هربت جامعة "الأنظمة" العربية من مسؤولياتها مرة أخرى في اجتماعها الأخير، فلم تقدم أي قرار او مشروع حقيقي لوقف تفتيت ليبيا بأيدي التكفيريين وأبرزهم قتَلة داعش. ولم يختلف توجه "الجامعة"عن توجه عدد من دول "الناتو" التي أطلقت بيانات استنكار لما يحدث لا أكثر، وواصلت منع تسليح الجيش الليبي.
مراقبون كثر وشهود ميدانيون يصورون ما يجري في هذا البلد العربي الغني بالثروات بأنه مقدمة لإنتاج حالة أفغانية في شمال أفريقيا. فالدول التي تدخّلت لتقويض النظام السابق ومؤسسات الدولة وجيشها (وهي دول الناتو ودول عربية خليجية لا يعنيها بالمرة أية حرية وديمقراطية للشعوب العربية!)، لا تحرك الآن ساكنًا لوقف كارثة ليبيا. تدخلت يومها دون شرعية ولا تفويض بالقصف والتآمر لخلق ميدان شاسع من الفوضى الذي يسهل فيه نهب النفط بالجملة، ومنع هذه الثروة من أن تكون بأيدي شعبها لتشكل مصدر قوة وحضور وهيبة.
لقد بات كثيرون اليوم يتساءلون ما اذا كانت تلك الدول الخليجية ساهمت في تدمير البنية التحتية للدولة الليبية ليس فقط لأنها تلقت أوامر "الناتو" برفع مطلب التدخل، بل لأن لها مصلحة مباشرة فلا تريد رؤية أية دولة عربية غنية بالثروات ومستقرة! بل تريدها مدمرة مفككة متصارعة حتى تظل هذه الدول الخليجية التي تديرها أنظمة العائلات المالكة المتخلفة الاستبدادية، بمثابة النموذج الوحيد للعرب (والذي يلمّعه مثقفون وإعلاميون مأجورون باعوا قيمهم ومبادئهم وضمائرهم كسلع رخيصة).
إن الهجوم الدموي المدمر الذي يشنه في ليبيا التكفيريون المرتزقة عملاء المشاريع الأجنبية – سواء كانوا يدرون أم لا – يهدد بخلق بؤرة نار شديدة الخطورة، ربما يريد بعض الأطراف السياسية المعادية لشعوب المنطقة زيادة ارتفاع لهيبها، رغبة في رؤيتها تطال مصر أيضًا.. ولكن هذه النيران لن يوجد ما يمنعها من الامتداد شمالا نحو القارة التي تقترف حكومات دولها المركزية عملية انتحارية مستمرة بامتناعها اللئيم عن دعم اية خطوات حقيقية لمواجهة تمدد إرهاب التكفيريين، بل تحارب من يحاربهم فعلا.. لذلك، فحين ستصيب نيران الإرهاب أوروبا لن يكون مسؤولا عن ذلك سوى حكومات دولها المركزية! لا تتهموا العرب ولا المسلمين ولا غيرهم. ألم تكونوا أنتم من حدثنا عن فضائل العولمة بجعل العالم قرية صغيرة؟!... لذا فالنيران التي تتركونها تشتعل في "حارة الشرق الأوسط" ستصل "حارتكم" لا محالة.
