العطاء بتفانٍ هو أسمى مُميّزات الشيوعيّين الأوائل بين أهلنا، الّذين ضحّوا بالنفيس والرخيص من أجل البقاء والتجذّر والتطوّر في هذا الوطن الذي ليس لنا وطن سواه. محمد ابراهيم طاطور هو من الرّعيل الأول الذين مارسوا العطاء الوطني والاجتماعي والبلدي طوال عشرات السنين دون كللٍ أو ملل، ولم يَهابوا استبداد السُّلطات والسياسات القمعية ابان الحكم العسكري، ولا الاعتقال والتهديد والوعيد.
بشموخِ المناضلين وحكمة الشيوعيين واجه أبو ابراهيم مع رفاقه في الحزب الشيوعي سياسات التمييز ومصادرة الأراضي والأحكام العسكرية، وقاوموا سياسات التجهيل والاضطهاد القومي، ونادوا بالعدالة الاجتماعية والمساواة المدنية والقومية، محذّرين من اية مقامرة بمصير أهالينا، وأصرّوا على الحفاظ على متانة النسيج الوطني والاجتماعي لأبناء وبنات شعبنا. دافعوا عن هويتنا الوطنية والقومية وصانوها مثل مثل بؤبؤ العين.
عرفناه مناضلًا مخلصًا، وشيوعيًا أصيلًا، ونبراسًا للأخلاق العالية وللتواضع الحقيقي، وعنوانًا لمحبة الناس، كل الناس. عرفناه وطنيًا صادقًا، وفلسطينيًا عزيزًا، وريناويًا مُحبًا لبلده وأهل بلده ، كل الأهل. فلم يبخل أبو ابراهيم ولو للحظةٍ عن العطاء، فكان فيضًا من الانتماء الأصيل الصادق لشعبه وووطنه. كان معطاءً لحزبنا الشيوعي ولم يتردد بأن يشغل عضوية العديد من الهيئات الحزبية خلال سنين طويلة، وان يأخذ على مسؤوليته الكاملة المهمات الحزبيّة الميدانية والتنظيمية، وقد عمل بإخلاص مُطلق من أجل حزبنا وجبهتنا وشعبنا.
زرته في بيته وهو يقاوم المرض ببسالة وشجاعة في الأشهر الأخيرة. لم يستسلم أبو ابراهيم للمرض وآلامه، وهو الشيوعي الذي لا يعرف الاستسلام. بل واجه فترة المرض وهو مُصرٌ على الشفاء والعودة لحياته الاجتماعية والوطنية والحزبية. هذا الاصرار الذي يُميُّز الشيوعيين، يدلُّ على عُمق حبّ الحياة والتضحية والعطاء. فالشيوعيون المخلصون هم من يملكون هذه القُدرة على مواجهة المرض ومواجهة سياسات الظلم في آنٍ واحد، والشيوعيون المخلصون هم أيضًا الّذين رغم تقدمهم بالسن وأوجاع الحياة التي تداعمهم، يواصلون بكل ما يملكون من قوةٍ متابعة هموم اهلهم وشعبهم.
تحدثنا بحنين يطغوا علينا عن دور الشيوعيين ودور حزبنا في تثبيت اسطورة البقاء لشعبنا، ويشاركنا أبو ابراهيم، والعائلة المعطاءة من حوله، بقصص معبّرة وطريفة في تاريخه النضاليّ. تبادلنا الحديث حول مستقبل شعبنا وما يواجهه هذه الايام من سياساتٍ عنصرية متطرفة ممنهجة، وقد لمست بأبي ابراهيم ميّزاته عبر السنين: عمق الرؤيا وصدق الانتماء وحب العطاء.
هذا الرعيل من الشيوعين سيبقى علمًا مرفرفًا في ذاكرة ساحات النضال، ساحات الأول من أيار ومثلث يوم الأرض وهبة أكتوبر، وفي ساحات المظاهرات المنددة بالاحتلال وبالحرب ومن أجل السلام والعدالة والمساواة. موتُهم هو ولادة ذكرى تحمل شعلة الاصرار والأمل، لكي نستمرَّ في هذه الطريق الوعرة والطويلة.
ولا ادقّ من كلمات القائد توفيق زياد في وصف دور الشيوعيبن امثال ابي ابراهيم:
قالوا :شيوعيّون…
قلتُ: أجلهم
حمراً بعزمهم الشعوب تُحرّرُ
قالوا: شيوعيّون...
قلت: أزاهرُ بأريجها هَذي الدّنيا تتعطّرُ
لذكرى ابي ابراهيم البقاء، ولنا الاستمرار بدربه ودرب رفاقه.
النائب د. يوسف جبارين
