب لكم فحسْب، بحُكم مولده، وإنما هو ابن لكلّ جماهيرنا العربية في البلاد، ولكلّ أمتنا العربية والإنسانية جمعاء.
فالدكتور حبيب عندما انطلق في مشوار عطائه الإبداعي منذ سنوات السبعين الأولى من القرن الماضي/ القرن العشرين، وهو مُسلح بالعلم والثقافة والمعرفة، وبالفكر التقدّمي الثوري، وبالرؤية الثاقبة الواضحة، والرؤيا النّبوئيّة البعيدة الاستشراف، كان يدرك أنّ مشوارَه طويل لا حدودَ له، وأنّ طريقَه شاق تعترضه أهوال دونها أهوال.
لكن حبيب حسَم أمرَه، وبدأ مشوارَ حياته الطويل ورحلَةَ عمره المثيرة.
اختيارُ طريق الأدب لا يُْطعمُ الفمَ، ولا يَقي منَ البرد، ولا يُوفّرُ السّكنَ، ويُبْقي صاحبَه في مَهبّ الريح، وهدَفا للسلطان الحاكم. واختيارُ النقد الأدبي يؤلّبُ عليك أصحابَ القلم.
لكن حبيب اختار الطريقَ الصعبَ، وكان النقدُ الأدبيُّ نهجَه الأوّل، وأصابَه ما أصابَنا من نقد النقد البعيد عن النقد، وحتى الأدب. لكنّه صمدَ، وتابعَ الكتابةَ النقديةَ في تَقْييم حركتنا الأدبية المحلية والعربية عامة، وفرضَ وجودَه وكتاباتِه، وأصبح مَرجعا أساسيّا في دراسة حركتنا الأدبية في البلاد، وله يعود الفضلُ الرّياديّ في إصدار الأنطولوجيا في القصة القصيرة العربية المحلية بما تميّزت به من الشّموليّة وحُسْن الاختيار والتّقْييم الصائب لمسيرة قصّتنا العربية المحلية.
والتفتَ حبيب، كونه مدرّسا في المدارس الثانوية ومن ثم في الكليات، إلى حاجة طلابنا للمراجع في الأدب والنقد، فعمل على إصدار العديد من الكتب التي اهتمّ أنْ تزوّدَ الطالبَ بأفضل الدراسات الأدبية والنقدية لكبار الكُتّاب والنّقّاد في العالم العربي,
كما اهتم بتزويد الطالب الثانوي بخلاصة الأدب الراقي العالمي، وأصدرَ دراسات حول عدد من المسرحيات العالمية لشكسبير وسوفوكليس وغيرهما.كما عمل على مُرافقة تطوّر المسرح العربي المحلي، وكتب عن معظم المسرحيات التي عُرضَتْ وجمعها في كتاب قيّم حول المسرح المحلي.
حبيب بولس لم يقتصر في اهتمامه على العصر الحديث، وإنّما راح يبحث في التراث العربي، ويختار الدّررَ النادرةَ فيه، ويُقَدّمها للقارئ في قالَب مقالة ينشرُها في الجريدة أو دراسة بَحْثيّة تَصدرُ في كتاب، وسرعان ما تُصبح دراساتُه وأبحاثُه مَراجعا لدى الدّارسين.
انشغال حبيب بالأدب وهمومه وبالتدريس في الثانويات والكليات، لم يمنعه من المشاركَة في معظم النشاطات الاجتماعية والثقافية والسياسية، وأنْ يكون عضوا فعّالا في الكثير من الأطر التنظيمية والثقافية.
وكان برنامجُ الصديق حبيب بولس الأسبوعي الأدبي"بين الكلمات" في التلفزيون النافذةَ الثقافيّةَ الأدبيّةَ الواسعةَ على مختلف مجالات الثقافة والإبداع، ووسيلةً راقيةً لتَقْريب المبدعين من كل الناس، وكَشْف مَكنون إبداعاتهم ودراساتهم للقارئ، وتَعريف الكثير من الذين يستضيفُهم لمشاهدي البرنامج من مُحبّي الأدب.
هذا بعض من عطائك في مشوارك الطويل العريض يا صديقَنا حبيب، ولكنّ دورَك الذي لا يقلّ تميّزا عن الإبداع والدّراسة والبَحث والنّقد كان ولا يزال في سلك التدريس إذا كان في المدارس الثانوية أو في الكليات.
فأن تكون معلما في مدرسة عليك أنْ تحبّ عملَكَ، وتُؤمنَ برسالتك، وتحبَّ طلابَك، ولا تُؤْثرْ واحدا على غيره. ولكن أنْ تكونَ مُدرّسا لطالب جامعة أو كلية أكاديمية عليك أن تكونَ بحرَ مَعرفة وموسوعةً علميةً وإنسانا خاصًا، فأنْ تقفَ أمام طالبِ أو طالبةِ كليّة لا يكفي أنْ تعطي الدرسَ، وأنْ ينجحَ طلابُك في الامتحانات، وإنّما عليك أنْ تكونَ المثلَ الأعلى للأستاذ العارف المثقّف الحضاريّ المُراعي مشاعرَ كلّ طالب وطالبة، أن تكونَ الأستاذَ والأخَ والأبَ والراعي والمتفهّم،
وأنتَ يا صديقي هذا الأستاذ،
ولهذا يحبّك طلابُك، وتسألُ عنك طالباتُك، وتفرّ الدمعةُ من العَين إذا افتقدوك في حصة، وتتقافزُ البَسَماتُ على الشّفاه أذا عرَفوا أنّك ستكون في الحصة القريبة.
يا عزيزي حبيب أنت واحد من الذين غيّروا وجهَ كليتنا الأكاديمية العربية في حيفا، ورفعوا اسمَها، وأهّلوها لتكونَ حاضنةَ الأجيالِ العربية المتتالية التي تنتشرُ في كلّ مدارسنا وكلياتنا. فأنتَ بالإضافة إلى كونك محاضرا مُتميّزا في الكلية، فأنتَ نشيط في مختلف الفعاليات الثقافية وتُشغل العديد من المناصب المهمة.
هذا هو أنت يا عزيزي حبيب
حبيب الذي عرفتُك قبل ما يزيدُ على أربعة عقود، وربطتنا صداقة لا تزال، وحبُّ الأدب الذي يقوى، وزمالة في العمل شَدّتنا إلى بعضنا، ووحدةُ الهدف والرؤيةِ والفكرِ والحلمِ الذي خرجنا لمطاردته، والعملُ على تحقيقه ولا نزالُ في مُطاردتنا له ولهاثنا وراءَه وسؤالنا الدائم أتراه يتحقق؟
هذا هو أنت يا حبيب.
شكرا لك أنّك جمعتَنا لنقولَ لك كمْ نُحبُّك ونُقدّرُك ونَعزُّك وننتظرُك. وشكرا لرفيقة دربك ناهدة التي عرفت كيف ترعاك وتحنو عليك وتوفّر لك الأجواء الهادئة السعيدة، وهنيئا لها بزوج رائع مثلك.
