// أول انعكاس لهبة الشعوب، واعادة الاعتبار للشعوب العربية، من خلال الثورات التي تجتاح العالم العربي، لمسناه بعد "عملية ايلات" ومحاصرة الاختيارات العدوانية المتاحة امام اسرائيل للرد عليها. وهذا ما يدلّل على انتهاء معادلة تعامل إسرائيل مع الدكتاتوريات العربية، بل والاعتماد عليها، وبالتالي انتهت رسم السياسات على حساب وعلى الضد من الرأي العام العربي
// في العقود الأربعة الماضية، وتحديداً منذ حرب أكتوبر / تشرين أول عام 1973، ظلت التوجهات العربية الرسمية تسير في صالح إسرائيل. وحسب وجهة النظر الإسرائيلية كان نظام الرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك يقوم بأدوار فائقة الأهمية من ناحية استراتيجية. لذلك اعتبرت المؤسسة الاسرائيلية، طوال الوقت، بأن "مبارك كنز استراتيجي لإسرائيل"
// بهذا المعنى فان "الاستشراق الاسرائيلي" فشل فشلاً ذريعًا في توقّع الأحداث المحتملة والتغيّرات الحاصلة في الشارع العربي، وبالتالي فقد انبنت الاستراتيجية الاسرائيلية على استبعاد أي تغيير محتمل، لسنوات طويلة قادمة، في النظام العربي، وهذا ما حدا بالسياسة الاسرائيلية الى تعميق العلاقة مع أنظمة ما يسمى بـ "محور الاعتدال" بهدف تقويض ومحاصرة دول ما يسمى بـ "محور الشر"!
1
المعادلة، مع اسرائيل، اختلفت الآن. أو، كما يُقال، فإن "أوراق اللعبة" قد تخربطت!. هناك تغيّر ما حصل في منطقة الشرق الأوسط ارتباطًا، بالذات، بالثورة المصرية وانعكاساتها على سياسة اسرائيل في المنطقة. وما يدلل أكثر على هذا الاتجاه هو ما كشفت عنه صحيفة "معريف" الاسرائيلية، امس الأول (الاربعاء)، من ان "تحذيراً مصرياً بخطر أي عملية عسكرية إسرائيلية في غزة على معاهدة السلام معها كان سبباً في تجنّب إسرائيل تنفيذ عملية واسعة كهذه". قالت "معريف" ان سبب رد الفعل الإسرائيلي "غير الحاد" على "عملية إيلات" في غزة يكمن في "رسالة قاطعة لا لبس فيها من القاهرة، تفيد بأنه إذا ضرب الجيش الإسرائيلي غزة بيد من حديد، فإن الحكومة في مصر ستجد صعوبة في التصدي للرأي العام الانتقادي ضدها"، وان أي "عملية عسكرية واسعة ضد أهداف في القطاع من شأنها أن تؤدي بالحكومة في القاهرة الى درجة تجميد العلاقات مع إسرائيل والمسّ الشديد باتفاق السلام".
وتأكيدًا لهذا المنحى الذي نذهب اليه، فان مستشار شارون السابق، دوف فايسغلاس، يرى بأن إسرائيل لم تسارع للرد على حماس في غزة لأنها خشيت من "شرك استراتيجي" حسب رأي وزير الأمن الاسرائيلي، إيهود باراك. وكتب فايسغلاس في "يديعوت احرونوت" أن باراك كان محقاً في أن "الجمود السياسي في المسار الاسرائيلي ـ الفلسطيني أدى الى تدهور العلاقات مع معظم دول العالم. فالنزاع الذي لا يعالج ـ وعلى أي حال لا يسوّى ـ هو الذريعة التركية والمصرية لتفاقم العلاقات مع اسرائيل. واسرائيل تفهم بأن خطوة عسكرية أليمة في غزة ـ كما تستحق حماس ـ من شأنها أن تؤدي الى خطوة مصرية وتركية متطرفة في شدتها، وتشجيع دول في العالم على تأييد المبادرة الفلسطينية في الأمم المتحدة". وأشار فايسغلاس إلى أن "تركيا، مصر ودول اخرى تعرف جيداً الواقع الذي علقت فيه إسرائيل: فهي تشعر بوهن موقفها في العالم، وباستثناء الولايات المتحدة ـ التي قوتها أيضاً، لشدة الأسف، وهنت بقدر كبير ـ فإن أحداً لن ينهض لمساعدتنا وتأييدنا.. يخيّل – اضاف فايسغلاس - أن همس "الاحتجاج" العالمي، الضعيف والواهن، على عملية القتل النكراء (المقصود عملية ايلات)، يؤيد هو أيضاً الاستنتاج البشع بأن عملية اسرائيلية في غزة لن تحظى بالتصفيق. وبالفعل هذا "شرك استراتيجي" تملصت منه الحكومة (الاسرائيلية) بنجاح، ولكن امتنعت أيضاً عن محاسبة القتلة أبناء الموت".
