نتنياهو لن يقدم تنازلاً مهما بدا صغيراً لمصلحة الشعب الفلسطيني وقيادته الوطنية وحقوقه الوطنية، بل وعلى العكس من ذلك يصر على مواصلة برنامجه الاستعماري التوسعي على أرض الفلسطينيين، رافضاً اتفاق أوسلو وآثاره، ورافضاً حتى استكمال خطة شارون الانطوائية من طرف واحد بإخلاء قلب الضفة الفلسطينية من الجيش، ورافضاً ما تم التوصل إليه بعد أنابوليس بين أبو مازن وأولمرت .
هذا ما يدركه أبو مازن عن نتنياهو جيداً وبالملموس، ولا أحد من الفلسطينيين يستطيع المزايدة على أبي مازن، لا بالمعرفة ولا بالخبرة ولا بالتمسك بحقوق شعبه .
نتنياهو رفض وقف الاستيطان، ورفض تحديد خارطة الأرض المحتلة عام 1967، ورفض بدء التفاوض من النقطة التي تم التوصل إليها مع سلفه أولمرت، ولذلك لا زيارته لواشنطن ولقاؤه مع الرئيس الأميركي أوباما أثمرت عن تحقيق نتائج ولا الوعود التي قدمها في زيارتيه للقاهرة وعمان لبت أو ستلبي التطلعات المصرية الأردنية في التحرك الإسرائيلي نحو الاقتراب من تحقيق نتائج تنسجم والقرارات الدولية .
أبو مازن يعرف ذلك ويدركه ويعيه بدون تنبيه، مثلما يذكر أن أقرب حلفائه تخلوا عنه حينما وافق على تأجيل مناقشة تقرير غولدستون، فهناك وزراء عرب أعلنوا عدم معرفتهم بالتأجيل مع أن سفراءهم في جنيف شاركوا في قرار التأجيل وعملوا على تأجيل التصويت على القرار، وأمين عام الجامعة العربية شعر بالغثيان بسبب تأجيل القرار مع أنه أصدر تعليماته لسفيره بالعمل على التأجيل، وما كان من أبو مازن إلا وأن قرر إعادة فتح ملف غولدستون أمام اجتماع لجنة حقوق الإنسان في جنيف، ونجح في ذلك وأدان إسرائيل، ولكن بعد أن دفع وحده ثمن التأجيل، من سمعته ورصيده ومكانته .
مطلوب من الرئيس الفلسطيني الآن أن يتخذ قرار الموافقة على الذهاب إلى المفاوضات المباشرة مع الإسرائيليين، بدون غطاء عربي أو دعم دولي، بل وبضغط من هؤلاء وأولئك، ومن أقرب حلفائه العرب، الذين يقولون له : أنت صاحب القرار، ونحن معك في أي قرار تتخذه ولكننا ننصحك بالذهاب إلى المفاوضات المباشرة، وهو أمام خيارين إذا قبل بالمفاوضات المباشرة، ستتم لعنته وتخوينه من قبل الصحافة وشبكات وقنوات التلفزيون العربية .
وإذا رفض سيقع تحت طائلة المسؤولية في دفع شعبه وسلطته الوطنية ومنظمة التحرير ليقعوا في دائرة الحصار السياسي والمالي، وكما فعل كلينتون وبوش بالرئيس الراحل أبو عمار، سيفعل أوباما بالرئيس أبو مازن.
وحده أبو مازن من بين القادة المعتدلين العرب، الذي ما زال صامداً أمام الأميركيين، رافضاً المفاوضات المباشرة بدون غطاء سياسي أميركي أو من قبل اللجنة الرباعية أو بدون مرجعية لهذه المفاوضات .
أبو مازن لا يخشى المفاوضات المباشرة مع الإسرائيليين، فقد فاوضهم مرة واثنتين وعشراً، وآخرها مع أولمرت، وبقي وفياً ممسكاً بحقوق شعبه وشجاعاً في الدفاع عنها، ولكن قبوله بالمفاوضات المباشرة أمام نتنياهو بعد فشل الإدارة الأميركية في :
1- وقف الاستيطان .
2- تحديد حدود الأرض الفلسطينية المحتلة عام 67 .
3- بدء التفاوض من النقطة التي تم التوصل إليها مع أولمرت .
سيكون ذلك بمثابة هزيمة معنوية وسياسية أمام نتنياهو، وسيكون معرضاً للمس والأذى أمام شعبه والعرب، وبلا غطاء أو دعم أو إسناد يحميه ويقيه من الضربات والشتائم واغتيال السمعة .
منظمة التحرير والسلطة الوطنية، تعانيان من شح الموارد، ولا تجد ما يغطي احتياجاتها الجارية ورواتب العاملين في مؤسساتها، والبلدان العربية لا تفي بالتزاماتها وفق القرارات، ففي العام الجاري 2010 مطلوب من العرب لمنظمة التحرير 550 مليون دولار حتى نهاية شهر حزيران، لم يصل منهم لخزينة المنظمة والسلطة سوى 115 مليون دولار، إضافة إلى أن ما قررته قمة سرت الليبية وهو 500 مليون دولار لإنقاذ القدس من التهويد والأسرلة والصهينة لم يصل منها دولار واحد، فكيف سيصمد أبو مازن وشعبه أمام البرنامج والمخططات الإسرائيلية، أليست هذه برسالة سياسية حينما لا يدفع العرب ما هو مطلوب منهم للفلسطينيين، وهي مبالغ ضئيلة إذا تم مقارنتها بحجم دخول بلدان الخليج العربي الثرية والتي لا تدفع ما هو مطلوب منها !!
أبو مازن لديه القناعة والرغبة في رفض المفاوضات المباشرة، في ظل المعطيات الحالية، ولكن رفضه للاقتراح الأميركي سيؤدي إلى تخريب وتدمير العلاقات الأميركية الفلسطينية، وتكثيف الحصار المالي وزيادته على الشعب الفلسطيني ومؤسساته، ويصل إلى الوضع الذي كان سائداً في أواخر عهد أبو عمار، حيث لا رواتب للعاملين، وهو وضع أدى إلى انقلاب "حماس" على الشرعية وعلى السلطة، لأن مقاتليها "شبعانين" وقياداتها يلعبون بالمال الذي يأتيهم من ثلاثة أطراف هي إيران وقطر وفصائل الإخوان المسلمين، بينما أجهزة السلطة والمنظمة بلا رواتب "جوعانين".
ورفض أبو مازن للمفاوضات المباشرة سيظهر نتنياهو على أنه رجل سلام يسعى للمفاوضات والتوصل إلى اتفاقات ولكن القيادة الفلسطينية تتهرب من مسؤولياتها، وبالتالي نصل إلى مقولة غياب الشريك الفلسطيني .
أبو مازن في وضع لا يحسد عليه، فما هو المخرج غير استقالته وحماية رأسه وأسرته من اتهامات التفريط والخيانة ؟؟
فهو لا يستطيع التصادم مع الأميركيين في ظل انقسام فلسطيني وعجز عربي وضعف إسلامي، وسيقع في محظور الحصار المالي والسياسي إذا رفض، وهو لا يستطيع الذهاب إلى المفاوضات وهو يعرف سلفاً أنه لن يحقق منها أي مكسب سياسي لشعبه، وسيخسر نفسه أمام الناس ويبدو على أنه مستسلم ورضخ لإرادة الأميركيين والإسرائيليين .
ما سمعه من حلفائه العرب قولهم "درء المفاسد خير من جلب المنافع" فماذا سيختار ؟ .
