حلّ هذا الاسبوع يوم الذكرى لمجزرة صبرا وشاتيلا الرهيبة (16-18) ايلول (1982) وتعود بي الذكرى في هذه المناسبة الى ما حصل في دار المعلمين العرب في حيفا في يوم الذكرى الاولى للمجزرة (1983)، كان ذلك في السابع عشر من ايلول سنة 1983 وقد اجتمعت لجنة المتابعة العليا واللجنة القطرية للسلطات المحلية العربية قبل اسبوع من يوم الذكرى وتقرّر اعلان الاضراب الشامل للعرب الفلسطينيين في الداخل بحيث يشمل جميع المرافق الحيوية في القرى والمدن العربية بما فيه اضراب المؤسسات التعليمية والمدارس وطلاب دور المعلمين والجامعات. اعلن ذلك اليوم ايضا يوم حداد على ضحايا المجزرة الرهيبة في صبرا وشاتيلا في لبنان والتي قام بها جيش الاحتلال الاسرائيلي وعملاؤه الفاشيون في لبنان. كنت يومها لا ازال نائبا لمدير الكلية (دار المعلمين سابقا). وقد كنت حريصا على ان يشارك طلاب دار المعلمين في الاضراب اولا لاسباب وطنية وثانيا كوني رئيسا للجنة متابعة قضايا التعليم العربي التي شاركت في قرار الاضراب والحداد.
في اليوم الذي سبق يوم الاضراب قرّر مدير دار المعلمين عدم المشاركة به وابلاغ طلاب الكلية بذلك، وبالرغم من طلب المدير منّي كنائب اول له ان ادخل الصفوف وابلغهم بذلك الا انني رفضت الامتثال لطلبه وناقشته في هذا الخطأ الكبير الذي وقع فيه، سيّما وان مستشار رئيس الدولة اسحق نافون آنذاك خرج ببيان اعلامي للجمهور العربي في البلاد قال فيه ان مشاركة العرب الفلسطينيين في الداخل في هذا الاضراب هو حق لهم.
ولان مدير الكلية لم يقتنع بوجهة نظري وصمّم على منع الطلاب من المشاركة في الاضراب، حرصًا منه على ارضاء المؤسسات الرسمية المسؤولة عنه، بما في ذلك جهاز الشاباك (الشين بيت) الذي كانت لديه السيطرة على عدم قبول طلاب لدار المعلمين بسبب مواقفهم السلبية، حسب التسجيلات التي كانت تصلهم من المتعاونين معهم في المدارس الثانوية.
اضف الى ذلك ان موقف المدير من الاضراب كان ايضا انطلاقا من القناعة عنده ان يكون "كاثوليكيا اكثر من البابا " لذلك قرر ادخال النائب الثاني للصفوف وابلاغهم بالحضور للكلية، وان يوم الاضراب سيكون يوم تعليم عادي وان على الطلاب الانتظام في الدراسة كالعادة وان المخالف سيعاقب وسيقدّم اسمه لاجهزة الامن، مما قد يؤثر على تعيينه معلما في المستقبل... وهكذا كان اما انا فقد قمت بدور آخر مخالف، فدخلت الصفوف بعد ان خرج منها نائب المدير الثاني وشرحت للطلاب الموقف الصحيح وان عليهم المشاركة في الاضراب وان الادعاء بأن المشاركة ستؤدي الى عدم تعيين الواحد منهم معلما بعد تخرجّه هو ادعاء غير صحيح بالنسبة لهذا اليوم، وفي يوم الاضراب دخل نائب المدير الثاني الصفوف، وسجّل اسماء الطلاب الذين لم يحضروا، اما انا فقد قمت بعد جولته تلك بالدخول للصفوف ووبّخت الطلاب الذين حضروا وشجعتهم على الخروج من الصف ومغادرة الكلية، ثم عرّجت على الطلاب الذين تواجدو في الساحة وتحدثت اليهم وقلت لهم ان عملهم هذا لن يفيد، فإما الذهاب لاماكن سكناهم والمشاركة في الاضراب واما البقاء في الكلية ودخول الصفوف. وقد امتثل غالبية الطلاب لكلامي وتركوا الكلية...
هذا ما حصل في حينه.. نجح الاضراب في دار المعلمين بنسبة 80%.. وقد سمعت من الطلاب الذين تخرجّوا بعد سنتين او ثلاث سنوات ان ما قلته كان صحيحًا وان معظم الطلاب قد تعينوا معلمين في المدارس، وان الادعاء الذي كان يومها باطلا ولم يؤثر في تعيينهم.. لقد دأبت خلال عملي في الكلية ان انمي عند طلاب دار المعلمين ومعلمي المستقبل الشعور بالانتماء الوطني وتأكيد المركَّب القومي عندهم كعرب فلسطينيين الى جانب تأكيد المركب المدني لديهم، من انهم عرب ينتمون الى دولة اسرائيل وان واجبهم الاخلاقي للدولة ان يعيشوا فيها كما هو واجب على اليهودي الذي يسكن في الشتات وفي الدول العربية ان ينتمي لدولته وان يكون مصريا او مغربيا او سوريا... الخ!!
وهنا تجدر الاشارة الى ان الحكم العسكري الذي كان مفروضا على العرب في الداخل حتى 1967 قد تحكم بالمعلمين وبالتعيينات في وزارة المعارف وان الخوف من الشاباك كان متجذّرا في نفوس المعلمين، فكانوا لا يجرؤون على التلفّظ بأي كلمة حول فلسطين وكانوا دائما "يلجأون الى الزاوية" في سلوكهم في كل ما يتعلق بالسلوك الوطني والقومي ويتهربون من الخوض من الموضوع، وكان المعلم العربي اقل وطنية وقومية من طلابه وانهم كانوا بحاجة الى اخذ "حبوب الشجاعة" (كدوري ميرتس) من اجل ذلك.
هذه المجزرة الرهيبة التي مرت هذا الشهر الذكرى الرابعة والثلاثين عليها، يعتبرها شعبنا ابشع مجزرة عرفها في تاريخه المليء بالمجازر على حد تعبير الاخ علي زبيدات في مقال نشره في حديث الناس قبل اسبوعين، ويتساءل فيه : لماذا نسي شعبنا هذه المجزرة؟ ولماذا لا تضعها لجنة المتابعة العليا على جدول اعمالها لمناقشتها! وادراجها مع ذكرى الشهداء الثلاثة عشر والشهداء الذين سقطوا خلال الانتفاضة قبل ستة عشر عاما في القدس والخليل وجنين ونابلس وغزة وفي كل مدينة وقرية فلسطينية ؟ وانا اقول لماذا لا نحيي كل هذه الاحداث الرهيبة بذكرى سنوية نسميها "يوم الشهداء" هذا هو اقتراحي للجنة المتابعة العليا لمناقشته واقراره.