2
لقد انهار أهم ركن اعتمدت عليه إسرائيل في الحفاظ على تفوقها الاستراتيجي الإقليمي. وفي الوقت نفسه تشهد المنطقة العربية تحولات جذرية، يبدو انها، في السياق العام، تتحرّك على الضد من مصالح إسرائيل، خاصةً وانه أعيد الاعتبار من جديد للشعوب العربية وموقفها.
في العقود الأربعة الماضية، وتحديداً منذ حرب أكتوبر / تشرين أول عام 1973، ظلت التوجهات العربية الرسمية تسير في صالح إسرائيل. وحسب وجهة النظر الإسرائيلية كان نظام الرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك يقوم بأدوار فائقة الأهمية من ناحية استراتيجية. لذلك اعتبرت المؤسسة الاسرائيلية، طوال الوقت، بأن "مبارك كنز استراتيجي لإسرائيل". قال ذلك رئيس الدولة العبرية، شمعون بيرس. وقال ذلك وزير الأمن السابق، فؤاد بن اليعزر، عندما كان يشغل منصب وزير الصناعة والتجارة.
في عهد مبارك تم منح إسرائيل أكبر مساحة زمنية وجغرافية ممكنة من الأمن الاستراتيجي والاقتصادي وتقريباً من دون مقابل. تم تحييد أكبر دولة عربية من الصراع العربي – الاسرائيلي وزال خطر الحرب الشاملة والتقليدية عن إسرائيل بينما تضاعف بالنسبة للعرب. لم يتحقق السلام الموعود إلا بالنسبة لإسرائيل، بينما تحققت سيناريوهات حروب واعتداءات على كل الجوار العربي تقريباً: ضرب مفاعل تموز العراقي عام 1981، اجتياح لبنان عام 1982، القمع المتوحش للانتفاضة الفلسطينية الأولى في اواخر الثمانينيات واغتيال القيادات الفلسطينية في تونس في نفس السنوات، قمع الانتفاضة الثانية سنة 2000 فصاعداً، قصف المفاعل النووي السوري سنة 2007، اجتياح غزة عام 2008، وصولاً إلى اغتيال القيادي الحماسي في دبي في العام الماضي. هذا عدا حالات عربدة سرية واستخباراتية ربما لا تحصى استباحت فيها إسرائيل سيادات معظم الدول العربية، بما في ذلك مصر نفسها، عبر شبكات التجسس والتدخل في الشؤون الداخلية.
عملياً اشتغل نظام مبارك كسياج واق لاسرائيل أتاح لها مساحات التمدد والتنفس والحركة بحرية ومن دون الخوف من اية ارتدادات عربية فردية أو جماعية، لأن نظام مبارك عمل، دائمًا، على امتصاصها، كما شهدنا بوضوح بالغ في كل مراحل الاعتداءات المتكررة على الدول العربية وعلى الفلسطينيين، وكان آخرها الحصار على غزة والحرب عليها.
3
لنعد قليلاً الى الوراء لتوضيح صورة الارتباك الاسرائيلي مما حصل ويحصل في العالم العربي وبالتحديد في مصر. ففي أول رد فعل لها، قالت اسرائيل الرسمية، في يناير الماضي، بأن ما يحدث في العالم العربي عمومًا، وما حدث في مصر تحديدًا، من ثورات وهبات شعبية، "يشكّل إنذارًا استراتيجيًا لاسرائيل"!
منذ ذلك الوقت واسرائيل منشغلة، أمنيًا وسياسيًا وعسكريًا، في صياغة استراتيجياتها بما يتعاطى بشكل مغاير مع دول المنطقة ارتباطًا بالتطورات الأخيرة. وهي اكدت، منذ اللحظة الأولى، ان المحافظة على اتفاقية السلام مع مصر هو مصلحة استراتيجية عليا لاسرائيل. لكن الأحداث في مصر، وفي الشرق الأوسط عمومًا، دفعت قادة المؤسسة الإسرائيلية للاستعداد لمواجهة ما وصفوه بـ "واقع جديد ومجهول". لم تبق مؤسسة أمنية أو استخباراتية أو استراتيجية اسرائيلية إلا واجتمعت، وأجرت أبحاثًا مستفيضة، من بينها اجتماع مشترك للجان متفرعة عن لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، وهي لجنة الاستخبارات والخدمات السرية، ولجنة نظرية الأمن القومي وبناء القوة، ولجنة الجاهزية والأمن الجاري. يضاف الى ذلك لجان استخباراتية تابعة لجهاز الاستخبارات الاسرائيلي ولجان أبحاث أكاديمية للمستشرقين الاسرائيليين. كل هذه التحركات الاسرائيلية، التي جاءت دفعة واحدة وفي توقيت واحد، هي إشارة واضحة الى ان اسرائيل تتعامل مع المتغيّرات في مصر وفي العالم العربي من منطلق كونه "أمرًا إستراتيجيًا".
