بين التنسيق الأمني وبنطلون الفيزون

single

 
"التنسيق الأمني" عبارة تتردد كثيرا على ألسنة الناس في مدن وقرى الضفة الغربية، وقد حضرت احدى المواجهات مرة في مدينة قلقيلية، رأيت اختفاء الشرطة الفلسطينية من المكان  بسرعة البرق وحلول جنود من الجيش الاسرائيلي مكانهم، حيث انتشروا وأخذوا يلاحقون أحد الشباب، الغريب أن المتواجدين أخذوا ينظرون الى هذا المشهد بصورة عادية، ثم رجعوا الى الدكاكين والمحلات التجارية والطلبة الذين كانوا قد خرجوا من المدارس استمروا في ذهابهم الى البيوت، والنساء رجعن الى بسطات الخضار يشترين ويفتشن عن الخضار الطازجة الصالحة للطبخ، ذهلت من هذا الموقف البارد الذي يشير الى احتلال مبطن بعلم وسلطة ومقر رئاسة ووزراء فلسطينيين، وعندما سألت صاحب احد المحلات عن وجود الجيش الاسرائيلي قال وهو يبتسم ابتسامة ساخرة "عادي"  هذا جزء من التنسيق الأمني.
 نعرف أن عبارة "التنسيق الأمني" خرجت من رحم اتفاقية اوسلو على شكل مولود لا نعرف حقيقة شكله، لكن الذين عرفوه وقابلوه وجها لوجه قالوا ان هذا المولود هو لعنة شيطانية، هو ذل وخيانة  وخزي للحركة الوطنية الفلسطينية، هو العنوان الجهنمي لحالة فلسطينية وصلت الى أرذل التفاوض والانحناء.
(التنسيق الأمني بمعاييره السياسية هو سلسلة اجتماعات ثابتة واجراءات تبادل الرسائل بين الضباط الاسرائيليين والفلسطينيين بشأن احتجاز مشتبهين بالإرهاب، وبشأن عمليات البحث عن مطلوبين والمطاردات، ويقوم بهذا النشاط جنود وافراد الشرطة الاسرائيلية والفلسطينية، عادة تتم على نحو منفصل ولكن وسط توفير المعلومات المتبادلة).
 لكن عندما أكد الرئيس الفلسطيني محمود عباس بحرارة الوعد وصدق الالتزام  السياسي واحترام الاتفاقيات وترهل المقاوم أن التنسيق الأمني مع اسرائيل أمر (مقدس) وسيستمر في التنسيق الأمني مع اسرائيل سواء اتفقوا مع اسرائيل أو اختلفوا..؟
كانت الصفعة المدوية على الخد، خد الطفل والشيخ والشاب والمرأة والعجوز والأسير والشجر والحجر، صفعة  على خد كل حلم وأمل وانتظار، صفعة على خدود  الأسرى الذين  لم يضعوا اليأس على جدول أعمالهم واجسادهم المتيبسة  في الزنازين.
جاء كلام الرئيس  أبو مازن  امام عدد من الشخصيات الاكاديمية وبعض نشطاء السلام الاسرائيليين عند زيارتهم لمقر الرئاسة في المقاطعة في رام الله، ومن المهازل أنه اثناء حديثه التقطت الكاميرا صورة لشاب وشابة من نشطاء السلام وهم  يقبِّلون بعضهما البعض قبلات ملتهبة، وقد اطلق شباب موقع التواصل الاجتماعي عنوان (قبلة المقاطعة).
عندما قال الرئيس أبو مازن ان "التنسيق الأمني مقدس" بين السلطة الفلسطينية واسرائيل لم  تقف الدهشة على رؤوس أصابعها، لأن جميع الفلسطينيين يعرفون ان التنسيق الأمني مع اسرائيل موجود وملموس ومعروف للصغار والكبار، الا انهم كانوا يأملون أن يقف الرئيس أبو مازن، ويؤكد أنه مقابل اضراب الأسرى والسباق المحموم اللاهث لبناء المستوطنات وانتهاك المسجد الأقصى وقطع اشجار الزيتون وهمجية المستوطنين اليومية التي تضيق الحياة والخناق على المواطن الفلسطيني البسيط الذي يقاوم بصراخه ودموعه وحجارته ويتمتم (الشكوى لغير الله مذلة)، المواطن البسيط  الذي لا يملك بطاقات – vip – اسوة بالوزراء والمسؤولين الفلسطينيين الذين يتمسكون بهذه البطاقات ولا يقومون برميها في وجوه الذين يراهنون على مصداقية شعاراتهم ومبادئهم.
