أقرّت الكنيست أمس بالقراءة الأولى ما يسمى قانون الجمعيات. وموجزه إجبار كل جمعية تتلقى تمويلا من حكومات أجنبية بما يزيد عن 50% من ميزانيّتها، إعلان هذا –كما لو أنه اعتراف بتهمة!- في كل وثيقة لها، وعند كل اتصال مع نائب في الكنيست أو إحدى هيئاتها. هدف الحكومة المباشر هو وصم جمعيات معيّنة بواحد من أطياف الخيانة، وبالتالي ضرب مصداقيتها وتعليقها على مهداف التحريض. هدفها الأبعد والأعمق هو تكريس الاحتلال والاستيطان.
والجمعيات المستهدفة ليست تلك التي تموّل الاستيطان طبعًا ولا التي تربي على القومجية الصهيونية بالتأكيد. المستهدف هو كل من يغرّد خارج سرب حكومة الصقور اليمينية، ويفكر ويتحدث وينشط بمفاهيم حقوق الانسان والعدالة والمساواة. وبالذات لأن هذه المفاهيم تنتصر للفلسطيني في هذه البلاد - وطنه الثابت الخالد مهما انفلت زعران الفاشية الاسرائيلية بمشاريع فرض "الولاءات" الساقطة..
أي أن استهداف هذه الجمعيات يأتي استكمالا لاستهداف الحق الفلسطيني، لأن الاعتراف بهذا الحق يقوّض شرعية بنيان الاحتلال والاستيطان والتوسّع – أي يسحب البساط من تحت أقدام سياسة ووجود اليمين الاسرائيلي الذي تشكل تلك الموبقات هيكله وديدنه.
ولا بدّ من التنويه هنا الى التزامن بين الهجمة العنصرية على الجماهير العربية الفلسطينية وممثليها، وبين هذه الخطوة العنيفة ضد مؤسسات حقوق الانسان ومناهضة الاحتلال والعنصرية. فقد جرت العادة على التحذير من أن المساس بالعرب هو المقدمة للمساس بحقوق وحريات ديمقراطية لا تقتصر عليهم. هذه المرة نرى التزامن الفاشي واضحًا كالشمس.
الفاشية لا تقف عند حدّ ما، بل تتفشى بطبيعتها. وهذا الانحدار لن يتوقف عند ضرب حرية المناهضين الشجعان لسياسات الاحتلال والاقتلاع والقمع والنهب. بل ستطال آخرين، ممن يختبئون الآن في دهاليز "الاجماع القومي" بطمأنينة وغباء، قبل أن يجدوا أنفسهم في قوائم الملاحقة، لأنهم صمتوا وجبنوا وتخاذلوا حين كان يجب أن يقفوا امام التوحّش السلطوي!