الملفت للإنتباه ان تقديرات المخابرات الإسرائيلية، قبل يوم فقط من أحداث 25 كانون الثاني / يناير في مصر، قد تلخصت بانه ليست هناك مخاطر على استقرار النظام في مصر وأنه لا مجال للحديث عن نشوب "هبّة شعبية" يمكنها أن تطيح بنظام الرئيس مبارك. بهذا المعنى فان "الاستشراق الاسرائيلي" فشل فشلاً ذريعًا في توقّع الأحداث المحتملة والتغيّرات الحاصلة في الشارع العربي، وبالتالي فقد انبنت الاستراتيجية الاسرائيلية على استبعاد أي تغيير محتمل، لسنوات طويلة قادمة، في النظام العربي، وهذا ما حدا بالسياسة الاسرائيلية الى تعميق العلاقة مع أنظمة ما يسمى بـ "محور الاعتدال" بهدف تقويض ومحاصرة دول ما يسمى بـ "محور الشر"!
4
هنا تكمن الحكاية. استراتيجية اسرائيل، في المنطقة، كانت تقوم على أساس الارتكان الى ما كان يسمى بـ "محور الاعتدال" وتمتين نفوذها وعلاقاتها مع العديد من دول المنطقة. لكن الهبات الشعبية والثورات التي شهدها العالم العربي لم تربك اسرائيل فحسب، انما جعلتها مكشوفة من حيث فشل "الاستشراق الاسرائيلي" في توقع الأحداث المتتالية في العالم العربي، وبالذات الثورة المصرية التي أذهلت اسرائيل وفاجأتها وجعلتها تتخبط في ردود فعلها تحسبًا (في حينه) من فقدان الحليف الاستراتيجي الأول لها في المنطقة، وهو نظام مبارك.
اسرائيل، التي تدعي "الديمقراطية" في المنطقة، لم يرق لها ما يحدث من ثورات شعبية تطالب بدمقرطة البلاد العربية. لذلك لجأت كعادتها الى التخويف من ان البديل سيكون في "الإسلام السياسي". لكن حقيقة الموقف الاسرائيلي مغاير تمامًا. فهي تخشى قوة الشارع العربي وقوة تأثيره. وتريد اجهاض هذا المسار لأنها تعرف انه يسير على الضد من مصالحها.
في بحث جديد أعده د. نهاد علي، من جامعة حيفا، وشمل مجموعة من الشخصيات السياسية والأمنية والعسكرية السابقة في اسرائيل، تبيّن ان من مجموع مئة شخصية جرى الحديث معها بشكل مباشر ووجهًا لوجه (لغرض البحث)، هناك (99) شخصية أكدت رفضها لإجراء تغييرات في الدول العربية باتجاه دمقرطة البلاد العربية ونظام الحكم في البلدان العربية، بينما أيّد ذلك فقط شخصية واحدة من بين المستفتين!!. هذا يدلل على مدى التخوّف الاسرائيلي من دمقرطة المنطقة العربية بما سينعكس، بالضرورة، على تغييرات في التعاطي مع اسرائيل، عربيًا، بعيدًا عن السياسة التي كانت قائمة لبعض الأنظمة العربية وهي سياسة تبعية تخدم الاستراتيجيات الاسرائيلية في المنطقة.
وهذا ما يؤكده أيضًا وزير الشؤون الاستراتيجية الاسرائيلي، موشيه أيالون، الذي قال، بشكل واضح، في تصريح لإذاعة الجيش الاسرائيلي "غالي تساهل"، في شباط الماضي، انه يعارض فكرة الدمقراطية في العالم العربي. لماذا؟ لأن "فكرة الديمقراطية والانتخابات المباشرة قد أثبتت فشلها"، مستدلا بـ "فوز حماس فى الانتخابات الفلسطينية وصعود حزب الله فى لبنان"، كما قال.
