لقد أتى عيد "السوكوت" (عيد العرش) الى البلاد وعيّد أولاد عمنا، وطبعًا كلما يفرح أولاد عمنا فنحن ننتكس في لعنة ونحس. فقد جلستُ أمس مع صديقي وليد نتخرّف عن الفنّ المحلي، حين رنّ التلفون الخلوي.. إنها زوجتي، وتبكي على الهاتف وتصف وضعها، فقد وقعت في باص إيجد حين أرادت النزول. وكما فهمتُ، فقد جلست بجانبها امرأة روسية سمينة ولم تسمح لها بالخروج من مقعدها لتمضي في طريقها، وزوجتي لم تطلب منها حق المرور بالعبرية، فهي أحيانًا تفتقر للغة العبرية لكونها ألمانية. والنتيجة كانت أنها تعثّرت واقعة على الأرض، ولحسن الحظ لم يحدث سوى أن قدمها تورّمت لدرجة مقلقة.
أوصلت وليد الى بيته وذهبنا الى مستشفى "روتشيلد". وهناك، استضافتنا على المكتب امرأة يهودية شرقية شابة، وبدت متعجرفة لدرجة مخيفة، كما أنها كانت متطفّلة أيضًا لدرجة كبيرة. فقد سألتنا ألف سؤال، وفي النهاية سألت زوجتي "هل هو زوجك"؟ مشيرة اليّ فأجابتها زوجتي: "نعم"، ثم نظرت اليّ وكأنها تقول "يا له من أمر غريب، رجل شرقي مع امرأة غربية". بعد ان أجبنا على جميع أسئلتها التي كادت أن تصل الى "ماذا تحلم في الليالي؟ و"ما هو أكلك المفضّل؟"، ذهبنا الى أحد الأطباء. كان الطبيب عربي ولطيف ولكنه كان غير ناجع الى حد الإدهاش، فقد كان يختفي كل عشر دقائق لاستراحات تبدو كقرن كامل. حين فحص هذا الطبيب قدم زوجتي، قال لها أنها ليست مكسورة، بل متورّمة فقط، وعليها أن تستريح لثلاثة أيام وان تضع عليها الثلج. اما زوجتي فلم تصدّق بعد أن خرجنا أن القضية سوف تستغرق ثلاثة أيام.
في اليوم التالي أصرّت زوجتي أن تذهب الى مؤسسة "ياد سارة" لكي نحضر عكازين، وفعلا ذهبنا الى المكان. استقبلتنا مجموعة عجائز يهوديات، وهن كما فهمت يتطوعن هناك. كنّ لطيفات جدًا وحتى تكلمنالانجليزية بمهارة، مما أعفاني من دور الترجمة. بدأت زوجتي تقفز بين العصي وكأنها عائدة من حرب. وبما أنها لم تصدّق أنه عليها الانتظار فقط ثلاثة أيام فقد ذهبنا لاستماع الى رأي آخر في مستشفى "لين" وهناك استقبلنا طبيب مسن وقال "مكتوب هنا انها مسألة يومين أو ثلاثة". ثم ساعدتنا شابة بقراءة ما كتبه الطبيب العربي في "روتشيلد". أما انا، فقد ذهبت مع زوجتي من مكان الى مكان، ومع انها كانت "تقارعني" في كل فرصة تتاح لها، حتى قابلت في النهاية طبيبة روسية الأصل والتي قالت لها الحقيقة، وهي أن الوضع سوف يبقى كذلك لمدة لا تقل عن شهر حتى تشفى قدمها.
بعد ذلك، وحين ذهبت زوجتي لتشتري دواء ما، ذهبت لأشتري "شنيتسل في باجيت" ، فجلست في الهدار، وفهمت كم أحنّ الى شنيتسل هداري، فقد بدا الهدار لي في هذه اللحظة. أشعلت سيجارة ورشفت القهوة وأنا أنظر الى البائعين، اليهوديات الشرقيات صاحبات البقالات، القادمين الجدد، وفجأة مرّ الممثل سليم ضو، والأطفال العرب العائدين الى المدرسة، والمراهقات في طريقهن الى محطة الباص. أحسست انه بالرغم من نحسة السوكوت، فإن الهدار سيبقى لي.
