عيد بأية حال عدت يا عيد..؟!

single

الدخان يلف احياء القدس قبيل العيد!



يطل علينا عيد الاضحى المبارك، عيد التضحية والفداء، وهذا العيد هو مناسبة تتطلب منا ان نتوقف طويلا عند الحال الذي وصلنا اليه مع عالمنا العربي والإسلامي. فالمؤتمر الكبير لحجاج بيت الله الحرام من كل انحاء المعمورة يفترض فيه ان يتوقف للحديث عن احوال المسلمين، وأحوال بلدانهم. وهو من المعاني السامية للعيد الكبير، اضافة الى الفرح واثارة البهجة في نفوس الناس، لان العيد هدية من الله لعباده المؤمنين، ومن حق العابدين المؤمنين ان يقدروا هذه القيمة العليا التي اتاحها لهم رب العالمين.
 واذا كنا اليوم نتساءل وبحق: بأية حال تعود ايها العيد؟! فقد فعلها قبل اكثر من الف عام شاعر العرب الاكبر، حين تساءل هو الآخر: "عيد بأية حال عدت يا عيد" ام اننا سنظل نتساءل الف عام قادم نفس التساؤل، لأن احوالنا عربا ومسلمين تفرض علينا مثل هذا التساؤل الذي يتكرر عاما في اثر عام والحسرة في القلوب، والغصة في اعماق الأعماق. وقد ذهب البعض الى اليأس من هذه الامة، كما فعل الشاعر والأديب المهجري رشيد سليم الخوري، في اعقاب الحرب العالمية الاولى، حين رأى وطنه العربي يحتل ويمزق في اتفاقيات سايكس بيكو. عندها اطلق رشيد سليم الخوري صرخة اليأس، والكفر بشعبه، غضبا منه لما حدث، فقال في قصيدة له موجّها كلامه الى شعبه في بلاد الشام:
امسخرة الشعوب لعنت شعبا
ذليلا لست منك ولست مني
واذا كانت قد حلت في ذلك الوقت كارثة على المنطقة العربية، لا زلنا نعاني منها حتى اليوم، فإن الكارثة الحالية التي يمر بها وطننا العربي أشد وطأة، وأكثر قساوة، لأنه بخلاف الكارثة الاولى، فإن الاستعمار كان السبب المباشر والمنفذ المباشر. اما كارثة العرب اليوم فإن ابناء هذه الامة الخارجين عليها هم ادوات التنفيذ المباشرة، في حين ان الاعداء التاريخيين للأمة هم الذين يخططون ويرسمون ويدفعون بهذه الادوات، سواء كانت أُسرا حاكمة، او زعانف متسلطة، او جماعات تم اعدادها والتغرير بها.
ولست في حاجة لأن اشرح كثيرا، فحال الامة يتحدث عن نفسه بعد ان اغرقوها في حروب دامية سموها "الربيع العربي"، وما من بلد إلا اكتوى بنار هذه الحرب، وهذه الفتنة المدمرة، وكان هذا دافعا للاحتلال العنصري الاسرائيلي لكي يضاعف من غطرسته واستبداده، وتنكره للحق الفلسطيني، وأحداث المسجد الاقصى الاخيرة خير شاهد على عدوانية هذا الاحتلال، الذي يحضر لفعل كبير ليس فقط في اولى القبلتين وثالث الحرمين، وانما في كافة الاراضي المحتلة الفلسطينية منها والعربية أيضا. فالتوسع كان طابع هذا الاحتلال عبر تاريخه الاسود، ولا زال حلمه التاريخي يراوده. وهو يحاول استغلال الظروف لتحقيق ذلك، وربما ظن ان الوقت قد جاء وهذه فرصته، كما يتوهم.