اذن، حاولت اسرائيل الرسمية استخدام "الفزّاعة" – التخويف من أي تغيير قادم في النظام العربي باتجاه دمقرطته بذريعة "ان أي انتخابات ستأتي بالأخوان المسلمين الى قيادة دفة الحكم". وهي بذلك انما اعتقدت ان بامكانها التأثير على الغرب وعلى الولايات المتحدة للتدخّل المباشر لدى "أنظمة الفترة الانتقالية" في مصر وتونس بهدف فرملة أي تحرّك باتجاه الحريات والدمقراطية وتأسيس المجتمع المدني ومنع العمل في النظام البرلماني.
ان أول انعكاس لهبة الشعوب، واعادة الاعتبار للشعوب العربية، من خلال الثورات التي تجتاح العالم العربي، لمسناه بعد "عملية ايلات" ومحاصرة الاختيارات العدوانية المتاحة امام اسرائيل للرد عليها. فقد انتهت معادلة تعامل إسرائيل مع الدكتاتوريات العربية، بل والاعتماد عليها، وبالتالي انتهت رسم السياسات على حساب وعلى الضد من الرأي العام العربي.
في العقود الأربعة الماضية شهدنا إسرائيل كدولة قائمة على الأحزاب والسياسة البرلمانية المرتكزة على الرأي العام الشعبي والانتخابي (اليهودي) تتعامل، حرباً أو سلماً، مع عدد من الأنظمة الدكتاتورية العربية التي لا تحفل بالرأي العام عندها. وانتهينا عملياً إلى معادلة سياسية بالغة الإهانة جوهرها الاهتمام المركزي، ليس فقط الإسرائيلي بل والعالمي، بتوجهات الرأي العام الإسرائيلي بكونها تؤثر في قرارات أي حكومة إسرائيلية، مقابل الإهمال والازدراء التام بالرأي العام العربي، المصري والأردني المجاور، ثم ما يليهما، بكونه عديم الفعالية في قرارات اي من الأنظمة القائمة. وفي كل مرحلة من المراحل كان الرأي العام الإسرائيلي عاملاً مهماً ومركزياً، ولم يكن هناك أهمية تُعتبر للرأي العام العربي. والسبب في ذلك أن "الكنز الاستراتيجي" في مصر و"الكنوز الاستراتيجية" في البلدان العربية الأخرى كانت تقرر في الشأن العام، الاستراتيجي والهامشي، بدكتاتورية مطلقة ومن دون أي اهتمام بما تراه شعوبها وما تريده.
5
هذا الوضع لم يعد قائمًا الآن. وتحرّك الشارع المصري ومظاهراته امام السفارة الاسرائيلية في القاهرة، هذا الاسبوع، يؤكد ليس فقط على تشدد الخيارات العربية الفردية والجماعية تجاه إسرائيل، انما ايضًا، واساسًا، على الاهتمام بالرأي العام المصري (والعربي) وعدم امكانية تجاهله أكثر، كما كان يحدث في السابق. الشارع العربي اليوم له نفوذ وله تأثير وله قوة، لا يمكن تجاوزها او القفز عنها. والفسحة الزمنية والاستراتيجية طويلة الأمد التي تمكنت خلالها إسرائيل من فرض رؤيتها وتحديد العناصر الأساسية في التعامل معها إقليمياً، يبدو انها انتهت الآن.
وارتباطًا بما سبق هناك سؤال شبه وجودي يواجه إسرائيل الآن، ويطرحه سياسيون ومفكرون اسرائيليون كثر، ومفاده هل وجود اسرائيل السياسي والاستراتيجي في المنطقة، مشروط بوجود دكتاتوريات عربية وغياب أي إرادة حرة للشعوب، بحيث تعمل تلك الدكتاتوريات كحاجز حماية بين إسرائيل والشعوب العربية عامة؟
إذا تذكرنا وصف إسرائيل للرئيس المصري السابق مبارك بأنه "كنز استراتيجي لها"، فإن ذلك يفسر لنا بدقة حالة القلق والارتباك في اسرائيل إزاء المتغيّرات الجارية في مصر وفي العالم العربي. وفرملة اسرائيل في الرد على عملية ايلات تؤكد، من جديد، ان عهدًا جديدًا ينبني في المنطقة العربية وفي الشرق الوسط عمومًا لا ينحاز، بالضرورة، الى المصالح الاسرائيلية الاستراتيجية. والأيام كفيلة بتوضيح أكثر للأمور. فما زلنا في البداية. والآتي قد يكون أكثر حرجًا وارباكًا لاسرائيل الرسمية.