عبارة (التنسيق الأمني مقدس)  فتحت أمام المواطن الفلسطيني حفرة عميقة و كبيرة، عندما يطل فيها لا يرى الا العتمة والظلام المخيف ولا يعرف أين قرارها.
ويتساءل بينه وبين نفسه  الى اين تصل خيوط التنسيق وربط الشباك ومدى الاصطياد..؟ واذا كان القادة الاسرائيليون يتفاخرون بين الحين والآخر أن التعاون الأمني مع السلطة ما زال قويا ومتينا رغم كل الذي يجري من اعتقالات والقتل - آخرها مقتل الطالب محمد أبو ظاهر والشاب نديم أبو نوارة بدم بارد ومصادرة اراض واقامة مستوطنات..! فكيف يستطيع الفلسطيني بناء جسور الثقة والعطاء والمقاومة  مع قيادته..!؟
مع انتهاء الانقسام بين فتح وحماس – انقسام العار -  وتشكيل حكومة الوفاق الوطني تنهدت فلسطين بترابها وجبالها وشتاتها ولجوئها وعذاب مشرديها، ورغم أننا لا نعرف حقيقة السراديب والأنفاق والارشيفات المكتوبة بالحبر السري الذي يلتصق بأصابع الذين سعوا ورافقوا عملية اغلاق هذا الملف المؤلم، وما دام الأمر هكذا ممكن ان ينتهي لماذا استمر الانقسام هذه السنوات التي أججت النيران وزرعت البغضاء والعناوين التي تنضح بالتفرقة، نحن نحمل القاعدة التي تقول " من يخطئ فهو انسان ومن يصر على الخطأ فهو شيطان " لكن الخطأ الفلسطيني كان أكبر واضخم من حجم الشياطين، لأنه حوَّل الشعب الفلسطيني الى لقمة سائغة لفك المفترس، اسرائيل وامريكا وباقي الدول العربية والغربية التي ترتدي  أمامنا ملابس مدارس الفضيلة لكن في ساحاتها وصفوفها تجرنا الى دروس الرذيلة، بالطبع الرذيلة بمفهومها السياسي والتنازلي.
السؤال الذي يضيء بألوان الحذر وينشر غاز الخوف، كيف سيكون شكل التنسيق الأمني  في ظل حكومة الوفاق الوطني؟ وكيف سيكون رد حماس على هذا الموضوع المؤرق..؟!   
اثناء الاحتفالات بوأد الانقسام  في شوارع رام الله مر احد الشباب مرتديا بنطلون "الفيزون" الخاص بالنساء، لكن الرجال في الشارع جن جنونهم لأن الشاب يتمايل ويتخايل  مثل الصبايا، فدبت الحمية في رؤوسهم وهجموا على الشاب واخذوا يضربونه بقسوة بحجة انه اهان رجولتهم وعيْب أن يرتدي هذا البنطلون الأنثوي. اعجب من بنطلون يثير رجولة الذكور ويعتبرونه عارًا على الرجال، وتنسيق أمني يمر بسهولة  تحت الثياب كاشفا كل الاعضاء  ولا يثير خوف الاجيال..
قد يهمّكم أيضا..
featured

استعادة اليقين والثقة بالنفس

featured

مرتزقة اسرائيل جنوب سوريا

featured

لكلّ عينٍ مشهد

featured

بيبي لا يحبّ اللون الرماديّ

featured

أسئلة ملحّة تطرح نفسها على الفلسطينيين

featured

قلّة ذوقكم خشّنت طعامكم

featured

عبد الناصر كان يقول: الشعب هو المعلم، وهو ما ثبت حين ودّعه الشعب

featured

ضعف الحق وباطل القوة ومعركة الانتخابات