وعلى ضوء هذه الصورة القاتمة التي نستقبل بها العيد، حيث الدموع بدل الفرح، والدماء لا تجعل مكانا لبهجة او سرور، وبالرغم من صعوبة الظرف وقساوة الاوضاع، إلا ان هذا لا يعني نهاية المطاف، ولا يعني ان تستسلم الجماهير العربية كما لو ان هذا قدرها، فالصراع بين الخير والشر قائم منذ بدء الخليقة وسيبقى الى دهر الداهرين. وفي مواجهة هذا الوضع المأزوم، فلسطينيا وعربيا وإسلاميا، فإننا نرى هناك رجال الصدق والحق في كل مكان يقاومون ويواجهون ويدفعون الثمن بالدم الغالي، والصمود الاسطوري. وقد اسست هذه المقاومة وهذا الصمود، مع الاصدقاء من احرار العالم، لانطلاق وانبثاق عالم جديد يتكون الآن رغم جبروت قوى الهيمنة والاستكبار.
 فالصراع الذي تشهده منطقتنا، ومنذ اكثر من اربع سنوات وان اخذ طابع الحروب الاهلية، الا انه كان صراعا اقليميا ودوليا. وهو شكل من اشكال حرب عالمية ثالثة. فالمتورطون في هذه الحرب كثيرون، سواء بصورة مباشرة او غير مباشرة. وقد حاولت بعض الدول الصديقة، بما فيها روسيا والصين، ان تجنب المنطقة هذا الصراع الدامي، وهذه الحرب المشتعلة، وان ترسي قواعد السلم والاستقرار فيها. الا ان دول الغدر والعدوان والاستكبار لم تستجب لصوت المنطق والعقل، وتمادت في حربها وعدوانيتها، مما جعل الاصدقاء، وبعد ان باءت مساعيهم السلمية بالفشل، ان يتخذوا ما ليس منه بد دفاعا عن بلدانهم، ودفاعا عن السلم والامن الدوليين. فها هي روسيا، التي وقف رئيسها بوتين اشرف المواقف، وكما تشير التقارير والانباء الصحفية المتواترة تستعد بشكل جدي لمواجهة خطر الارهاب المتفشي في سوريا والمنطقة بشكل مباشر، دعما لاصدقائها وحفاظا على أمن العالم. وحين يقترب التدخل الروسي المباشر، وعلامات ذلك كثيرة واهمها في الآونة الاخيرة المناورات الكبيرة للاسطول الروسي قبالة شواطئ روسيا، وهي في حقيقتها توجه رسائل مباشرة الى من يعنيهم الأمر. ولست ادري الى اي مدى يمكن للروس ان يتدخلوا عسكريا ومباشرة  في مكافحة الإرهاب، لكنني ارى ان تدخلهم اصبح امرا واقعا، ولا اشك انهم عملوا كل حساباتهم الاستراتيجية وهم لا يلعبون بالنار، فتدخلهم لا يمكن إلا ان يدخل في اطار اطفاء النار المشتعلة، وقد يكون هذا شعلة للغرب الاستعماري والولايات المتحدة لتوسيع دائرة تدخلهم في ازمات المنطقة. وقد يؤدي هذا، في لحظة من اللحظات، الى مواجهة جاءت بالصدفة ولا يريدها الطرفان. لكن كل شيء قابل للحدوث اذا لم يتوقف التدخل الاقليمي والدولي في الشأن السوري والعراقي، وبقية المناطق المشتعلة. فهل نحن نقترب حتما من الواقعة الكبرى؟ وما نشهده اليوم هو مقدمة هذه الواقعة؟ وعلى اي حال من الاحوال، فلا زلت مع أبي الطيب المتنبي اتساءل: عيد بأية حال عدت يا عيد..؟!
ولا يسعني في الختام الا ان اوجه التهنئة والتبريك لأبناء شعبنا العربي الفلسطيني الصامد المرابط، والى المسلمين في كل مكان، بمناسبة حلول عيد الاضحى المبارك، وكل عام وانتم بألف خير..!! 

قد يهمّكم أيضا..
featured

صوت جديد يتّهم المؤسسة

featured

غولدستون وبئس المقال والمآل

featured

أفضل المدافعين عن الدّين الاسلاميّ

featured

هل نزعة الحرب للحكومات الاسرائيلية شلّت المجتمع اليهودي وأدّت به الى الانتحار العقلي!؟

featured

مُعْجزةٌ تحدث في نابلس: حكاية مستشفى النجاح تحطّم كلّ القوالب

featured

أوباما لم يشذ عن القاعدة

featured

سنة تعليمية مرتبكة

featured

مسيرة العودة وحق العودة